الأحكام العقليّة و ملازمتها في الشرع في فرض وقوعها و حصولها.
و هذه هي النقطة الجوهريّة في الخلاف بين الأخباريّين و الأصوليّين.
المسائل الخلافيّة الأخرى بين المدرستين:
و أهمّ المسائل التي اختلفت فيها هاتان المدرستان بعد مسألة حجّيّة العقل و التلازم بين الحكم العقلي و الشرعي هي:
أوّلا: قطعيّة صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثيّة الأربعة من الروايات لاهتمام أصحابها بتدوين الروايات التي يمكن العمل و الإحتجاج بها و عليه فلا يحتاج الفقيه إلى البحث عن أسناد الروايات الواردة في الكتب الأربعة و يصحّ له التمسّك بما ورد فيها من الأحاديث و هذا هو رأي المدرسة الأخباريّة.
أمّا الأصوليّون فلهم رأي آخر في ما ورد في الكتب الأربعة و يقسّمون الحديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة: الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف و يأخذون بالأوّلين أو بالثلاثة الأول دون الأخير.
ثانيا: عدم جريان البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة و هو رأي للأخباريّين، أمّا الأصوليّون فيذهبون إلى صحّة جريان البراءة في الشبهات الحكميّة الوجوبيّة و التحريميّة بالعقل و الأدلّة النقليّة.
ثالثا: نفي حجّيّة الإجماع و هو رأي معروف للأخباريّين أمّا الأصوليّين فيتمسّكون بالإجماع إذا كان من الإجماع المحصّل.
رابعا: نفي الإحتجاج بالكتاب العزيز. و قد توقّف الأخباريّون عن العمل بالقرآن ما لم يرد فيه إيضاح من الحديث و ذلك لطروّ مخصّصات و مقيّدات من السنّة لعموماته و مطلقاته، و لما ورد من الأحاديث الناهية عن
تفسير القرآن بالرأي.
و مهما يكن من أمر فقد توسّعت هذه الحركة العلميّة و شقّت طريقها إلى الأوساط العلميّة الشيعيّة و فرضت طريقتها على العقليّة الفقهيّة الشيعيّة بفضل الجهود التي بذلها مؤسّس هذه الطريقة الأمين الأسترآبادي(رحمه اللّه)فقد كان الأمين الأسترآبادي شخصيّة قويّة من الناحية العلميّة، و يبدو على مناقشاته و أبحاثه في كتابه (الفوائد المدنيّة) القدرة على البحث العلمي و الدقّة العلميّة.
و قد أشغلت هذه المعارضة العلميّة التي قادها الأمين الأسترآبادي فقهاء الشيعة فترة من الزمان، و أدخلتهم في صراع لم يكن لهم به عهد من قبل.
و قد يكون الّذي حدث خيرا لهذا العلم فإنّ هذا الصراع قد فتح لهذا العلم فرصا جيّدة للنمو و التكامل و التلاقح ... لم يتمّ لو لا ظروف هذا الصراع.
تطوّر علم الأصول بعد الأمين الأسترآبادي:
و ظهر في هذه الفترة نفر من كبار علماء الأصول جاءوا من بعد هذه المعركة الفكريّة التي أثارها الأمين الأسترآبادي ... حاولوا أن يثروا هذا العلم بتحقيقات جديدة و أن يحكّموا بناء هذا العلم و يقنّنوه و يحدثوا في مناهج البحث الأصولي تغييرات جوهريّة.
و هذه الحركة العلميّة التي قام بها هذا النفر من العلماء كان لها دور كبير في إعادة الحيويّة إلى البحث الأصولي و إن لم يكن لها دور حاسم في أضعاف الاتّجاه الأخباري و تطويقه، فقد بقيت المدرسة الأخباريّة رغم ظهور علماء كبار في أصول الفقه في هذه الفترة تتحرّك بقوّة في أوساط الفقه
و الاجتهاد. و لم يتمّ عزل هذه المدرسة إلاّ على يد الفقيه محمّد باقر البهبهاني المعروف على لسان تلاميذه بالوحيد البهبهاني، كما سوف نرى إن شاء اللّه تعالى في هذا البحث.
إلاّ أنّ من الحقّ أنّ العلماء الذين جاءوا في هذه الفترة و ألّفوا و حقّقوا في الأصول كان لهم دور كبير في إنضاج مدرسة الوحيد البهبهاني و الشيخ الأنصاري.
و التحقيقات التي تمّت في هذه الفترة من ظهور مدرسة الأمين إلى ظهور مدرسة الوحيد كان لها تأثير مباشر و قويّ في تنقيح و بلورة و تقنين الفكر الأصولي لدى كلّ من المدرستين اللّتين ظهرتا بعد المدرسة الأخباريّة و هما مدرسة «الوحيد البهبهاني» و مدرسة «الشيخ الأنصاري» و هاتان المدرستان تدينان لهما.
و أبرز العلماء الذين ظهورا في هذه الفترة هم:
الحسين بن رفيع الدين محمّد الحسيني (المتوفّى سنة 1064 ه)[1]:
و يعرف ب(سلطان العلماء) لأنّ الشاه عبّاس الصفوي استوزره فترة من الزمان و زوّجه ابنته، كما استوزره الشاه صفي و الشاه عبّاس الثاني، كتب على كتاب (المعالم) تعليقة معروفة فيها كثير من التحقيقات النقديّة لنظريّات صاحب المعالم.
الفاضل التوني (المتوفّى سنة 1071 ه)[2]:
ألّف مجموعة من الكتب في الفقه و الأصول، و لكن لم يبق لنا من هذه
[1]أعيان الشيعة 6: 164.
[2]الكنى و الألقاب 2: 128.
المجموعة إلاّ (الوافية) الّذي هو من خير ما ألّف في هذا العلم على ما فيه من إيجاز و قد طبع الكتاب قبل زمن طويل في الهند و نفذ في حينه، و لم يعد لهذا الكتاب وجود و أثر في الأوساط العلميّة حتّى أقدم أخيرا مجمع الفكر الإسلامي بإعادة طبعه و إخراجه بصورة جيّدة، و قد تمّ تحقيق هذه الطبعة بجهود أخينا الجليل السيّد محمّد حسين الكشميري حفظه اللّه و جزاه اللّه خيرا.
و للشيخ الأنصاري في (فرائد الأصول) اهتمام بليغ بهذا الكتاب فهو يذكره و يشيد بآرائه و ينتقده باحترام خاصّ.
و قد سبق الفاضل التوني معاصريه في تنظيم أبواب الأصول و نقد المنهج الأصولي المعمول به لدى العلماء في عصره و من قبلهم. فهو يرى أنّ علم الأصول ينقسم إلى شطرين، مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة و هو التقسيم المعمول به إلى حدّ ما حتّى اليوم. و يرى أنّ مباحث مقدّمة الواجب و الضدّ و المفاهيم يجب أن تندرج في المباحث العقليّة دون مباحث الألفاظ في الوقت الّذي كان العلماء المعاصرون له و من قبلهم يدرجون هذه المباحث في بحث الألفاظ.
و حتّى اليوم، فإنّ المنهج المعمول به و المتعارف في الكتب الأصوليّة و دروس الأصول هو درج هذه الأبحاث في مباحث الألفاظ، فالمحقّق الخراسانيّ مثلا وضع هذه المباحث في المجلّد الأوّل من كتابه (كفاية الأصول) و هو المجلّد الخاصّ بمباحث الألفاظ ... و في (الوافية) يضع الفاضل التوني هذه المباحث ضمن الأبحاث العقليّة تحت عنوان (التلازم بين الحكمين) و قد وجدنا من المتأخّرين المحقّق الشيخ محمّد الحسين الأصفهانيّ يلتزم بهذا النظم إلى حدّ مّا في كتابه القيّم الّذي وضعه في أصول الفقه و هو: (الأصول
على النهج الحديث).
و ممّا يلاحظ في (الوافية) تقسيم الأدلّة إلى أدلّة شرعيّة (و هي الكتاب و السنّة و الإجماع) و أدلّة عقليّة و يقسّمها إلى ما يستقلّ بحكمه العقل و ما لا يستقلّ.
و مهما يكن من أمر فإنّ هذا العالم الجليل قد فتح للعلماء في كتابه الصغير هذا من فرص التفكير و التجديد و الإبداع الشيء الكثير.
و الّذي يقارن بين هذا الكتاب و كتاب (المعالم) للشيخ محمّد بن زين الدين(رحمه اللّه)و هو بحجمه يلمس الفارق الكبير في المستوى و العمق بين هذين الكتابين اللذين ألّفهما عالمان من أعلام هذا العلم يفصل بينهما نصف قرن من الزمان تقريبا و هو زمن قصير في عمر تاريخ العلم.
المحقّق السيّد حسين الخوانساري (المتوفّى سنة 1098 ه)[1]:
خلّف لنا هذا العالم الجليل كتابه الكبير الواسع (مشارق الشموس في شرح الدروس) و قد كان الكتاب طبع من قبل طباعة على الحجر غير محقّقة و لا منظّمة و نفذت نسخ الكتاب، و أعادت أخيرا مؤسّسة آل البيت(عليهم السلام)طبع هذا الكتاب على نفس النسخة المطبوعة السابقة بالأفست. و الكتاب حافل بالتحقيقات العلميّة، و نأمل أن يوفّق اللّه العلماء إلى تحقيق هذا الكتاب و إخراجه بالشكل المناسب الّذي يلائم قيمته العلميّة.
و للكتاب طابع عقلي واضح و يطغى هذا الطابع العقلي على منهجه و طريقته في البحث ...
و قد يصحّ أن نقول: إنّ هذا المحقّق الجليل هو من أوائل الّذين
[1]رياض العلماء 2: 58.
أدخلوا الدقّة العقليّة في أبحاث هذا العلم و التي استمرّت فيما بعد، و كانت صفة متميّزة للدراسات الأصوليّة عند الشيعة الإماميّة.
و لا تزال كلمات هذا العالم المحقّق موضع عناية و اهتمام المحقّقين من علماء الأصول حتّى اليوم.
المحقّق الشيرواني (المتوفّى سنة 1099 ه)[1]:
لديه تعليقة معروفة على المعالم، أكمل دراساته في النجف و طلب منه الملك سليمان الصفوي أن ينتقل إلى أصفهان فانتقل إليها و تخرّج على يده جمع من العلماء، منهم مؤلّف (الرياض).
و تحقيقات هذا العالم الجليل حول محور كتاب (المعالم) تدلّ على عمق و دقّة و استيعاب.
الصراع بين المدرسة الأصوليّة و الأخباريّة:
رغم ظهور علماء كبار في هذه الفترة في العراق و إيران (في النجف و كربلاء و أصفهان) من أمثال الفاضل التوني و المحقّق الخوانساري فإنّ الاتّجاه الأخباري بقي قويّا و نافذا و متحرّكا في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة في (العراق) و (البحرين) و (إيران) و (جبل عامل) و هي الأوساط الفقهيّة الشيعيّة الأربعة المعروفة في ذلك الوقت.
و نحن نجد في هذه الفترة دعوة قويّة إلى هذا الاتّجاه من قبل علماء معروفين في هذه الحواضر الأربعة درسوا و ألّفوا و حقّقوا على الطريقة الأخباريّة و منحوا هذه الطريقة قوّة و عمقا. و كان من أبرزهم و أفقههم الفقيه
[1]أعيان الشيعة 9: 142.
الجليل المحقّق صاحب (الحدائق الناضرة)(رحمه اللّه).
و قد استمرّ هذا الصراع قائما خلال هذه الفترة في حواضر الفقه الإمامي.
أثر العامل السياسي في الصراع بين المدرستين:
و لا نستبعد أن يكون للعامل السياسي دور في تعميق هذا الصراع و توسعته، فقد كان ملوك الصفويّة يوم ذاك يحكمون إيران و العراق. و هما بلدان معروفان بالولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، و كانوا يتقرّبون إلى الفقهاء، و يقرّبونهم، و يضعونهم في مواضع حسّاسة من الدولة. و يدعمون حكمهم بتأييد و دعم الفقهاء، و قد استضافوا خلال هذه الفترة جمعا غفيرا من العلماء من جبل عامل و العراق و البحرين.
و لكنّ الّذي يتتبّع سير الأمور في العاصمة الصفويّة في ذلك الوقت يجد أنّ ملوك الصفويّة رغم حاجتهم إلى العلماء، و رغم اهتمامهم بهجرة الفقهاء إلى عاصمة ملكهم كانوا يراقبون اتّساع دائرة نفوذ العلماء في أجهزة الحكم و فيما بين الناس بقلق ... و قد كان ذلك يؤدّي بهم أحيانا إلى طلب الهجرة العكسيّة من بعض الفقهاء من أصفهان إلى العراق، كما حدث ذلك للمحقّق الكركي(رحمه اللّه). فقد كانوا يجدون في اتّساع دائرة نفوذ العلماء ما يزاحم نفوذهم و سلطانهم و شعبيّتهم. و لنا أدلّة و شواهد عديدة على ذلك لسنا الآن بصدد استعراضها و دراستها.
و على ذلك فلا نستبعد أن يكون لملوك الصفويّة دور في اتّساع رقعة الخلاف و تعميقها بين المدرستين الشيعيّتين في الاجتهاد (الأخباريّة و الأصوليّة).
و مهما يكن من أمر فقد اتّسعت دائرة هذا الصراع، و اكتسب عمقا أكثر ممّا يستحقّ، و كاد أن يكون له دور سلبي في نموّ و تكامل هذا العلم الشريف الّذي لا بدّ منه في الاجتهاد.
و شاء اللّه أن يحتدم هذا الصراع الفكري في كربلاء بين اثنين من أبرز فقهاء هاتين المدرستين، و أكثرهما عمقا و إنصافا و دينا و ورعا و هما صاحب الحدائق(رحمه اللّه)و الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه).
و لنقرأ قصّة هذا الصراع في كربلاء.
الصراع بين المدرستين في كربلاء:
انتقل الشيخ يوسف صاحب الحدائق(رحمه اللّه)إلى كربلاء، و ازدهرت به هذه الحاضرة العلميّة و انتعشت المدرسة الأخباريّة، و كانت هي الاتّجاه السائد للاجتهاد في هذه المدينة المقدّسة يوم ذاك، و كانت الدروس و التحقيقات العلميّة تجري على هذا المنوال.
الصراع الفكري بين الوحيد و صاحب الحدائق في كربلاء:
كان الوحيد البهبهاني (المتوفّى سنة 1206 ه)[1]يوم ذاك في مدينة بهبهان، تعز له هذه المدينة المنزوية عن المشاركة الفعّالة في الصراع الدائر بين هاتين المدرستين، و كان يشعر بفداحة الخسارة لو أنّ الفكر الأصولي انزوى عن الساحة، و فقد دوره في إدارة الاجتهاد و الاستنباط ... فهاجر إلى كربلاء، و انتقل إلى هذا الجوّ العلمي الحافل بالصراع و الأخذ و الردّ، و حضر
[1]أعيان الشيعة 9: 182، نقلا عن أمل الآمل.