و قيل: إنّ النقباء لمّا خرجوا في أواخر زمن بني أميّة في خراسان، و أظهروا الدّعوة لبني العباس بعثوا إلى إبراهيم الإمام منهم بقبول الخلافة، فقبل، و هو في المدينة، و كانت هي و سائر البلدان تحت سلطنة[1]بني أميّة و حكمهم، سوى خراسان إذ ظهر فيها النقباء، و كانوا يقاتلون و يحاربون، و لما اطّلع بنو أميّة قبول[2]إبراهيم الخلافة أخذوه، و حبسوه، و قتلوه خفية، و وضعوا جراب النّورة في[3]حلقه، فخنقوه، فصار ضرب المثل بالنسبة إلى[4]ترك التقيّة و تاركها، و كان هذا الكلام من الشيعة إشارة إلى هذه الحكاية، و مثلا مأخوذا منها.
[1]في الأصل: في تحت سلطنة.
[2]م: بقول إبراهيم الخلافة. ف: بقبول إبراهيم الخليفة. و لعلّ ما أثبتناه هو الصحيح.
[3]ف: في حلقه، فخنقوه به.
[4]في (ف): (إشارة بالنسبة إلى من ترك التقية و تاركها) و في (م) نفس العبارة لكن بدون كلمة (إشارة)، و المثبت في المتن هو الصحيح.
فائدة (27) [أنّ الأئمّة كانوا يتكلّمون على طريقة المحاورات العرفيّة]
ربّما يقول: المعصوم(عليه السلام)أنّ الأمر كذا، و نرى في الخارج أنّه ليس كذا. و الظاهر أنّ المراد في الغالب كذا،- يعني و إذا كان واقعا يكون في الغالب كذا-، لأنّه الموافق لطريقة المحاورات العرفيّة، لأنّهم(عليهم السلام)منزّهون عن الخطأ و الكذب، فمرادهم ما هو المتعارف، بل بناء الفقه على ذلك.
مثلا قالوا: دم الحيض أسود[1]، و دم الاستحاضة أصفر[2]، و المنيّ دافق
[1]الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض الحديث 2.
[2]الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض الحديث 2.
و مع الشّهوة[1]، و الوجه من قصاص شعر الرّأس إلى الذقن[2]، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.
و إذا لم يكن في الغالب كذلك فالظّاهر أنّه مجاز أو تشبيه، مثل:
«الطّواف بالبيت صلاة»[3]، «و الفقاع خمر»[4]، و «تارك الصّلاة كافر»[5]، و «النّاصب من نصب لكم العداوة»[6]، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى. و المراد المشابهة في الحكم الشّرعيّ إمّا في الجملة فمجمل، أو عموما فعامّ، أو في الأحكام الشّائعة إن كان له أحكام شائعة، و إلاّ فعامّ أو مجمل على الأقوال التي أشرنا [إليها][7]في الفوائد الحائريّة.
و وجهه ما ذكرنا: من أنّ المطلق ينصرف إلى الأفراد الشّائعة و الغالبة.
و من أنّ الأئمّة(عليهم السلام)كانوا يتكلّمون على طريقة المحاورات العرفيّة- كما حقّق في محلّه-، و أهل العرف يحاورون كذلك.
مع أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، و الأصل عدم النقل.
مع أنّه لو كان منقولا لشاع و ذاع، لأنّ النّقل لغرض التّفاهم، و لم يشع
[1]الوسائل 1: 477- 478 الباب 8 من أبواب الجنابة الحديث 1 و 3 و 5.
[2]الوسائل 1: 284 الباب 17 من أبواب الوضوء الحديث 1.
[3]مستدرك الوسائل 9: 410 كتاب الحجّ الباب 38 من أبواب الطواف الحديث 2.
[4]الوسائل 2: 1055- 1056، الباب 38 من أبواب النجاسات الحديث 5.
[5]الوافي 1: 175. و التهذيب 2: 8، الحديث 13.
[6]الاحتجاج 2: 288 عن سليم بن قيس عن الحسن(عليه السلام): «انّ الناس ثلاثة:
مؤمن يعرف حقّنا .. إلى أن قال: و ناصب لنا العداوة .. فهذا كافر مشرك».
[7]الزيادة منّا اقتضاها السياق.
أصلا، بل الفقهاء طريقتهم البناء على المجازات الشائعة، فالشائع خلاف ذلك.
مع أنّ في ثبوت الحقيقة الشّرعيّة خلافا، مع أنّ القائل بالثبوت إنّما يقول به فيما هو عند اصطلاح المتشرّعة حقيقة في المعنى الشّرعيّ، و منقول عن اللّغة البتّة، قائلا: بأنّ النقل و الحقيقة من الشّرع، لا فيما ليس كذلك، بل عند المتشرّعة خلاف ذلك.
فعلى فرض أن يكون الشارع نقل، لكن لم يطّلع عليه أصحابه أو أغلب أصحابه، لا ينفع أصلا، لأنّ غير المطّلع يبني على اللغة و العرف جزما، فيكون مراد الشارع منه هو الّذي يفهمه بلا شكّ، و من أين يدري أنّ الرّاوي اطّلع عليه أم لا؟! مع أنّ الأصل عدم اطّلاعه و بقاء ما كان على ما كان.
ثمّ إنّه ربّما يكون المراد ممّا ذكره المعصوم(عليه السلام): أنه كذا شرعا، و لا يجري هذا إلاّ فيما هو وظيفة الشارع، مثل الأحكام الشّرعيّة التكليفيّة، و الوضعيّة، و موضوع الأحكام إذا كان عبادة لكونها توقيفيّة، و لا يجري في غير ذلك قطعا، لاستلزامه الكذب، إلاّ أن يكون المراد الغالب و المجاز، على حسب ما عرفت. و صاحب المدارك توهّم اتّحاد ما يكون المراد منه الغالب مع ما هو المراد منه شرعا، (و وقع منه الاشتباه و عدم الفرق بينهما في خصوص الحيض و الاستحاضة. و اعترض على الفقهاء أيضا من جهة الاشتباه المذكور، و غيّر الطّريقة من أوّل بحث الحيض و الاستحاضة إلى آخرهما عن طريقة الفقهاء)[1]و تبعه غيره من المحقّقين أيضا غفلة، و إن كان
[1]بما ان النسختين لا تخلوان عن تشويش في العبارة فما أثبتناه بين القوسين تلفيق منهما.
في بحث المنيّ وافق القوم كما لا يخفى على المطّلع المتأمّل.
ثمّ لا يخفى أنّه ربّما كان المراد منه شرعا مخالفا للقاعدة الشّرعيّة فلا عبرة به إلاّ أن يكون ثابتا ظاهرا مقاوما للقاعدة، فيكون قاعدة شرعيّة مستثناة من القاعدة الشرعيّة، على حسب ما عرفت سابقا.
فائدة (28) [الفرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدته]
فرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدة التّكليف الثابت، إذ بمجرّد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد و المقلّد له بعد استفراغ وسع المجتهد في الاجتهاد، و المقلّد في التقليد، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذّمّة حتّى يثبت التكليف و يتمّ الحجّة، و انّه ما لم يتمّ الحجّة لم يكن مؤاخذة أصلا و قبح في الارتكاب أو التّرك مطلقا.
نعم الاحتمال معتبر في مقام ترك الاستفصال عند السؤال كما عرفت، لكن في الحقيقة ليس المثبت للتكليف هو الاحتمال، بل العموم الحاصل من ترك الاستفصال حينئذ، و عرفت أنّ من ليس بمجتهد و لا مقلّد ليس بمعذور، لعدم معذوريّة الجاهل، بل عليه تقليد المجتهد إن أمكن، و إلاّ فعليه الاحتياط مهما تيسّر، و إن أمكنه التقليد، و لم يقلّد يكون مقصّرا، و مع ذلك
يكون عليه الاحتياط مهما أمكنه، و قد عرفت أنّ الاجتهاد و التّقليد إنّما يكونان في نظريّات الدّين و المذهب لا ضروريّاتهما، و أنّ الضروريّات لا فرق فيها بين المجتهد و المقلّد.
و أمّا مقام الخروج عن عهدة التّكليف، فقد عرفت أيضا أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة فلا بدّ من اليقين في تحصيل براءتها، للإجماع و الأخبار، مثل قولهم: «و لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله» و غيره، و لما يظهر من تتبّع تضاعيف الأخبار الواردة في مقام تحقّق الامتثال و الخروج عن العهدة أنّه بمجرّد الشكّ في الفعل لا يكون ممتثلا، بل بالظنّ أيضا إلاّ في مواضع مخصوصة.
و أيضا ثبت- من العقل و النّقل و الآيات القرآنيّة و الأخبار المتواترة و الإجماع من جميع المسلمين بل الملّيين- وجوب إطاعة الشارع، بل كلّ أمر و نهي منه يقتضي وجوب إطاعته، و معلوم أنّ الإطاعة من جملة موضوعات الأحكام الّتي مرجعها إلى العرف، و اللّغة. و معلوم أنّ معناها هو الإتيان بما أمر به، فلا يكفي احتمال الإتيان و لا الظنّ به، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان، و الإتيان هو الإيجاد واقعا، فعلى هذا لا يكفي الشكّ بالبراءة و لا الظنّ، إلاّ أن يكون الشارع يرضى بهما، و يثبت منه ذلك.
و ممّا ذكرنا علم أنّه إن استيقن بأنّ عليه فريضة فاتته، فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظّهر أو الصبح، أو يعلم أنّ عليه فريضة، و لم يعلم أنّها فائتة، أو حاضرة، مثل: أنّه لا يدري أنّها الظّهر أو صلاة الزلزلة، يجب عليه أن يأتي بهما جميعا حتّى يتحقّق الامتثال.
و لا يتوهّم أحد أنّ الإتيان بالثانية زيادة في الدّين، لأنّ الواجب عليه كان واحدا لا غير، فيكون تشريعا. لأنّ التّشريع هو: إدخال ما ليس في
الدّين فيه عمدا و تقصيرا، لا من جهة تحصيل البراءة الشّرعيّة، و لا من جهة الاحتياط، إذ لو كان يعلم أنّه في الدّين، فلا معنى لكونه احتياطا، بل يكون واجبا بالأصالة و لو لم يعلم، فلا يتأتّى الاحتياط على ما توهّم، مع أنّ الاحتياط ثابت عقلا و نقلا و إجماعا. و كذا الحال في مقدّمة الواجب.
على أنّا نقول في هذا المقام: إنّ الثانية داخلة في الدّين على الجزم و اليقين، لما عرفت من البراهين، و لما في كتب الأصول في مقدّمة الواجب و في الاحتياط و ممّا ذكرنا علم أيضا أنّ المكلّف في يوم الجمعة مثلا يعلم يقينا أنّه لم يخرج عن التكليف، و لم يصر مثل الأطفال و المجانين، بل عليه إمّا الظهر أو الجمعة عند استجماع جميع الشّرائط سوى المنصوب من قبل الإمام(عليه السلام). و علمه بذلك من جهة ضروري الدين، لا من جهة الاجتهاد أو التّقليد، أو غيرهما من الظّنون أو العلم النّظريّ. نعم تعيين كونها الظّهر أو الجمعة من نظريّات الدّين، بل من معضلاته عند المطّلعين الخبيرين، و إن كان عند الجاهلين الغافلين أنّها ليست كذلك.
و كيف كان، لا شكّ في كونها من النّظريّات، لا الضّروريّات، فالمجتهد إن لم يرجّح إحداهما، و يكون متوقّفا متحيّرا لا جرم يكون عليه الإتيان بهما جميعا بإجماع جميع العلماء، لما عرفت من البراهين. و كذا الحال في مقلّده، و كذا الحال فيمن لم يجتهد و لم يقلّد.
بل عرفت أنّه إن حصل له ظنّ بتعيّن إحداهما لا ينفعه أصلا، لعدم حجّية ظنّه، بل و حرمة العمل به، لما عرفت من أنّ العمل بالظنّ حرام إجماعا، للأدلّة الكثيرة الواضحة، إلاّ الظنّ الّذي رخّص الشارع العمل به، و ليس ظنّه من جملته قطعا، فلا شبهة في حرمته، و إن كان عنده في غاية القوّة، بل و إن ادّعى الجزم، كما يدّعيه بعض الجاهلين الغافلين المنغمرين في