بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 7

الفصل الاول :

الطب ...

قبل الاسلام


صفحه 8

تذكير :

اننا نرى : انه لابد من اعتماد التاريخ الهجري اساسا لضبط الوقائع والاحداث لان النبي (ص) هو الذي وضع هذا التاريخ ، وبه ضبطت وقائع التاريخ الاسلامي ، وقد تحدثنا عن ذلك بالادلة القطعية في محله في غير هذا الكتاب ...

ولكننا ربما ننقل هنا بعض المطالب عن الاخرين ، الذين يعتمدون التاريخ المسيحي الميلادي ... فنضطر الى ذكر التاريخ الميلادي متابعة لهم ؛ لاننا لا نعطي لانفسنا حق تغيير النص الذي ننقله عنهم ، ولو بهذا المقدار ... فليلاحظ ذلك ...

وشكرا ...


صفحه 9

مبدأ ظهور الطب :

اما متى وكيف كان ظهور علم الطب؟ ففيه اختلاف بين المؤرخين ...

فيرى البعض : ان سحرة اليمن هم الذين وضعوا اساس علم الطب. ويرى آخرون : انهم السحرة من فارس. وفرقة ثالثة : انهم المصريون : ورابعة : الهنود ، او الصقالبة ، او قدماء اليونانيين ، او الكلدان ، الذين نسب اليهم : انهم كانوا يضعون مرضاهم في الازقة ، ومعابر الطرق ، حتى اذا مر بهم احد قد اصيب بذلك الداء وشفى اعلمهم بسبب شفائه ؛ فيكتبون ذلك على الواح ، يعلقونها في الهياكل ، فلذلك كان التطبيب عندهم من جملة اعمال الكهنة وخصائصهم[١]. وقيل غير ذلك ...

ولكن ابن ابي اصيبعة يرى : ان اختراع هذا الفن لا يجوز نسبته الى بلد خاص ، او مملكة معينة ، او قوم مخصوصين ، اذ من الممكن وجوده عند امة قد انقرضت ، ولم يبق من آثارها شيء ، ثم ظهر عند قوم آخرين ، ثم انحط عندهم حتى

[١]راجع في كل ما تقدم : عيون الانباء ص ١٢ وقبلها ، والفهرست لابن النديم ص ٤١٢ ، وطب الامام الصادق للخليلي ص ٥ ـ ٦ وتاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني ص ٢٢ ، ودائرة معارف القرن العشرين لوجدي ج ٥ ص ٦٦١ الى غير ذلك من المصادر الكثيرة.


صفحه 10

نسي ، ثم ظهر على اساس هؤلاء لدى غيرهم ؛ فنسب اليهم اختراعه ، او اكتشافه[١].

هذا ... وثمة رأي آخر يقول : ان صناعة الطب مبدؤها الوحي والالهام ، وقد قال الشيخ المفيد قدس الله نفسه الزكية :

« الطب صحيح ، والعلم به ثابت ، وطريقه الوحي ، وانما أخذه العلماء به عن الانبياء ، وذلك انه لا طريق الى علم حقيقة الداء الا بالسمع ، ولا سبيل الى معرفة الدواء الا بالتوفيق ... الخ[٢]» ... هذا ... وقد ذكروا لهذا القول دلائل وشواهد ، لا مجال لايرادها هنا ؛ فمن ارادها فليراجعها في مظانها[٣].

اما نحن ... فنرى : ان الطب قد وجد منذ وجد الانسان على وجه هذه الارض ، فمنذ ذلك الحين عانى من الداء ، فوفق بالهام من الله الى كثير من الامور التي يمكن ان تعتبر دواء ...

كما اننا نرى : ان كثيرا من المعالجات. وان كانت قد جاءت عن طريق ارشادات الانبياءعليهم‌السلامللناس اليها ، كما قاله الشيخ المفيد ... الا انه ليس كله كذلك ، بل فيه ما جاء عن طريق التجربة ايضا ،. او الصدفة ، او الفكر والملاحظة ، بعد الاطلاع على طبائع بعض الاشياء ، كما هو مشاهد وملموس ... ولعلنا يمكن ان نجد لدى ابن ابي اصيبعة بعض الميل الى هذا الرأي[٤]، وان كان قد عبر في اول كلامه عن صعوبة الجزم برأي ما ، في هذا المجال ...

الصلة بين الطب ، والسحر ، والكهانة :

ان الذي يراجع تاريخ الشعوب والامم الخالية يجد : انه قد كان ثمة صلة

[١]راجع عيون : الانباء ص ٢٧ ط سنة ١٩٦٥ وطب الامام الصادق ص ٥ ـ ٦.

[٢]البحار ج ٦٢ ص ٧٥.

[٣]راجع على سبيل المثال : عيون الانباء ص ١٣ ، فما بعدها والبحار ج ٦٢ ص ٧٥ وطب الامام الصادق ، حديث الاهليلجة ص ٤٣ ـ ٥٠ عن البحار ...

[٤]راجع ، عيون الانباء ص ١٧ ـ ٢٦. ط سنة ١٩٦٥.


صفحه 11

وثيقة جدا بين السحر والطب ، فقد كانوا يداوون مرضاهم بالسحر ، وكان الساحر طبيبا يداوي المريض بسحره : وكذلك كان الكهان يداوون المرضى ايضا.

نعم ... لقد كانوا يداوون مرضاهم بالرقى والتضرعات والتوسلات للالهة. ولاجل ذلك كان الطب من جملة اختصاصات الكهان عموماً في تلك الازمنة[١].

وقد تقدمت الاشارة الى ان الكثيرين ينسبون هذا العلم الى كهنة بابل ، او كهنة الفرس ، او كهنة اليمن الى آخر ما تقدم ... الامر الذي يوضح الدور الهام لهذا الصنف من الناس ... ولسوف نجد فيما يأتي ايضا بعض ما يشير الى هذا :

الطب عند الامم السالفة :

هذا ... ولا بأس بأن نذكر لمحة عن حالة الطب لدى الامم السالفة ، وان كنا لا نرى تفاوتا كبيرا في نوعية المعالجات والتوجهات الطبية بين تلك الامم ، بحيث يجعل في الحديث عن كل واحدة على حده كبير فائدة او جليل اثر.

ولكننا مع ذلك ... سنحاول ان نظهر بعض التوجهات الخاصة التي نلمحها لدى كل امة بقدر الامكان ، وذلك على النحو التالي :

١ ـ الطب عند المصريين :

لقد كانت الرقى والعزائم اساس الطب المصري القديم ، لاعتقادهم ان الامراض من الالهة ، فلا تشفيها الا التوسلات لها ، فكانوا يلجأون الى الكهنة لقربهم منها[٢].

واول طبيب عرف باسمه من المصريين هو ( ايمتحب ) الذي عاش حوالي

[١]المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج ٨ ص ٣٨٠ عن ارشاد الساري ج ٨ ص ٣٦٠. وتاريخ التمدن الاسلامي ، المجلد الثاني ص ٢٢ ، وغير ذلك من المصادر الكثيرة ...

[٢]المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج ٨ ص ٣٨١.


صفحه 12

القرن الثلاثين قبل الميلاد[١].

وتوجد اوراق من البردي ـ وهي سبع ـ وقد كتب بعضها في القرن السادس او السابع عشر ، وبعضها قبل الفي سنة للميلاد ، وفيها ما يرتبط بالطب[٢].

ويذكر وجدي انه من المعروف : ان احد فراعنة مصر ، وهو نيتى بن فينيس ، قد الف كتابا في علم التشريح. واشتهر الملك ( نيخور دفس ) وهو من الاسرة الثالثة من الفراعنة بوضعه رسالة في الطب ، كما ان قيروش ودار ملكي الفرس قد عينا في قصورهما اطباء من المصريين.

ويقول وجدي : « كان للاطباء المصريين امتيازات ، مثل اعفائهم من الضرائب وكان الناس يحملون اليهم هدايا بدل الاجور ، وكان منهم من هو موظف عند الحكومة تنقده اجره في كل شهر ، وكان الناس يستشيرونه بدون اجر »[٣].

٢ ـ الطب عند الكلدان ، والبابليين ، والاشوريين ، والاسرائيليين:

اما الكلدان فكان اطباؤهم من السحرة ، وكان جل اهتمامهم موجها الى معالجة المريض بالرقى ، مع السماح له بتعاطي بعض الاعشاب ، وكانت جميع الامراض عندهم تعزى الى الارواح الشريرة.

كما ان الاشوريين والبابليين كانوا يعتمدون في معالجاتهم على الرقى والعزائم بصورة عامة ... ويعتمدون فيما عن البابليين على الوثائق التي وجدت في خزانة كتب الملك آشور بانيبال ، وهي الان في المتحف البريطاني ، ويرجع حكم ذلك الملك الى القرن السابع قبل الميلاد[٤].

[١]تاريخ العلم ج ١ ص ١١٢ تأليف : جورج سارتون.

[٢]تاريخ العلم ج ١ ص ١١٣ وراجع ص ١٩٦ / ١٩٧ ودائرة معارف القرن العشرين لوجدي ج ٥ ص ٦٥٩ / ٦٦٠.

[٣]و (٤) راجع : تاريخ العلم ج ١ ص ١٩٦ ، وراجع دائرة معارف القرن العشرين ج ٥ ص ٦٦١.


صفحه 13

وقد تقدم : ان كهنة بابل كانوا يضعون مرضاهم في الازقة ، ومعابر الطرق حتى اذا مر احد كان قد اصيب بهذا المرض وشفى ، اعلمهم بسبب شفائه فيكتبون ذلك ... الخ.

ويوجد في قانون حمورابي الاشوري ، الذي حكم حوالي القرن العشرين قبل الميلاد مواد قانونية خاصة بالطب الجراحي[١].

اما الاسرئيليون ، فقد كان الطب عندهم بيد رجال الدين ، وقد وجد في التلمود بعض ما يرتبط بالطب[٢].

ولكن ليعلم : ان التلمود ليس له من القدم بحيث يعبر وجود ذلك فيه عن نبوغ خاص للاسرائيليين في علم الطب ، بل هو قد وضع بعد ان قطع الطب شوطا كبيرا في كثير من مجالاته ،

٣ ـ الطب عند الهنود :

وهو عندهم ايضا يعتمد على السحر والرقى ، وفي كتابهم المسمى ( ريجفيدا ) الذي يتحدث عن خصائص اعشاب كثيرة تجد دعوات تتلى لكثير من الامراض.

و « كان الطب عندهم بيد البراهمة ، وقد عرف اليونانيون ايام مدنيتهم بأن الطب الهندي ارقى من طبهم ، ولكنهم لم يفصلوا وجه هذا الرقى ، فقد تكلم ابقراط كثيرا عن علاجاتهم ، وكان تيوفراست يذكر اعشابا طبية اخذها عنهم »[٣].

٤ ـ الطب عند الصينيين :

ويذكر وجدي ان الصينيين يزعمون : انه كان لديهم حدائق لتربية النباتات

[١]تاريخ العلم ج ١ ص ١٩٨ / ١٩٩.

[٢]دائرة معارف القرن العشرين ج ٥ ص ٦٦١ / ٦٦٢.

[٣]المصدر السابق ج ٥ ص ٦٦٢.


صفحه 14

الطبية قبل المسيح بثلاثة آلاف عام ، وينسبون الى الملك ( هوانج تي ) كتابا في الطب الفه ـ حوالي سنة ٢٦٠٠ قبل الميلاد ، وهو باق عندهم الى اليوم.

وقد استفاد منهم الاوربيون في معارفهم الطبية ، ويقال : ان العالم « بوردو » قد اخذ مباحثه في النبض عن الكتب الصينية ، والمادة الطبية كانت اهم ما شغلهم ويعتبر كتابهم المسمى ( بنتاو ) كنز المادة الطبية ، وفيه (١١٠٠) مادة يسرد خصائصها العلاجية.

وصناعة الطب عندهم حرة يتعاطاها من شاء ، وكانت مدارسهم الطبية في المدن الى القرن العاشر كثيرة ، ثم اختفت الا مدرسة في العاصمة[١].

٥ ـ الطب عند اليونان ، والرومان :

لقد رأينا في الالياذة لهوميروس اشارات الى كثير من المعلومات الطبية ولا سيما الجراحية[٢].

وكان الطب موجودا لدى اليونان قبل ابقراط ، لانه هو نفسه ينقل عن مؤلفات سابقة ، ولكن ابقراط قد خلص هذا العلم مما علق به من الشعوذة والعقائد بالارواح ، ولم يقم ابقراط بما قام به الا اعتمادا على الثروة الطبية الجيدة التي ورثها عن اسلافه[٣].

ويذكر وجدي ايضا : ان الكتب التي سبقت ابقراط مفقودة ، وليس لدينا اقدم من كتبه الان ، وكان الطب عندهم سحريا يعتمد على الرقى والعزائم. ثم لما نبغ الفلاسفة امثال انكزيماندوا ، وبارفيد ، وهيراقليت وغيرهم تكلموا في الاهوية ، والاغذية ، والامراض ، وغير ذلك. ثم جاء فيثاغورس فاشتغل بالطب وكتب امبيدو كل في الجنين والحواس ، والوراثة والتوالد.

[١]راجع : دائرة معارف القرن العشرين ج ٥ ص ٦٦٣.

[٢]تاريخ العلم ج ٢ ص ٢١٥.

[٣]تاريخ العلم ج ٢ ص ٢١٧ ودائرة معارف القرن العشرين ج ٥ ص ٦٦٤.