دراسة الطب عند المسلمين
لقد كان الاطباء يلقون محاضراتهم الطبية على طلابهم في المستشفيات[١]بالاضافة الى مرافقتهم لهم في زياراتهم للمرضى ، حين ممارستهم الطب عمليا ...
وقال ابن ابي اصيبعة : كان ابو الفرج ابن الطيب « يقرىء صناعة الطب في البيمارستان العضدي ويعالج المرضى فيه ، ووجدت شرحه لكتاب جالينوس على اغلوتن ، وقد قرىء عليه وعليه الخط بالقراءة في البيمارستان العضدي ، في يوم الخميس الحادي عشر من شهر رمضان سنة ست واربعمئة »[٢].
وكان ابراهيم بن بكس « يدرس صناعة الطب في المستشفى العضدي لما بناه عضد الدولة »[٣].
وكان ابن ابي الحكم يقعد في الايوان الكبير في البيمارستان ، فكان جماعة من الاطباء والمشتغلين يأتون اليه ، ويقعدون بين يديه ، ثم تجرى مباحث طبية ، ويقرىء التلاميذ ، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب مقدار
[١]مختصر تاريخ العرب ص ٢٨٣ و ٣٦٩ والتراث اليوناني في الحضارة الاسلامية ص ٩٢ وتاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني ص ٢٠٧ وراجع ص ٢٠٥.
[٢]عيون الانباء ص ٣٢٣.
[٣]عيون الانباء ص ٣٢٩.
ثلاث ساعات[١].
ومجلس الرازي لتعليم الطب معروف ومشهور ، فقد كان يجلس في مجلسه ، ودونه التلاميذ ، ودونهم تلاميذهم ، ودونهم تلاميذ آخرون ، وكان يجيء الرجل ، فيصف ما يجد لاول من يلقاه منهم ، فان كان عنده علم ، والا تعداه الى غيره ، فان اصابوا ، والا تكلم الرازي في ذلك[٢].
واول مدرسة طبية منفصلة عن المستشفى كانت ـ فيما اعتقد ـ في سنة ٦٢٢ هجرية قال ابن ابي اصيبعة : « ولما كان في سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
وذلك قبل سفر الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم بن علي عند الملك الاشرف وخدمته له ، وقف داره وهي بدمشق عند الصاغة العتيقة ، شرقي سوق المناخلين ، وجعلها مدرسة يدرس فيها من بعده الطب ، ووقف لها ضياعا وعدة اماكن ، يستغل ما ينصرف في مصالحها وفي جامكية المدرس ، وجامكية المشتغلين بها »[٣].
امتحان الاطباء :
لقد رأينا : ان المسلمين كانوا يمتحنون الاطباء ، ويعطونهم اجازة لممارسة التطبيب ، وممن كان يمتحن الاطباء في سنة ٣٠٩ هـ ، سنان بن ثابت في بغداد[٤]ومهذب الدين الدخوار في مصر[٥]، وابن التلميذ ، المتوفى سنة ٥٦٠ ببغداد[٦]
[١]عيون الانباء ص ٦٢٨.
[٢]تاريخ الحكماء ص ٢٧٣ وعيون الانباء ص ٤١٦ ، وغير ذلك كثير.
[٣]عيون الانباء ص ٧٣٣.
[٤]تاريخ الحكماء ص ١٩١ ، وعيون الانباء ص ٣٠٢ ، وتاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٢٨٢ و ٦٨٦ وتاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني ص ٢٠١. وتاريخ مختصر الدول ص ١٦٢.
[٥]عيون الانباء ص ٧٣١ ، تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني ص ٢٠١.
[٦]عيون الانباء ص ٣٥١ و ٣٥٢.
ويضيف البعض الى هؤلاء : ابراهيم بن سنان ، وابا سعيد اليماني[١].
وذكر في كتاب : تاريخ البيمارستانات في الاسلام اجازتين قد بقيتا من القرن الحادي عشر الهجري، احداهما ترتبط بالفصد ، والاخرى ترتبط بالجراحة[٢].
الاختصاص في الطب :
لقد كان الاختصاص في فروع الطب ظاهرة شائعة بين الاطباء المسلمين ؛ فهناك الطبيب المختص بالجراحة ، وآخر بامراض العين ، وثالث بأمراض النساء ، ورابع بالامراض العقلية ، وخامس في الاسنان ، وهكذا ...
النساء والطب :
ولم يكن الطب مقصورا على الرجال بل لقد كان في النساء ايضا عالمات في الطب ، وقد تقدمت الاشارة الى هنيدة ، وزينب الاودية وغيرهما ... ونزيد هنا : انهم يقولون : ان اخت الحفيد بن زهر الاندلسي وابنتها كانتا عالمتين بصناعة الطب ، ولهما خبرة جيدة بمداواة النساء ، وكانتا تدخلان على نساء المنصور الاندلسي ، ولا يقبل سواهما[٣].
كثرة الاطباء المسلمين :
ان عدد الاطياء طيلة فترة الحكم الاسلامي كثير جدا لا يمكن حصره ،
[١]تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٦٨٦ وراجع ص ٨١٦ وفيه ان ابراهيم بن سنان قد كلف ابا سعيد بذلك ، فكانت النتيجة : ان اجيز ٨٠٠ طبيب وجراح. ولكن الظاهر هو ان الامر قد اشتبه على هذا البعض فخلط بين سنان بن ثابت ، وابراهيم بن سنان كما يظهر من مراجعة : عيون الانباء ص ٣٠٢ وغيره.
[٢]تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٨٢٠.
[٣]عيون الانباء ص ٥٢٤ ، وتاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني ص ٢٠١ عنه.
ولا استطاع مؤلفوا الموسوعات والتراجم ، حتى ذكر اسماء اقل القليل منهم ...
ويكفى ان نذكر : انهم قد احصوا اطباء بغداد وحدها في زمن المقتدر بالله سنة ٣٠٩ وامتحنوهم ؛ فأجيز منهم (٨٦٠) طبيبا ، فأعطوهم الاذن في التطبيب ، سوى من استغنى عن الامتحان لشهرته ، وسوى من كان في خدمة السلطان[١].
وكان سيف الدولة اذا جلس على المائدة حضر معه اربعة وعشرون طبيبا. وكان فيهم من يأخذ رزقين لاجل تعاطيه علمين[٢]. وكان في خدمة المتوكل ٥٦ طبيباً[٣].
وكان يخدم في المستشفى العضدي ٢٤ طبيباً من مختلف الاختصاصات[٤]وحين بنى المعتضد المستشفى ، اراد ان يكون فيه جماعة من افاضل الاطباء واعيانهم ، فأمر ان يحضر له لائحة باسماء الاطباء المشهورين حينئذ ببغداد واعمالها ؛ فكانوا متوافرين على الماءة فاختار منهم نحو خمسين الخ[٥].
الخدمات الطبية عند المسلمين :
وكان للمسلمين ايضا عناية خاصة بالايتام ، والعميان ، والقواعد من النساء فكان لهم رعاية ودواوين خاصة ، تحت اشراف مسؤولين عن امورهم واحوالهم[٦]
« وكان من الاطباء او الصيادلة من هو خاص بالجند ، يرافقه في اسفاره ومنهم من هو خاص بالخلفاء والامراء ، ولهؤلاء رواتب خاصة ، ويعرفون بالمرتزقين ، ومنهم من يطببون العامة ، وهم غير مرتزقين[٧]».
[١]عيون الانباء ص ٣٠٢ ، وتاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني ص ٢٠٠ عنه.
[٢]عيون الانباء ص ٦١٠ وتاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني ص ٢٠٠ عنه.
[٣]تاريخ التمدن الاسلامي ج ٢ ص ٢٠٠ عن عيون الانباء ج ٢ ص ١٤٠ وفيه : انهم كانوا من النصارى!!
[٤]عيون الانباء ص ٤١٥.
[٥]المصدر السابق.
[٦]وفيات الاعيان ج ١ ص ٤٩٥ ط سنة ١٣١٠ هـ والعيون والحدائق.
[٧]تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني ص ٢٠١.
وكان لدى المسلمين دار للمجانين ، وصيدليات تعطي الدواء مجانا في ايام معينة ، وكان الاطباء يذهبون مع ادويتهم الى الاماكن التي لا يمكن بناء مستشفى فيها[١].
وقد ذكر القفطي وغيره في ترجمة سنان بن ثابت : ان الوزير علي بن عيسى الجراح ـ في سنة كثرت فيها الامراض والاوباء ـ قد وقع الى سنان بن ثابت يأمره : بأن يفرد لمن في الحبوس كلها اطباء يدخلون اليهم في كل يوم ، ويحملون معهم الادوية والاشربة ، وما يحتاجون اليه من المزورات ويعالجوا من فيها من المرضى.
ووقع اليه توقيعا آخر ، يأمره بانفاذ متطببين ، وخزانة من الادوية والاشربة يطوفون في السواد ، ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة الى مقامهم ويعالجون من فيه ، ثم ينتقلون الى غيره ، ففعل سنان ذلك[٢].
كما ان المسلمين قد أنشأوا ما نسميه اليوم بالعيادات الخارجية[٣].
هذا ... ولم يكن كل هؤلاء الاطباء يتقاضى اجره ، بل كان من بينهم من يعمل مجانا ، فمثلا لقد « كان ابو بكر بن القاضي ابي الحسن الزهري يطبب الناس من دون اجرة ، ويكتب النسخ لهم[٤]».
ويلاحظ : انهم كانوا في اوائل امرهم يهتمون بفحص البول ، وبالفصد ، والاستفراغ ، ونحو ذلك ... ولكن هذه المعالجات قد بدأت تتطور نحو الافضل باستمرار ، تبعا للتقدم والنبوغ الطبي ، الذي كان يتجلى يوما بعد يوم ، حتى بعث المسلمون في الطب روحا جديدة ، كما هو المعلوم ومعروف لكل احد.
[١]تمدن اسلام وعرب ص ٦١٥.
[٢]تاريخ الحكماء ١٩٣ / ١٩٤ ، وعيون الانباء ص ٣٠١.
[٣]مختصر تاريخ العرب ص ٢٨٣.
[٤]عيون الانباء ص ٥٣٦.
المستشفيات :
الرازي ... وبناء مستشفى :
يقول كوستاف لوبون : لقد بنيت المستشفيات الاسلامية موافقة لاصول حفظ الصحة ، وكانت احسن من المستشفيات الموجودة في هذه الايام. وقضية الرازي حينما اراد ان يختار موقعا للمستشفى معروفة ومشهورة ، فان الطريقة التي استعملها ، يؤيدها اليوم المحققون في الامراض المعدية ، فان الرازي امر بعض الغلمان : ان يعلق في نواح مختلفة من بغداد قطع لحم ، ليرى في ايها لا يتفسخ اللحم وينتن في وقت اقصر ، ليكون الموقع الملائم لبناء المستشفى[١]ويقال : ان هذا المستشفى هو المستشفى العضدي.
ولكن ذكر ابن ابي اصيبعة : ان الرازي كان اقدم من عضد الدولة[٢]، وعليه فلا بد وان يكون الرازي قد اراد بناء مستشفى غير مستشفى عضد الدولة وذلك لان الرازي توفى سنة ٣٢٠ هـ ، وقال الحسن بن سوار بن بابا ، وكان قريب العهد منه : انه توفي في سنة نيف وتسعين وماءتين ، او ثلاثمائة وكسر[٣]وعضد الدولة انما توفى سنة ٣٧٢ هـ ، كما هو معلوم.
ولكن قد ذكر القفطي ان الرازي قد توفي سنة ٣٦٤ وعاش في زمن المكتفي ، وبعض زمن المقتدر[٤]، وعليه فلا مانع من ان يكون قد شارك في اختيار موضع المستشفى العضدي ، كما ذكروا.
[١]راجع تمدن اسلام وعرب ص ٦١٤ وقضية الرازي مذكورة ايضا في عيون الانباء ص ٤١٥ وموجز تاريخ الشرق الادنى ص ١٩٢.
[٢]عيون الانباء ص ٤١٥.
[٣]عيون الانباء ص ٤٢٠.
[٤]تاريخ الحكماء ص ٢٧٢ وراجع تاريخ الاطباء والحكماء ص ١٥٣ الترجمة الفارسية.
بعض احوال المستشفيات :
اما احوال المستشفيات في العهد الاسلامي ، فقد تقدم : ان كوستاف لوبون يقل : انها كانت موافقة لاصول الصحة ، واحسن من المستشفيات الموجودة في هذه الايام ، كما انهم قد شيدوا في كل مدينة مستشفيات عامة ، كما سنرى[١].
وكان لكل مرض قاعة او قاعات خاصة ، يطوفها الطبيب المختص بها ، وبين يديه المشارفون والقوام لخدمة المرضى ، فيتفقد المرضى ، ويصف لهم الادوية ، ويكتب لكل مريض داوءه[٢].
وكانوا يعالجون جميع المواطنين في مستشفياتهم ، سواء اكانوا من المسلمين او من غيرهم ، وكانوا يقومون بعمليات التدفئة للمرضى على اكمل وجه ، ويقدمون لهم المؤمن ، والدثار ، وغير ذلك[٣].
وقال المقريزي عن مستشفى ابن طولون الذي اسسه سنة ٢٥٩ هـ في القاهرة : « وشرط في المارستان ان لا يعالج فيه جندي ، ولا مملوك ، وعمل حمامين للمارستان ، احدهما للرجال ، والاخرى للنساء ، حبسهما على المارستان وغيره ، وشرط : انه اذا جيىء بالعليل تنزع ثيابه ، ونفقته ، وتحفظ عند امين المارستان ، ثم يلبس ثيابا ، ويفرش له ، ويغدى عليه ، ويراح بالادوية والاغذية والاطباء حتى يبرأ ، فاذا اكل فروجا ورغيفا امر بالانصراف ، واعطى ماله وثيابه[٤]».
[١]مختصر تاريخ العرب ص ٢٨٣.
[٢]تاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني ص ٢٠٧ ، عن طبقات الاطباء ج ١ ص ١٥٥.
[٣]تاريخ الحكماء ص ١٩٤ ، وعيون الانباء ص ٣٠٢ و ٣٠١.
[٤]الخطط للمقريزي ج ٢ ص ٤٠٥ ، وراجع الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ج ٢ ص ٢٠٥ / ٢٠٦ والمستشفى لابن طولون ذكر في كتاب الولاة والقضاة للكندي ص ٢١٦ / ٢١٧.
وقال عن المستشفى المنصوري ، الذي بنى في القاهرة سنة ٦٨٣ هـ :
« ... ورتب فيه العقاقير والاطباء ، وسائر ما يحتاج اليه من به مرض من الامراض ، وجعل السلطان فيه فراشين من الرجال والنساء لخدمة المرضى وقرر لهم المعاليم ، ونصب الأسرّة للمرضى ، وفرشها بجميع الفرش المحتاج اليها في المرض.
وافرد لكل طائفة من المرضى موضعا ، فجعل اواوين المارستان الاربعة للمرضى بالحميات ونحوها ، وافرد قاعة للرمدي ، وقاعة للجرحى ، وقاعة لمن به اسهال ، وقاعة للنساء ، ومكانا للمبرودين ، وينقسم قسمين : قسم للرجال ، وقسم للنساء ، وجعل الماء يجري في جميع هذه الاماكن.
وافرد مكانا لطبخ الطعام ، والادوية ، والاشربة ، ومكانا لتركيب المعاجين والاكحال ، والشيافات ونحوها ، ومواضع يخرن فيها الحواصل.
وجعل مكانا يفرق فيه الاشربة والادوية ، ومكانا يجلس فيه رئيس الاطباء لالقاء درس طب ... الخ. » وكان وقفه عاماً لكل احد[١].
المستشفيات الميدانية
لقد كان لدى المسلمين مستشفيات تستصحبها الجيوش معها ، فقد قال ابن خلكان ، والقفطي عن ابي الحكم عبيد الله بن المظفر المغربي ، المتوفى سنة ٥٤٩ هـ : « وذكر العماد الاصفهاني في الخريدة : ان ابا الحكم المذكور كان طبيب البيمارستان الذي كان يحمله اربعون جملا ، والمستصحب في معسكر السلطان محمود السلجوقي حيث خيم ». ثم ذكر خدمة ابن المرخم فيه ايضا طبيبا وفصادا[٢].
[١]راجع : الخطط للمقريزي ج ٢ ص ٤٠٦.
[٢]وفيات الاعيان ج ١ ص ٢٧٤ ط سنة ١٣٠٩ هـ ، وتاريخ الحكماء ص ٤٠٥ وتاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني ص ٢٠٧ عن الاول وعن : تراجم الحكماء.