توفّي في 1245 ه)[1]و هو من أساتذة الشيخ الأنصاري و تخرّج عليه جمع من كبار العلماء في الأصول، و الشيخ الأنصاري يذكر آراء أستاذه الشريف باحترام و إكبار.
6- و الشيخ ملاّ أحمد النراقي (المتوفّى في 1245 ه)[2]من أساتذة الشيخ الأنصاري، له كتاب (مستند الشيعة) في الفقه و كتاب (عوائد الأيّام) في جملة من القواعد الفقهيّة و الأصوليّة.
7- و السيّد محسن الأعرجي الكاظمي (المتوفّى سنة 1227 ه)[3]تتلمذ على الوحيد البهبهاني و ألّف في الأصول (المحصول في علم الأصول) و (الوافي في شرح الوافية).
و هؤلاء هم من أبرز رجال هذه المرحلة من تاريخ علم الأصول، و قد ساهموا بدور فعّال في إيضاح الفكر الأصولي و تعميقه و نقده و تنميته ...
و لا شكّ أنّ الجهد الّذي بذله هؤلاء الأعلام كان له تأثير فعليّ في ظهور مدرسة الشيخ الأنصاري بعد مدرسة الوحيد البهبهاني.
و الّذي يقرأ كتاب (الفوائد الحائريّة) للوحيد و (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري يلمس بوضوح أثر الجهد الّذي بذله هؤلاء الأعلام قبل و بعد الوحيد في تكوين هذه المدرسة و تلك و بلورة الأفكار و التحقيقات الفكريّة التي جاء بها الوحيد و الشيخ الأنصاري(رحمهما اللّه).
[1]أعيان الشيعة 7: 338.
[2]الكرام البررة 1: 116.
[3]أعيان الشيعة 9: 46.
دراسة أهمّ النظريّات الأصوليّة للوحيد البهبهاني:
و فيما يلي سوف نحاول إن شاء اللّه إبراز أهمّ النظريّات الأصوليّة التي ابتكرها هذا الفقيه المجدّد في علم الأصول في كتابه القيّم (الفوائد الحائريّة) لنعرف القيمة العلميّة الرائدة لهذا الأثر العلمي الجليل.
فإنّ هذا الكتاب الجليل يعتبر في الحقيقة فتحا من أهمّ الفتوحات العلميّة المعاصرة في هذا العلم الشريف.
و تقويم هذا الكتاب و دراسته و معرفة موقعه من علم الأصول الحديث يحتاج إلى استقراء سريع للنظريّات التي أبدعها هذا الفقيه الجليل و ربطها بالتطوّرات التي ألحقها الفقهاء من بعده بهذه النظريّات للتمكّن من معرفة الدور الرائد لنظريّات الوحيد(رحمه اللّه)في علم الأصول.
و إليك عرضا و شرحا موجزا لأهمّ هذه النظريّات:
1- التفريق بين الأمارات و الأصول:
يبدو أنّ الجذور الأولى لفكرة التفريق بين الأمارات و الأصول تعود إلى الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)و من قبل الوحيد لم يكن الفقهاء يفرّقون بين هذين النوعين من الحجج و الأدلّة. كما إنّ فقهاء المذاهب الأربعة لا يميّزون لحدّ اليوم بين الأمارات و الأصول و يدرجون الأمارات و الأصول كلّها في سياق البحث عن الأدلّة و الحجج.
و لأوّل مرّة نلتقي بدايات هذا التمييز عند الوحيد البهبهاني.
فقد ذكر الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه)في بداية المقصد الثالث (من فرائد الأصول) أنّ التمييز بين الأمارات و الأصول و تسمية الأمارات بالأدلّة الاجتهاديّة و الأصول بالأدلّة الفقاهتيّة كان من الوحيد البهبهاني.
و قد استعرضت كتابي الفوائد الحائريّة للوحيد(رحمه اللّه)القديم و الحديث فلم أظفر بهذا المصطلح الّذي نقله الشيخ عن الوحيد و يمكن أن يكون ذلك في غير هذين الكتابين من مصنّفات الوحيد.
و لعلّ المناسبة التي اقتضت تسمية الأمارات و الطرق نحو خبر الواحد و الإجماع و الشهرة بالأدلّة الاجتهاديّة، و الأصول من البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب بالأدلّة الفقاهتيّة، هو ما ورد في تعريف الاجتهاد بأنّه تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي و ما ورد في تعريف الفقه بأنّه العلم بالحكم الشرعي.
و مهما يكن من أمر فإنّ فكرة الأصول و التفريق بينها و بين الأمارات اختمرت كما يظهر لأوّل مرّة لدى الوحيد البهبهاني حيث وجد أنّ الأدلّة الشرعيّة الموصلة إلى الحكم الشرعي (الأعمّ من الواقعي و الظاهري) على نحوين و ليست على نحو واحد.
فهناك طائفة من الأدلّة يوظّفها المجتهد للوصول إلى الأحكام الإلهيّة الواقعيّة و الكشف عنها، كالسنّة و الإجماع و الشهرة مثلا.
و هذه الأدلّة هي مجموعة الطرق و الأمارات التي يستخدمها المجتهد أو مطلق المكلّف للوصول إلى الأحكام الشرعيّة الواقعيّة غير أنّها قد تصيب و قد لا تصيب الأحكام الواقعيّة، و تكون حالة الإصابة فيها ظنّيّة، و هي الأدلّة التي اصطلح الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)على تسميتها ب(الأدلّة الاجتهاديّة) و طائفة أخرى من الأدلّة تقع في امتداد هذه الأدلّة في طولها و ليس في عرضها يوظّفها المكلّف للوصول إلى الوظائف الشرعيّة المقرّرة للجاهل في ظرف الجهل بالحكم الشرعي، كالبراءة بالنسبة إلى المكلّف في ظرف الشكّ في التكليف و الاحتياط المقرّر في ظرف الشكّ في المكلّف به،
فإنّ كلاّ من البراءة و الاحتياط وظائف للمكلّف في ظرف الشكّ في التكليف بالنسبة إلى البراءة و في المكلّف به بالنسبة إلى الاحتياط فلا ينهض دليل البراءة و الاحتياط بأكثر من تحديد الوظيفة المقرّرة للجاهل عند الشّك في التكليف و المكلّف به، و لا يدّعي المكلّف خلو الواقعة من التكليف في مورد الشكّ في التكليف و لا يدّعي ثبوت الحكم الشرعي في مورد الشكّ في المكلّف به و إنّما هما وظيفة عمليّة مقرّرة للمكلّف تخرجه عن الحيرة في ظرف الجهل و الشكّ بالحكم الشرعي.
و هذه الطائفة من الأدلّة هي التي اصطلح الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)على تسميتها ب(الأدلّة الفقاهتيّة).
و واضح أنّ علاقة هاتين الطائفتين من الأدلّة بعضها ببعض علاقة طوليّة، تقع بموجبها الطائفة الثانية في طول الطائفة الأولى و يحقّ للمكلّف الفقيه استخدامها عند ما يعجز عن استخدام الطائفة الأولى من الأدلّة، و لا مجال لها عند إمكان استخدام الطائفة الأولى من الأدلّة.
فتتقدّم إذن الطائفة الأولى من الأدلّة على الطائفة الثانية غير أنّي لم أجد في كلمات الوحيد(رحمه اللّه)في الفوائد القديمة و الجديدة توضيحا دقيقا لتقديم الأدلّة الاجتهاديّة على الأدلّة الفقاهتيّة.
و قد يكون الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه)هو أوّل من مكّنه اللّه تعالى من التفريق بين موارد استعمال الأدلّة الاجتهاديّة و الفقاهيّة و تقنين العلاقة بينهما بتقديم الأدلّة الاجتهاديّة على الأدلّة الفقاهتيّة، و تقديم الأدلّة الفقاهيّة بعضها على بعض، و تنظيم علم الأصول بموجب ذلك على أساس جديد و منهجيّة جديدة ثبتت إلى اليوم الحاضر.
التنظير و التقسيم للشكّ:
يغطّي مباحث الشكّ في علم الأصول الحديث مساحة واسعة من هذا العلم، إن لم يغطّ معظم مسائل و مباحث هذا العلم، و ذلك لأنّ الأصول العمليّة جميعا تندرج في مباحث الشكّ، و مباحث الأصول العمليّة من أوسع و أهمّ مباحث هذا العلم.
و لم يكن للشكّ في دراسات القدماء، للأصول عنوان خاصّ و باب معيّن، فضلا من أن يغطّي هذا العنوان مساحة واسعة كالمساحة التي يستوعبها هذا العنوان من علم الأصول في كتاب (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري و ما صدر بعد هذا الكتاب من الدراسات الأصوليّة.
و الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه)هو رائد أوّل تنظيم منهجيّ لمباحث الشكّ في علم الأصول من دون شكّ، كما هو رائد التنظيم المنهجي الحديث للمباحث العقليّة عموما، و التي تشمل مباحث القطع و الظنّ و الشكّ، و لكنّ الوحيد البهبهاني هو مؤسّس التنظير الحديث للشك، و تقسيم الشكّ إلى الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به، و هذا الفتح في هذا العلم ممّا يسّره اللّه تعالى لهذا العبد الصالح الّذي آثره اللّه بفتوحات جمّة في هذا العلم و ليس من شكّ أنّ علم الأصول الحديث مدين في هذا التنظير و التقسيم للشكّ للوحيد البهبهاني(رحمه اللّه).
و ما استنبطه الوحيد(رحمه اللّه)من الوظيفة لكلّ من حالتي الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به، بحكم العقل، ممّا لا نجد له ذكرا واضحا بصورة منهجيّة و منظّمة في آثار المحقّقين من علماء الأصول ممّن سبقوا الوحيد(رحمه اللّه)و نحن فيما يلي نستعرض كلمات الوحيد(رحمه اللّه تعالى)في أقسام الشكّ.
يقسّم الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)الشكّ إلى قسمين:
1- الشكّ في التكليف.
2- الشكّ في المكلّف به.
و الوظيفة العمليّة العقليّة التي استنبطها الوحيد(رحمه اللّه)لكلّ من هذين القسمين هي:
1- البراءة العقليّة في موضع الشكّ في التكليف بموجب قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقليّة.
2- الاشتغال و الاحتياط في موضع الشكّ في المكلّف به بموجب القاعدة العقليّة (الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة) و فيما يلي سوف نتحدّث عن آراء الوحيد(رحمه اللّه)في هذه النقاط، و نتوسّع في ذكر هذه النقاط و الإشارة إلى الآراء المتأخّرة عن الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)بقدر ما نستطيع أن نوصل الحاضر بالماضي، و نتعرّف على الدور الرائد لهذا العالم المحقّق في علم الأصول الحديث.
أقسام الشكّ:
انتبه الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)إلى أنّ شكّ المكلّف من حيث المتعلّق على نوعين و ليس نوعا واحدا، أحدهما يتعلّق بالتكليف و الآخر يتعلّق بالمكلّف به و الاشتباه بينهما يؤدّي إلى أخطاء منهجية كبيرة.
و للعقل في كلّ منهما حكم يختلف عن حكمه في الآخر و هو البراءة العقليّة في مورد الشكّ في التكليف، و اشتغال الذمّة و الاحتياط في مورد الشكّ في المكلّف به.
و قد يكون السبب في تمسّك الأخباريّين بالاحتياط في مورد الشبهة
الحكميّة التحريميّة هو عدم التمييز الدّقيق بين موارد الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به.
و قد استنبط الوحيد لحكم العقل في مورد الشكّ في التكليف قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) و استند إلى هذه القاعدة في كلّ مورد من موارد الشكّ في التكليف، كما استنبط لحكم العقل في مورد الشكّ في المكلّف به قاعدة (الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني).
و قد نهج من جاء بعد الوحيد(رحمه اللّه)هذا النهج في الأصول العمليّة، و وضعوا هذا التمييز بين الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به أساسا للتمييز بين موارد البراءة العقليّة و الاحتياط العقلي، كما تمسّكوا بهاتين القاعدتين، عدا الفقيه الشهيد الصدر(رحمه اللّه)الّذي خالف المشهور من الأصوليّين في التشكيك في القيمة العقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و لكن إذا كان الوحيد(رحمه اللّه)قد وضع مفتاح هذه المسألة الأصوليّة بيد علماء الأصول، فإنّ من الحقّ أن نقول: أنّ الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه)كان أوّل من وضع هذين الأصلين، على أسس علميّة متينة و قنّنهما و قعدهما على قواعد علميّة محكمة، و بحثهما بحثا علميّا مستوفيا ضمن منهجيّة علميّة متينة لا تزال قائمة حتّى اليوم.
و نحن فيما يلي نتحدّث إن شاء اللّه حول كلمات الوحيد البهبهاني في التمييز بين موارد الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به. و جريان البراءة في الأوّل و الاحتياط في الثاني و التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في المورد الأوّل و بقاعدة الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني في المورد الثاني.
الشكّ في التكليف و المكلّف به:
يقول الوحيد(رحمه اللّه)في الفوائد القديمة في التفريق بين الشكّ في أصل التكليف و الشّكّ في المكلّف به (أي الشّكّ في الخروج عن عهدة التكليف الثابت بالقطع):
«فرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدة التكليف الثابت، إذ بمجرّد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد و المقلّد له، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذمّة حتّى يثبت التكليف، و يتمّ الحجّة، و أنّه ما لم يتمّ الحجّة لم يكن مؤاخذة أصلا و قبح في الارتكاب أو الترك مطلقا.
و أمّا مقام الخروج من عهدة التكليف فقد عرفت أيضا أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة، فلا بدّ من اليقين في تحصيل براءتها للإجماع و الأخبار، و تثبت أيضا من العقل و النقل و الآيات القرآنيّة و الأخبار المتواترة و الإجماع من جميع المسلمين وجوب الإطاعة للشارع، و معلوم أنّ معناها هو الإتيان لما أمر به، فلا يكفي احتمال الإتيان و لا الظنّ به، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان.
و ممّا ذكرنا يعلم أنّه إن استيقن أحد بأنّ عليه فريضة فائتة فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظهر أو الصبح، أو يعلم أنّ عليه فريضة فائتة و لم يعلم أنّها فائتة أو حاضرة، يجب عليه أن يأتي جميعا حتّى يتحقّق الامتثال»[1].
و فيما يلي إيضاح و شرح لهذا الإجمال:
[1]الفوائد الحائريّة القديمة: 319 322.