بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 32

الأصول فقال(رحمه اللّه)إنّ الشيخ محمّد تقي الأصفهاني أغنانا عن ذلك بما كتبه من التعليقة على المعالم.

الاتّجاه الأخباري و الأمين الأسترآبادي:

إلاّ أنّ حدثا جديدا طرأ على هذا العلم، فقد ظهر في هذه الفترة اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيخ على يد الشيخ محمّد أمين الأسترآبادي (المتوفّى 1036 ه)[1]مؤلّف كتاب (الفوائد المدنيّة) في الاستغناء عن القواعد العقليّة. و عرف هذا الاتّجاه الجديد ب(الأخباريّة) في مقابل المدرسة الأصوليّة السائدة في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة.

و رغم أنّ الأمين الأسترآبادي يحاول أن يبرز لهذا الاتّجاه عمقا تاريخيّا يمتدّ إلى عصر الصدوقين و الفقهاء الأوائل و لكن من الواضح أنّ هذا الاتّجاه بأبعاده و خصائصه و قواعده- الّذي يذكره الأمين الأسترآبادي في (الفوائد المدنيّة)- اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيعة.

و قد كاد هذا الاتّجاه الجديد أن يحدث صدعا في الاجتهاد عند الشيعة لو لا أنّ الفقهاء و الأصوليّين وقفوا أمام هذا التوجّه و دافعوا عن الطابع العقليّ للأصول ممّا أدّى إلى تقلّصه و تراجعه بالتدريج و ضعفه عن مواصلة التحرّك و التأثير على الوسط الفقهي في المدارس الشيعيّة.

و يبدو أنّ الخلفيّة التي كانت من وراء ظهور هذه المدرسة هي التخوّف من الاستغراق في اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد، و الابتعاد عن النصّ الشرعي، كما حدث ذلك لمدرسة الرّأي عند أهل السنّة، حيث

[1]رياض العلماء 5: 36. و في الذريعة 16: 358، توفّي سنة 1033.


صفحه 33

استدرجهم اعتماد الرّأي إلى القياس و الاستحسان و محاولة استنباط أحكام اللّه تعالى بمثل هذه المصادر الظنّيّة التي لا تغني عن الحقّ شيئا.

غير أنّ الأمين الأسترآبادي و من جاء بعده من أعلام الأخباريّين غالوا في هذا التحفّظ و التخوّف حتّى أدّى بهم ذلك إلى موقف سلبي من العقل و الملازمات العقليّة و التشكيك في حجيّة الأحكام العقليّة إلاّ ما كان له مبدأ حسّي أو قريب من الحسّ كالرياضيّات.

الدليل العقلي بين الأصوليّين و الأخباريّين:

و قد وجدت أنّ كلمات الأخباريّين مضطربة و مختلفة في أمر اعتماد العنصر العقليّ في الاجتهاد حتّى أنّ المحقّق الخراسانيّ(رحمه اللّه)استقرب في كتابه (كفاية الأصول) أن يكون مقصود الأخباريّين واحدا من اثنين أحدهما كبروي و الآخر صغروي، أمّا الأمر الكبروي فهو منع الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي (بين ما يجب بالعقل و ما يجب بالشرع)، و أمّا الأمر الصغروي فهو التشكيك في إمكان الوصول إلى نتائج قطعيّة من المقدّمات العقليّة و أنّ نتائج المقدّمات العقليّة لا تزيد على أن تكون أحكاما ظنيّة.

و يعتقد المحقّق الخراسانيّ أنّ كلمات الأخباريّين و لا سيّما في كتاب (الفوائد المدنيّة) لا تفقد الدليل على وجود مثل هذا الاتّجاه السلبي تجاه العقل[1].

و لو أنّ علماء الأخباريّين كانوا يستوعبون الموقف السائد في المدرسة

[1]راجع كفاية الأصول ص 311.


صفحه 34

الأصوليّة في التفريق بين الظنّ و الرّأي الّذي لا يغني عن الحقّ من جانب و بين حكم العقل القطعي من جانب آخر لما سلكوا هذا المسلك العسير من الرّأي.

فإنّ الحجّة عند الأصوليّين هو الدليل الّذي يثبت متعلّقه ثبوتا قطعيّا سواء كانت حجيّته ذاتيّة و هو القطع (العلم) أو كانت حجّيّته عرضيّة و هي الطرق و الأمارات التي تثبت حجّيّتها بدليل قطعي و حجّيّة القطع ذاتيّة لا يمكن أن تناله يد التشريع لا سلبا و لا إيجابا فإنّ القطع هو انكشاف المقطوع به للقاطع، و ما كان كذلك كانت الحجّيّة حاصلة له بالذات، و لا معنى لتحصيل ما هو حاصل بالذات، كما لا معنى لسلبها، و أمّا الأمارات و الطرق الظنّيّة فإنّ حجّيّتها تؤول أخيرا إلى ما يكون حجّة بالذات أخذا بالقاعدة العقليّة المعروفة القائلة (إنّ كلّ ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات).

و من لوازم الحجّيّة العقليّة: المنجزيّة و المعذريّة، فيحكم العقل بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفة الحجّة إذا أصابت الحجّة الواقع، كما يحكم بقبح عقابه و إعذاره على تقدير موافقة الحجّة أصابت الحجّة الواقع أم لا. و هذه القضايا من بديهيّات علم الأصول.

و لا سبيل للنقاش في شيء من ذلك و الأدلّة العقليّة قائمة على هذه البديهيّة.

و أمّا الرّأي الّذي يستند الظنّ و لا يستند حجّة ذاتيّة أو حجّة مجعولة من قبل الشارع قطعا فلا شأن له في الاستنباط.

و لو أنّ الأخباريّين كانوا يستوعبون هذه البديهيّة في الحجّيّة لما حدث هذا الصدع في الاجتهاد، و لما تجاوز الخلاف بينهم و بين الأصوليّين الخلاف الصغروي في قيام الحجّة و عدمها، لا التشكيك في أصل حجّيّة


صفحه 35

الأحكام العقليّة و ملازمتها في الشرع في فرض وقوعها و حصولها.

و هذه هي النقطة الجوهريّة في الخلاف بين الأخباريّين و الأصوليّين.

المسائل الخلافيّة الأخرى بين المدرستين:

و أهمّ المسائل التي اختلفت فيها هاتان المدرستان بعد مسألة حجّيّة العقل و التلازم بين الحكم العقلي و الشرعي هي:

أوّلا: قطعيّة صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثيّة الأربعة من الروايات لاهتمام أصحابها بتدوين الروايات التي يمكن العمل و الإحتجاج بها و عليه فلا يحتاج الفقيه إلى البحث عن أسناد الروايات الواردة في الكتب الأربعة و يصحّ له التمسّك بما ورد فيها من الأحاديث و هذا هو رأي المدرسة الأخباريّة.

أمّا الأصوليّون فلهم رأي آخر في ما ورد في الكتب الأربعة و يقسّمون الحديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة: الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف و يأخذون بالأوّلين أو بالثلاثة الأول دون الأخير.

ثانيا: عدم جريان البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة و هو رأي للأخباريّين، أمّا الأصوليّون فيذهبون إلى صحّة جريان البراءة في الشبهات الحكميّة الوجوبيّة و التحريميّة بالعقل و الأدلّة النقليّة.

ثالثا: نفي حجّيّة الإجماع و هو رأي معروف للأخباريّين أمّا الأصوليّين فيتمسّكون بالإجماع إذا كان من الإجماع المحصّل.

رابعا: نفي الإحتجاج بالكتاب العزيز. و قد توقّف الأخباريّون عن العمل بالقرآن ما لم يرد فيه إيضاح من الحديث و ذلك لطروّ مخصّصات و مقيّدات من السنّة لعموماته و مطلقاته، و لما ورد من الأحاديث الناهية عن


صفحه 36

تفسير القرآن بالرأي.

و مهما يكن من أمر فقد توسّعت هذه الحركة العلميّة و شقّت طريقها إلى الأوساط العلميّة الشيعيّة و فرضت طريقتها على العقليّة الفقهيّة الشيعيّة بفضل الجهود التي بذلها مؤسّس هذه الطريقة الأمين الأسترآبادي(رحمه اللّه)فقد كان الأمين الأسترآبادي شخصيّة قويّة من الناحية العلميّة، و يبدو على مناقشاته و أبحاثه في كتابه (الفوائد المدنيّة) القدرة على البحث العلمي و الدقّة العلميّة.

و قد أشغلت هذه المعارضة العلميّة التي قادها الأمين الأسترآبادي فقهاء الشيعة فترة من الزمان، و أدخلتهم في صراع لم يكن لهم به عهد من قبل.

و قد يكون الّذي حدث خيرا لهذا العلم فإنّ هذا الصراع قد فتح لهذا العلم فرصا جيّدة للنمو و التكامل و التلاقح ... لم يتمّ لو لا ظروف هذا الصراع.

تطوّر علم الأصول بعد الأمين الأسترآبادي:

و ظهر في هذه الفترة نفر من كبار علماء الأصول جاءوا من بعد هذه المعركة الفكريّة التي أثارها الأمين الأسترآبادي ... حاولوا أن يثروا هذا العلم بتحقيقات جديدة و أن يحكّموا بناء هذا العلم و يقنّنوه و يحدثوا في مناهج البحث الأصولي تغييرات جوهريّة.

و هذه الحركة العلميّة التي قام بها هذا النفر من العلماء كان لها دور كبير في إعادة الحيويّة إلى البحث الأصولي و إن لم يكن لها دور حاسم في أضعاف الاتّجاه الأخباري و تطويقه، فقد بقيت المدرسة الأخباريّة رغم ظهور علماء كبار في أصول الفقه في هذه الفترة تتحرّك بقوّة في أوساط الفقه


صفحه 37

و الاجتهاد. و لم يتمّ عزل هذه المدرسة إلاّ على يد الفقيه محمّد باقر البهبهاني المعروف على لسان تلاميذه بالوحيد البهبهاني، كما سوف نرى إن شاء اللّه تعالى في هذا البحث.

إلاّ أنّ من الحقّ أنّ العلماء الذين جاءوا في هذه الفترة و ألّفوا و حقّقوا في الأصول كان لهم دور كبير في إنضاج مدرسة الوحيد البهبهاني و الشيخ الأنصاري.

و التحقيقات التي تمّت في هذه الفترة من ظهور مدرسة الأمين إلى ظهور مدرسة الوحيد كان لها تأثير مباشر و قويّ في تنقيح و بلورة و تقنين الفكر الأصولي لدى كلّ من المدرستين اللّتين ظهرتا بعد المدرسة الأخباريّة و هما مدرسة «الوحيد البهبهاني» و مدرسة «الشيخ الأنصاري» و هاتان المدرستان تدينان لهما.

و أبرز العلماء الذين ظهورا في هذه الفترة هم:

الحسين بن رفيع الدين محمّد الحسيني (المتوفّى سنة 1064 ه)[1]:

و يعرف ب(سلطان العلماء) لأنّ الشاه عبّاس الصفوي استوزره فترة من الزمان و زوّجه ابنته، كما استوزره الشاه صفي و الشاه عبّاس الثاني، كتب على كتاب (المعالم) تعليقة معروفة فيها كثير من التحقيقات النقديّة لنظريّات صاحب المعالم.

الفاضل التوني (المتوفّى سنة 1071 ه)[2]:

ألّف مجموعة من الكتب في الفقه و الأصول، و لكن لم يبق لنا من هذه

[1]أعيان الشيعة 6: 164.

[2]الكنى و الألقاب 2: 128.


صفحه 38

المجموعة إلاّ (الوافية) الّذي هو من خير ما ألّف في هذا العلم على ما فيه من إيجاز و قد طبع الكتاب قبل زمن طويل في الهند و نفذ في حينه، و لم يعد لهذا الكتاب وجود و أثر في الأوساط العلميّة حتّى أقدم أخيرا مجمع الفكر الإسلامي بإعادة طبعه و إخراجه بصورة جيّدة، و قد تمّ تحقيق هذه الطبعة بجهود أخينا الجليل السيّد محمّد حسين الكشميري حفظه اللّه و جزاه اللّه خيرا.

و للشيخ الأنصاري في (فرائد الأصول) اهتمام بليغ بهذا الكتاب فهو يذكره و يشيد بآرائه و ينتقده باحترام خاصّ.

و قد سبق الفاضل التوني معاصريه في تنظيم أبواب الأصول و نقد المنهج الأصولي المعمول به لدى العلماء في عصره و من قبلهم. فهو يرى أنّ علم الأصول ينقسم إلى شطرين، مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة و هو التقسيم المعمول به إلى حدّ ما حتّى اليوم. و يرى أنّ مباحث مقدّمة الواجب و الضدّ و المفاهيم يجب أن تندرج في المباحث العقليّة دون مباحث الألفاظ في الوقت الّذي كان العلماء المعاصرون له و من قبلهم يدرجون هذه المباحث في بحث الألفاظ.

و حتّى اليوم، فإنّ المنهج المعمول به و المتعارف في الكتب الأصوليّة و دروس الأصول هو درج هذه الأبحاث في مباحث الألفاظ، فالمحقّق الخراسانيّ مثلا وضع هذه المباحث في المجلّد الأوّل من كتابه (كفاية الأصول) و هو المجلّد الخاصّ بمباحث الألفاظ ... و في (الوافية) يضع الفاضل التوني هذه المباحث ضمن الأبحاث العقليّة تحت عنوان (التلازم بين الحكمين) و قد وجدنا من المتأخّرين المحقّق الشيخ محمّد الحسين الأصفهانيّ يلتزم بهذا النظم إلى حدّ مّا في كتابه القيّم الّذي وضعه في أصول الفقه و هو: (الأصول


صفحه 39

على النهج الحديث).

و ممّا يلاحظ في (الوافية) تقسيم الأدلّة إلى أدلّة شرعيّة (و هي الكتاب و السنّة و الإجماع) و أدلّة عقليّة و يقسّمها إلى ما يستقلّ بحكمه العقل و ما لا يستقلّ.

و مهما يكن من أمر فإنّ هذا العالم الجليل قد فتح للعلماء في كتابه الصغير هذا من فرص التفكير و التجديد و الإبداع الشيء الكثير.

و الّذي يقارن بين هذا الكتاب و كتاب (المعالم) للشيخ محمّد بن زين الدين(رحمه اللّه)و هو بحجمه يلمس الفارق الكبير في المستوى و العمق بين هذين الكتابين اللذين ألّفهما عالمان من أعلام هذا العلم يفصل بينهما نصف قرن من الزمان تقريبا و هو زمن قصير في عمر تاريخ العلم.

المحقّق السيّد حسين الخوانساري (المتوفّى سنة 1098 ه)[1]:

خلّف لنا هذا العالم الجليل كتابه الكبير الواسع (مشارق الشموس في شرح الدروس) و قد كان الكتاب طبع من قبل طباعة على الحجر غير محقّقة و لا منظّمة و نفذت نسخ الكتاب، و أعادت أخيرا مؤسّسة آل البيت(عليهم السلام)طبع هذا الكتاب على نفس النسخة المطبوعة السابقة بالأفست. و الكتاب حافل بالتحقيقات العلميّة، و نأمل أن يوفّق اللّه العلماء إلى تحقيق هذا الكتاب و إخراجه بالشكل المناسب الّذي يلائم قيمته العلميّة.

و للكتاب طابع عقلي واضح و يطغى هذا الطابع العقلي على منهجه و طريقته في البحث ...

و قد يصحّ أن نقول: إنّ هذا المحقّق الجليل هو من أوائل الّذين

[1]رياض العلماء 2: 58.