بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 469

الدّين فيه عمدا و تقصيرا، لا من جهة تحصيل البراءة الشّرعيّة، و لا من جهة الاحتياط، إذ لو كان يعلم أنّه في الدّين، فلا معنى لكونه احتياطا، بل يكون واجبا بالأصالة و لو لم يعلم، فلا يتأتّى الاحتياط على ما توهّم، مع أنّ الاحتياط ثابت عقلا و نقلا و إجماعا. و كذا الحال في مقدّمة الواجب.

على أنّا نقول في هذا المقام: إنّ الثانية داخلة في الدّين على الجزم و اليقين، لما عرفت من البراهين، و لما في كتب الأصول في مقدّمة الواجب و في الاحتياط و ممّا ذكرنا علم أيضا أنّ المكلّف في يوم الجمعة مثلا يعلم يقينا أنّه لم يخرج عن التكليف، و لم يصر مثل الأطفال و المجانين، بل عليه إمّا الظهر أو الجمعة عند استجماع جميع الشّرائط سوى المنصوب من قبل الإمام(عليه السلام). و علمه بذلك من جهة ضروري الدين، لا من جهة الاجتهاد أو التّقليد، أو غيرهما من الظّنون أو العلم النّظريّ. نعم تعيين كونها الظّهر أو الجمعة من نظريّات الدّين، بل من معضلاته عند المطّلعين الخبيرين، و إن كان عند الجاهلين الغافلين أنّها ليست كذلك.

و كيف كان، لا شكّ في كونها من النّظريّات، لا الضّروريّات، فالمجتهد إن لم يرجّح إحداهما، و يكون متوقّفا متحيّرا لا جرم يكون عليه الإتيان بهما جميعا بإجماع جميع العلماء، لما عرفت من البراهين. و كذا الحال في مقلّده، و كذا الحال فيمن لم يجتهد و لم يقلّد.

بل عرفت أنّه إن حصل له ظنّ بتعيّن إحداهما لا ينفعه أصلا، لعدم حجّية ظنّه، بل و حرمة العمل به، لما عرفت من أنّ العمل بالظنّ حرام إجماعا، للأدلّة الكثيرة الواضحة، إلاّ الظنّ الّذي رخّص الشارع العمل به، و ليس ظنّه من جملته قطعا، فلا شبهة في حرمته، و إن كان عنده في غاية القوّة، بل و إن ادّعى الجزم، كما يدّعيه بعض الجاهلين الغافلين المنغمرين في


صفحه 470

بحار الغفلة، التّائهين في براري الجهالة، إذ لا شكّ و لا شبهة في كونه جهلا مركّبا يعرف ذلك من له أدنى اطّلاع بحقيقة الحال.

فإذا كان ظنّه بل جزمه أيضا غير معتبر في نفسه شرعا، فكيف يمكنه الاكتفاء به في مقام تحصيل البراءة اليقينيّة، سيّما بعد ملاحظة قولهم:

«لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله»، إذ أين اليقين الحاصل بالضّرورة من الدّين من هذا الجزم الّذي يدّعي حصوله بالنّظر؟! سيّما مع ما يرى من اختلاف الفقهاء الخبيرين المطّلعين المتّقين العادلين المقدّسين، أرباب القوى القدسيّة و الملكة التّامة في الفقه مع نهاية كثرتهم و شهرتهم و قرب عهد قدمائهم إلى المعصوم(عليه السلام)بل و متأخّروهم أيضا أقرب عهدا منه بمراتب، و مع ذلك اتّفقوا على خلاف ما فهم، أو كاد أن يتّفقوا، بل اتّفقوا على عدم اليقين، و كونه من المسائل الاجتهاديّة.

و أمّا المجتهد الّذي رجّح إحداهما[1]فالظاهر من طريقة بعض فقهائنا أنّه أيضا في مثل هذه المسألة لا يجوز له الاكتفاء بظنّه، لما عرفت من البراهين، و أنّ اليقين بشغل الذّمّة يستدعي اليقين بالبراءة، و أنّ ظنّ المجتهد حجّة فيما لم يتأتّ له اليقين، إلاّ فيما يثبت من الشّرع تجويز التعويل عليه، و لم يثبت في مثل المقام، و أيضا من المسلّمات عند المجتهدين أنّه مع تيسّر العلم لا يجوز التعويل على الظنّ، و مع تيسّر الأقوى لا يجوز التعويل على الأضعف.

لكن الظّاهر من طريقة الباقين تجويز التّعويل على ظنّه حينئذ، لما دلّ على كون ظنّه حجّة، و تيسّر اليقين ليس مخصوصا بالمقام، بل غالب مقامات

[1]في الأصل: أحدهما.


صفحه 471

الفقه يتيسّر حصول اليقين بالنسبة إلى آحاده، إلاّ أنّه بالنّسبة إلى المجموع لا يتيسّر، بل لا يمكن، و ترجيح خصوص مقام على آخر من غير مرجّح شرعي ممّا لا يمكن، و التزام تحصيل اليقين مهما تيسّر بعنوان الوجوب ربّما يوجب العسر و الحرج أيضا، بل لعلّه لا يمكن، لعدم إمكان معرفة خصوص حدّ الواجب الّذي على تركه العقاب بحيث لا يحتمل الزّيادة و النقيصة أصلا و رأسا، حتّى يراعى في العمل، و في المقام تحصيل امتثال الواجب، فلا يدري عادة أنّه أيّه يختار، و أيّه لا يختار، و أيّ حدّ منه صار حرجا منفيّا و أيّ حدّ لم يصر، و التزام المقدّمات لحصول ذلك الحدّ يوجب العسر و الحرج بلا شبهة.

و بالجملة: ذلك أيضا ربّما ينافي الملّة السمحة السّهلة. لكن مع هذا يأمرون بالاحتياط استحبابا، و يبالغون، و لذا طريقتهم في الفقه أنّهم يقولون: الأقرب كذا، و الأحوط كذا، و أمثال هذه العبارة.

فإن قلت: الاحتياط كيف يتحقّق هنا؟ لأنّ جمعا منهم يقولون بحرمة الجهة، و دليلهم يقتضيها.

قلت: يقولون بحرمتها على من وافقهم رأيه، و إلاّ فهم متّفقون على أنّ كلّ مجتهد مكلّف بما ادّعى إليه اجتهاده، و كذا مقلّده، و متّفقون على أنّ المجتهد المتحيّر يجب عليه و على مقلّده الجمع بينهما كما عرفت، و كذا من لم يجتهد و لم يقلّد بمقتضى ما عرفت من البراهين، و متّفقون على حسن الاحتياط على المجتهد المعوّل على ظنّه مهما أمكنه.

و ما ذكرت من أنّ دليلهم يقتضيها.

ففيه: أنّ احتمال الحرمة إنّما هو من المقام الأوّل و هو مقام ثبوت التكليف، و الثّاني: مقام الخروج عن العهدة كما ذكرت في أوّل الفائدة.

و جميع الفقهاء متّفقون، على أنّه ما لم يتمّ الحجّة لم يحرم شيء، و لم يكن


صفحه 472

في ارتكابه قبح أصلا، و أنّ الأصل براءة ذمّتنا حتّى يثبت التكليف و القبح.

و أمّا فعل الجمعة في مقام تحصيل البراءة اليقينية فقد عرفت أنّه مقتضى البراهين و متّفق عليه. غاية ما في الباب أن يكون المجتهد المرجّح لإحداهما يجوز له التعويل على ترجيحه، من باب أنّ الضّرورات تبيح المحظورات، لما عرفت من أنّ التعويل على الظنّ محظور، سيّما في مقام تحصيل البراءة اليقينيّة المأمور به و لأجله، و هذا لا يمنع حسن الاحتياط، و فرق واضح بين الشيء الّذي لم يثبت حرمته و الشيء الحرام الّذي أبيح لنا من جهة أنّ عدم إباحته يوجب الحرج علينا، فإنّا لو تركناه، و ضيّقنا على أنفسنا فلا شكّ في حسنه، كما إذا اشتغلنا في جميع أوقاتنا بالصّلاة النّافلة أو غيرها من العبادات، إذ لا شكّ في حسنه مع أنّه حرج، على أنّ الجمع بينهما ليس بحرج جزما، و إنّما الحرج لو حصلنا اليقين بعنوان الوجوب في جميع ما يمكننا تحصيل اليقين فيه كما عرفت، و أين هذا من ذاك؟

هذا كلّه مع قطع النّظر عمّا ذكرنا في الفوائد من أنّ الصلاة الفريضة إذا احتملت الوجوب و الحرمة يقدّم جانب الوجوب فيها عند علمائنا، لأنّه ليس شيء بعد معرفة اللّه تعالى و الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلم)و الإمام(عليه السلام)أوجب من الصّلاة[1].

و لأنّها «إذا قبلت قبل ما سواها»[2].

و لأنّها «مثل عمود الفسطاط»[3]إلى غير ذلك من التأكيدات. و منها

[1]الوسائل 3: 25، الباب 10 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الحديث 1.

[2]الوسائل 3: 78، الباب 1 من أبواب المواقيت الحديث 2 مع اختلاف يسير.

[3]الوسائل 3: 22، الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الحديث 6.


صفحه 473

«أنّ المتهاون بها كافر»[1]، إلى غير ذلك.

ثمّ لا يخفى أنّ عند الجمع بعنوان الوجوب، يفعلان بقصد الوجوب على القول بوجوب قصد الوجه، لأنّ إحداهما واجبة بالأصالة، و الثّانية من باب المقدّمة على ما هو المشهور، و مقدّمة الواجب المطلق واجبة شرعا على المشهور، مع أنّ من لم يقل بوجوبها شرعا يقول بوجوبها عقلا في مثل المقام، لما عرفت من الأدلّة على وجوب خصوص المقدّمة أيضا، و تعلّق خطاب الشرع به على حدة. و النّزاع إنّما هو فيما لم يتعلّق به خطاب الشارع على حدة، على أنّ من الفقهاء من يقول بوجوب الصّلاتين معا بالأصالة بالنّسبة إلى تلك الجماعة، للأدلّة المذكورة فتأمّل.

[1]الوسائل 3: 29، الباب 11 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الحديث 6 مع اختلاف في اللفظ.


صفحه 474

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 475

فائدة (29) [هل المعاملات كالعبادات توقيفيّة]

اعلم أنّه ربّما يقول بعض الفقهاء في العبادات و المعاملات في مقام التّعريف: إنّه لغة كذا، و شرعا كذا.

و لعلّ المراد[1]: معنى اللّفظ المذكور لتلك العبادة أو المعاملة أعمّ من أن يكون حقيقيّا أو مجازيّا، لنزاعهم في ثبوت الحقيقة الشّرعيّة.

أو يكون مراده أعمّ من الشرع و المتشرّعة. أو يكون المراد من المعنى: المعنى الصّحيح شرعا، و المعتبر عند الشارع، و المثمر بحسب الشرع.

و هذا هو الأقرب، فيندفع الإشكال الأخير: و هو أنّ العبادات توقيفيّة دون المعاملات. فلو كان المعنى في المعاملات بحسب الشّرع مغايرا للمعنى

[1]أي المراد من قولهم «شرعا».


صفحه 476

العرفيّ و اللّغويّ لكانت المعاملات أيضا توقيفيّة و وظيفة للشّرع، لعدم إمكان الاطّلاع على المعنى الاصطلاحيّ إلاّ من جهة صاحب الاصطلاح و تعريفه، مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ العبادات توقيفيّة دون المعاملات، كما لا يخفى على من لاحظ طريقتهم.

مع أنّهم يصرّحون في المعاملات- في مقام الاستدلال على محلّ النّزاع و الجدال:- أنّ المعتبر هو المعنى العرفيّ أو اللّغوي. مثلا يقولون في البيع:

ما يعدّ في العرف بيعا، و في الصلح ما يعدّ فيه و في اللّغة صلحا، إلى غير ذلك، و يجعلون ما ورد من الأمور المعتبرة من الشرع شرطا للصحّة.