بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 12

نعلم شيئا عنه، و كان عمّه يوسف من كبار العلماء قد بلغ درجة القضاء و تولّى إفتاء دار العدل.

كان ما يزال رضيعا لم يمش حين أصاب أمّه أزدان الطاعون، فنشأ يتيم الأمّ، في كنف والده عليّ، و عمّه يوسف، و أخيه من أمّه الخواجا برهان الدين بن قنديل.

و قد كانت البيئة و الأسرة تحدّدان غالبا وجهة المولود، و ترسمان طريقه في الحياة. فلا غرو إن مضى ابن طولون في طريق العلم، و قد نشأ في الصالحية و رعاه عمّه قاضي القضاة و مفتي دار العدل.

ثقافته و الكتب التي قرأها

بدأ صاحبنا بتعلّم الخطّ في مكتب المدرسة الحاجبية[1]، بالقرب من منزله. ثم انثنى يحفظ القرآن بمكتب مسجد العساكرة[2]، فختمه و عمره سبع سنوات.

كان ختم القرآن مبدأ انطلاقه نحو العلوم المعروفة في عصره. فانصرف إليها يساعده ذكاء خارق و ذاكرة قويّة، فقرأها على كبار شيوخ دمشق في أواخر القرن التاسع و أوائل العاشر. و لا يهمّنا أسماء هؤلاء الشيوخ بقدر ما يهمّنا أسماء العلوم التي درسها، و الكتب التي قرأها[3]، ذلك لأن هذه العلوم و الكتب هي التي كوّنت ثقافته و شخصيّته العلميّة. و عرضها يدلّنا على ما كان شائعا في عصره من العلوم، و ما كان يعتمد فيها من‌

[1]-عن هذه المدرسة انظر: النعيمي، الدارس 1: 501، و هي من مدارس الحنفية.

[2]-عن مسجد العساكرة انظر: ابن طولون، القلائد 1: 249.

[3]-يعنى الباحثون أغلب الاحايين بذكر أسماء الشيوخ و حدهم عند دراسة أحد الاعلام، مع أن ذكر ما قرأه و درسه قد يكون أكثر شأنا.


صفحه 13

الكتب. و بذلك نؤرّخ للجانب الثقافي من العصر من خلال ثقافة ابن طولون نفسه.

قامت ثقافة ابن طولون على المشاركة في جميع العلوم. فقد شاء أن يأخذ منها جميعا، فلا يختصّ بعلم واحد. و قد شهد له بعرفانه فيها طائفة كبيرة من الشيوخ و العلماء، بعد أن عرض ما قرأه من الكتب عليهم.

فقد انصرف إلى الفقه الحنفيّ، مذهب آبائه، فحفظ فيه‌[1]: المختار للمجد البغدادي، و الكنز للنسفي، و مجمع البحرين لابن الساعاتي، و الهداية للمرغيناني.

و إلى القراءات فحفظ: الجزريّة و الدرّة لابن الجزريّ، و حرز الأماني للشاطبي، و قرأ القرآن بالسبع افرادا و جمعا.

و عمد إلى الحديث- و كان، على قوله، قد باد جماله و حاد عن السنن المعتبر عمّاله- فقرأه على ما يقرب من خمس مائة شخص في خلال عشر سنين. قرأ صحيح البخاريّ، و مسلم. و سنن النسائي، و ابن ماجه، و أبي داود، و الترمذي. و مسند الشافعي، و أبي حنيفة، و أحمد بن حنبل، و الدارمي، و موطأ مالك. و لم يشأ أن يقرأ الحديث رواية، بل قصد إلى الدراية. فقرأ النخبة و شرحها لابن حجر، و ألفية علوم الحديث لزين الدين العراقي، و شرحها للزين العيني.

و اهتمّ بأصول الفقه. فقرأ المنار للنسفي، و شرحه لابن فرسته، و شرح المغني للقاآتي، و شرح التنقيح لصدر الشريعة.

و قرأ في التفسير الاتقان للسيوطي و بعض كشاف الزمخشري.

[1]-عن الكتب التي سترد اسماؤها انظر: كشف الظنون لحاجي خليفة؛ و تاريخ الآداب العربية لبروكلمن-GAL ؛ و معجم المطبوعات لسركيس.


صفحه 14

و في الفرائض فرائض السراج الجاوندي، و الطرق الواضحات لعرفة الورّاق، و غيرهما.

و لم يشأ أن يهمل علوم العربيّة:

فقرأ في النحو: الأجرومية للجرومي، و البصرويّة للبصروي، و الملحة للحريري، و شذور الذهب لابن هشام الأنصاري، و ألفية الجمال ابن مالك، و شرحها لابنه البدر بن مالك.

و في أصول النحو: الاقتراح للسيوطي.

و في علم اللغة: المزهر للسيوطي.

و في علم التصريف: شرح تصريف العزّي للتفتازاني، و شرح المراح، و شرح الشافية للجاربردي.

و في علم العروض: الأندلسيّة لأبي الجيش الأندلسي، و الخزرجيّة للضياء الخزرجي.

و في علم القوافي: الرامزة، و الكافي لابن برّي.

و في المعاني و البيان: تلخيص المفتاح للجلال القزويني، و شرح المختصر للتفتازاني.

و في البديع: شرح البديعيات و مختصره لابن حجّة.

ثمّ ترقت همته إلى علوم أخرى:

فقرأ في علم الكلام: شرح العقائد النسفيّة للسعد التفتازاني، و حاشيته للخيالي، و شرح الطوالع للأصبهاني.

و في المنطق: الرسالة الأثيرية لأثير الدين الأبهري المشهورة بايساغوجي، و شرحها للكاتبي، ثم لابن الفنري، و الشمسية للكاتبي و شرحها للقطب التفتازاني، و شرح المطالع للقطب.

و في التصوّف: ابتغاء القربة في اللباس و الصحبة لأبي الفتح‌


صفحه 15

الاسكندري، و صدق التشوّف إلى علم التصوّف للجمال بن المبرّد، و عوارف المعارف للسهروردي.

أمّا في التاريخ: فقرأ: الشماريخ للسيوطي.

على أنّه لم يقنع بعلوم الدين و العربيّة و الفلسفة و التاريخ، بل تطلع إلى علوم وضعيّة بحتة.

فقرأ في الطبّ: متن الكليّات للايلاتي، و شرح كليات القانون للرازي، و الموجز لابن النفيس، و بعض شرح فصول أبقراط لابن القفّ، و المنصوري في الطب للرازي، و شرح ملّى على الأسباب و العلامات للسمرقندي، و الأعشاب و الطب النبوي للجمال بن المبرّد، و الأمنيات في الحميات لليلداني.

و قرأ في علم الهيئة: الملخص للجغميني، و شرحه للشريف.

و في علم الهندسة: أشكال التأسيس للشمس السمرقندي و شرحه للشريف.

و في علم الحساب: اللمع و الوسيلة و النزهة و الحاوي لابن الهائم، و التلخيص لابن البنّاء.

و في علم الميقات: المقنطرات للشرف الخليلي، و المقنطرات للبرهان الزمزمي، و منظومة الجيب للعلاء الزمزمي، و الشمسية في الأعمال الجيبية للشمس بن أبي الفتح، و تحفة الأحباب في الباذهنج، و نصب المحراب للمجدي، و غيرها.

و في علم البنكامات: الاعلام بشدّ البنكام للشمس بن أبي الفتح.

و في علم الفلك: كشف الحقائق في حساب الدرج و الدقائق للمجدي، و حساب الدرج و الدقائق بجدول النسبة الستينية لأبي الفضل الموقت، و الكواكب السبعة من مختصر زيج ابن الشاطر، اختصار الشهاب الحلبي.


صفحه 16

و في علم الطبيعي: الهداية للأبهري.

و يذكر في الفلك المشحون أن العلوم التي قرأها ثمانية و ثلاثون علما، و في ضمنها علوم أخر تزيد مع هذه على اثنين و سبعين علما.

فهذه العلوم التي قرأها تؤلّف الثقافة الإسلاميّة التي كانت سائدة في عصره، دون النظر إلى عمق هذه الثقافة أو ضعفها.

و نلاحظ أن الكتب التي قرأها بعضها كان من نتاج عصره و العلماء المعاصرين له، و بعضها الآخر كان ممّا ألّف في العصور التي سبقته.

و كثير من هذه الكتب كان ما يزال حتى العصر الحديث عمدة في هذه العلوم لدى الفقهاء و الطلبة من أهل الدين.

و نرى من هذا أنّ ابن طولون ألمّ بألوان الثقافة المعروفة في عصره، و شارك بها. و أتيح له عن طريق ذلك أن يقرأ على القرّاء و المحدّثين و الأصوليّين و الفقهاء و النحاة و اللغويّين و المناطقة و المؤرّخين و المتصوّفين، و الأطباء، و المنجمين، و علماء الفلك و الهيئة و الطبيعي و الموقعين و غيرهم.

و أتيح له أيضا أن يتجاوز علماء دمشق- الذين أجازوه إجازات كثيرة شهدوا بها بعلمه و إتقانه و درايته- إلى علماء مصر لينال الإجازة منهم عن بعد.

هذا الاهتمام بالعلم، و الأخذ به على اختلاف جوانبه و ألوانه، و ما نتج عنه من ثقافة واسعة أتاح لابن طولون ثلاثة أمور:

الأول: أن تفتح أمامه أبواب الوظائف العلميّة على اختلاف أنواعها.

الثاني: أن يصبح، بعد أن تقدّمت به السنّ، شيخ عصره و أن يقرأ عليه كبار الشيوخ.


صفحه 17

الثالث: أن يسهل عليه التأليف في جميع العلوم التي قرأها.

وظائفه العلمية

أمّا الوظائف العلميّة فنراه يصل إليها في سنّ مبكّرة. و هي و إن كانت لم تتعدّ قراءة القرآن و التدريس و الامامة ... فإنّنا نجدها تدرك الافتاء في آخر حياته، لكنه يمتنع منه.

و ها نحن نقدّم جدولا بالوظائف التي نالها، مرتبا على السنين، مع بيان سنّه:

السنة/ عمره/ الوظيفة

880 ه/ سنة مولده/ 891/ 11/ الفقاهة[1]في الماردانية[2]

894/ 14/ نصف تدريس في الماردانية مع عمّه- مشارفة[3]في المدرسة المرشدية[4]- فقاهة في المرشدية 895/ 15/ فقاهة في الايوان داخل الجامع الجديد[5]بالصالحية.

[1]-قال دهمان: الفقاهة أن يكون صاحب الوظيفة مشتغلا بالفقه سواء كان طالبا مبتدئا او فقيها عالما.( مقدمة القلائد الجوهرية، ص 15) و نضيف أن صاحب هذه الوظيفة كان يتناول راتبا.

[2]-من مدارس الصالحية الحنفية. انظر النعيمي، 1: 592.

[3]-قال دهمان: هي أن يشرف على أمور المدرسة كالنظافة و الخدمة و أمثالها( مقدمة القلائد، ص 14).

[4]-من مدارس الصالحية الحنفية. انظر النعيمي، 1: 576.

[5]-انظر عن موقعه و وصفه القلائد 1: 60 2


صفحه 18

901 ه/ 21/ قراءة القرآن بتربة الشهابية[1]- قراءة القرآن بالعزية[2]- قراءة القرآن بالعلمية[3]- خطابة بالمدرسة الركنية[4].

902/ 22/ قراءة القرآن بالدلامية[5]- فقاهة بالخاتونية[6].

906/ 26/ قراءة صحيحي مسلم و البخاري بالجامع الجديد بالصالحية.

908/ 28/ إمامة الخانقاه اليونسية[7]- إمامة الزاوية السيوفية[8].

909/ 29/ القراءة بتربة السعرتية[9]- القراءة بمدرسة أبي عمر[10]- القراءة

[1]-انظر عنها القلائد 1: 222- 223، و تعليق الاستاذ دهمان.

[2]-انظر عن هذه التربة القلائد 1: 224- 225

[3]-من مدارس الحنفية بالصالحية. انظر النعيمي 1: 558

[4]-هي الركنية البرانية بالصالحية. انظر القلائد 1: 49

[5]-هي دار القرآن الدلامية. انظر النعيمي؛ دور القرآن بدمشق( تحقيقنا) ص 31

[6]-هي الخاتونية البرانية بالصالحية. انظر القلائد 1: 153، و النعيمي 1: 502

[7]-انظر عنها النعيمي، 2: 189

[8]-انظر عنها النعيمي، 2: 202

[9]-انظر عنها النعيمي 1: 150

[10]-تسمى المدرسة الشيخة لقدمها. انظر القلائد 1: 165؛ النعيمي 2: 100


صفحه 19

بتربة العيني‌[1]- تفرقة الربعات‌[2]في المدرسة الجوهرية[3]- مشيخة الزاوية المنجية[4]- النظر على خزانة كتب علاء البخاري بمشهد عروة[5]بالجامع الأموي.

912 ه/ 32/ قراءة المصحف تحت قبّة النسر[6]في الجامع الأموي- تدريس ايوان تربة العيني.

921/ 41/ إعادة التدريس بالمقدّمية الجوانية[7]- التدريس بالجامع الأموي نيابة.

924/ 44/ القراءة بتربة شاهين الشجاعي‌[8]تحت كهف جبريل‌[9]بجبل‌

[1]-بالجامع الجديد بالصالحية.

[2]-قال دهمان: الربعة صندوق مربع يوضع فيه القرآن الكريم حالة كونه ثلاثين جزءا، أو حين القراءة يفرق على الحاضرين فيقرأ كل انسان جزءا من الثلاثين( مقدمة القلائد، ص 19).

[3]-انظر النعيمي 1: 498

[4]-لم يذكرها النعيمي

[5]-انظر عن موقعه مخطط دمشق القديمة لنا- و دراستنا عنه في مجلة المجمع العلمي العربي، المجلد العشرون، الجزء الثاني، 1954

[6]-عن قبة النسر انظر: مسجد دمشق( تحقيقنا) ص 5، 13، 14، 15، 17، 26.

[7]-انظر النعيمي، 1: 594

[8]-كان دوادار السلطان شيخ. توفي سنة 813.

[9]-عن كهف جبريل انظر تاريخ مدينة دمشق( تحقيقنا) المجلدة الثانية ص 111