بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 475

فائدة (29) [هل المعاملات كالعبادات توقيفيّة]

اعلم أنّه ربّما يقول بعض الفقهاء في العبادات و المعاملات في مقام التّعريف: إنّه لغة كذا، و شرعا كذا.

و لعلّ المراد[1]: معنى اللّفظ المذكور لتلك العبادة أو المعاملة أعمّ من أن يكون حقيقيّا أو مجازيّا، لنزاعهم في ثبوت الحقيقة الشّرعيّة.

أو يكون مراده أعمّ من الشرع و المتشرّعة. أو يكون المراد من المعنى: المعنى الصّحيح شرعا، و المعتبر عند الشارع، و المثمر بحسب الشرع.

و هذا هو الأقرب، فيندفع الإشكال الأخير: و هو أنّ العبادات توقيفيّة دون المعاملات. فلو كان المعنى في المعاملات بحسب الشّرع مغايرا للمعنى

[1]أي المراد من قولهم «شرعا».


صفحه 476

العرفيّ و اللّغويّ لكانت المعاملات أيضا توقيفيّة و وظيفة للشّرع، لعدم إمكان الاطّلاع على المعنى الاصطلاحيّ إلاّ من جهة صاحب الاصطلاح و تعريفه، مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ العبادات توقيفيّة دون المعاملات، كما لا يخفى على من لاحظ طريقتهم.

مع أنّهم يصرّحون في المعاملات- في مقام الاستدلال على محلّ النّزاع و الجدال:- أنّ المعتبر هو المعنى العرفيّ أو اللّغوي. مثلا يقولون في البيع:

ما يعدّ في العرف بيعا، و في الصلح ما يعدّ فيه و في اللّغة صلحا، إلى غير ذلك، و يجعلون ما ورد من الأمور المعتبرة من الشرع شرطا للصحّة.


صفحه 477

فائدة (30) [عدم جريان الأصل في لغات العبادة و غيرها]

صرّح الأصوليّون و الفقهاء بأنّ اللّغة لا تثبت بالدّليل، بل مقصورة على السّماع، و نصّ الواضع، أو فهم منه بالتّرديد بالقرائن، هذا في الحقائق.

و أمّا المجازات فتجويز نوعها، و أمّا إفادتها فبالقرينة الصّارفة، عن الحقيقي، و المعيّنة للمجازي.

و من جملة اللّغات ألفاظ العبادات، و المعاجين و الأدوية المركّبة و البسيطة.

و لذا صرّح في الأصول المبسوطة بأنّ أصل العدم لا يجري في بيان ماهيّة العبادات.

و في كتب الفقه و الاستدلال بأنّ العبادات توقيفيّة موقوفة على نصّ الشّارع، أو يقولون كيفيّة متلقّاة من الشرع و وظيفة الشرع و موقوفة على


صفحه 478

بيان الشارع، أو على قوله أو فعله، إلى غير ذلك من التّصريحات، حتّى أنّهم ربّما لا يكتفون بالإطلاقات الكثيرة الصّادرة منه مثل: قوله(عليه السلام): «كبّر للإحرام» أو «للافتتاح»، أو «سبع تكبيرات» إلى غير ذلك. و مع ذلك يقولون: لا بدّ من الاقتصار على قول «اللّه أكبر» بهمزة «اللّه» المفتوحة، و لا تقطع، و لا تغيّر هذه الهيئة مطلقا، لأنّها القدر الّذي ثبت لنا من فعل الشّارع.

و تمسّكهم بأصل العدم في بعض المقامات إنّما هو بالنّسبة إلى الشرط الخارج، بناء على ترجيحهم كون اللّفظ اسما للأعمّ من الصحيحة، و كون الأعمّ معلوما بالنّصّ و الإجماع، لا في ماهيّة العبادات، و لذا منعهم الّذين يقولون بأنّ اللّفظ اسم لخصوص الصّحيحة، و هذا واضح في أنّهم متّفقون على عدم الجريان في الماهيّة.

و أيضا ضبطوا أمارات الحقيقة و المجاز و ما به يعرفان، و هي: نصّ الواضع فيها، و التبادر و عدم صحّة السّلب و ما ماثلهما في معرفة الحقيقة، و عدم التّبادر، و صحّة السّلب، و ما ماثلهما في معرفة المجاز.

و ليس شيء من ذلك دليلا، بل خاصّة لهما غير منفكّ عنهما، فحاله حال القرائن المعيّنة لأحد معنيي المشترك، و لا فرق بين كون المعنيين حقيقيّين، أو أحدهما حقيقة و الآخر مجازا.

و المراد من الدّليل الأدلّة العقليّة. و إن كانت معتبرة شرعا في غير المقام مثل أصل العدم و غيره على أنّك عرفت أنّ كلماتهم صريحة في انحصار معرّفات المعنى و ما اعتبر فيه في الأمور الّتي أشرنا إليها. و أصل العدم و ما ماثله ليس داخلا في تلك الأمور قطعا.

و تمسّكهم بالأصل في عدم تعدّد المعنى، أو عدم تغيّره بعد معلوميّة


صفحه 479

المعنى و ثبوته- كما ذكرنا في الفوائد- ليس تمسّكا في بيان ماهيّة المعنى أو ما هو داخل فيها، بل في أمر آخر، و لا مانع من هذا التمسّك كما ستعرف.

على أنّهم كثيرا ما لا يجدون معرّفاتهم للحقيقة أو المجاز فيتوقّفون و لا يتمسّكون بالأصل، مع وضوح جريانه لو صحّ، و لم يكن له مانع.

و بالجملة: طريقة الفقهاء و الأصوليّين فيما ذكرنا في غاية الوضوح، إلاّ أن يكون جاهلا بطريقتهم، أو غافلا عنها يحتاج إلى ما نبّهنا، و أشرنا إليها.

و أمّا عدم إمكان معرفة اللّغة بالدّليل فهو من أجلى البديهيّات، إذ يعرف كلّ طفل أنّه لا يمكنه معرفة لغة أهل الفرنج، أو الهند، أو الخزر، أو الصقالبة[1]، أو اللّغة اليونانيّة، أو السّريانية[2]، أو العبرانية[3]، أو غيرها بدليل من الأدلّة، و لا بمجموع الأدلّة، و يعرف أنّهما مقصورة على السّماع، أو التّرديد بالقرائن ليس إلاّ. و كذا الحال في مجازات تلك اللّغات على حسب ما أشرنا.

و كذا الحال في معرفة حقائق اصطلاحه عن مجازاته من غير جهة خواصّهما الّتي أشرنا إلى بعضها، و ضبطوها في كتبهم.

مع أنّهم تأمّلوا في المعرفة ببعض ما ذكروه، فكيف الحال في الأدلّة مع

[1]في (ف): (الصعالبة)، و في (م): (الصقالبة) و الظاهر أنهما تصحيف من الصقالبة و الصقالبة هم الشعوب السلافية القاطنة بين جبال أورال و البحر الأدرياتيكي في أوربا الشرقية و الوسطى. (المنجد- في الأعلام-) بتصرف.

[2]السريانية لغة سامية لا يزال السّريان و الموارنة و الكلدان يستعملونها في طقوسهم الدينية. (المنجد- ملحق- مادة سري).

[3]العبرانية: لغة اليهود، كما تطلق على الديانة اليهودية. (المنجد مادة- عبر-) و المراد هنا المعنى الأوّل.


صفحه 480

اتّفاقهم على عدم المعرفة بها[1].

على أنّه ربّما نطّلع على شيء من هذه المعاني بعنوان اللا بشرط بسبب الشّياع أو القرائن، فلا يمكننا أن نقول: المعنى هو الّذي اطّلعنا عليه لأصالة عدم الزّيادة، فعلمنا هذه اللّغات، و عرفناها.

مثلا: اطّلعنا بالشياع أنّ «الأيارج»- باللّغة اليونانيّة- دواء، و لم نعرفه أنّه مطلق الدّواء أو دواء خاصّ، فلا يمكننا أن نقول: هو مطلق الدّواء، للأصل.

أو اطّلعنا أنّه دواء الصبر، و لم نعرف أنّه هل فيه جزء آخر أم لا؟

فنقول: هو مطلق الصّبر يداوى به من غير اعتبار شيء في كيفيّة المداواة به أصلا، لأصالة العدم.

أو علمنا أنّه فيه جزء آخر هو الإهليلج[2]و لم نعرف أنّه هل فيه جزء آخر أم لا، و لم نعرف أيضا أنّه تعتبر في هذين الجزءين كميّة أو كيفيّة في التّركيب و الترتيب، أو كونهما مسحوقين أو غير مسحوقين، أو منقوعين أم لا، أو مطبوخين أم لا، أو أحدهما كذلك دون الآخر بالنسبة إلى الكلّ أو البعض، إلى غير ذلك. فنقول: الأصل عدم اعتبار جميع ذلك ف«الأيارج» هو الجزءان لا غير، كيف كانا و لو قلنا ذلك و داوينا المرض بالجزءين كيف كانا لألحقنا بالمجانين في حكمنا بأنّه «الأرياج». و كنّا مؤاخذين على اليقين في المداواة.

[1]في الأصل: اتفاقهم في عدم.

[2]الهليلج و الإهليلج و الإهليلجة: عقّير من الأدوية معروف، و هو معرّب. (اللسان 2: 392 مادة هلج).


صفحه 481

بل لغتنا لا يمكن ذلك فيها، فكيف لغة الغير؟! مثلا: إذا سمعنا المداوى بماء الشّعير فلا يمكننا أن نقول هو الماء و الشعير كيف كانا، أو الممزوج منه كيف كان، و كذا الحال في المفرّح الياقوتي، و أمثال ذلك من الأدوية المركّبة، بل المفردة أيضا مثل: ماء الجبن، و غير ذلك.

فإذا كان لغتنا لا يمكن ذلك، فكيف الحال في تلك اللّغات؟! فإذا كانت اللّغات العامّة لا يمكن ذلك فيها، فما ظنّك بالاصطلاحات الخاصّة، و المجازات المستعملة؟! إذ كلّما كان الشيء أخصّ كان توغّله في الإبهام أزيد، و عدم معرفته أشدّ.

و إذا كانت الاصطلاحات الخاصّة كذلك فما ظنّك بالعبارات التوقيفية على خصوص الشرع ليس إلاّ. و المراد من التوقيفيّ: ما أحدثه الشرع خاصّة، و لو كان غير العبادة أيضا كذلك كان أيضا كذلك، إلاّ أنّه لم يوجد منه كما مرّ.

و جزء العبادة ربّما يكون توقيفيّا كالرّكوع، و السّجود، و ربّما لم يكن كالقيام، و القعود، في الصّلاة، و كذا شرطها: كالطّهارة من الحدث، و غسل الخبث. و أصل العدم يجري في غير العبادات، و إن كان جزء العبادة أو شرطها، إن لم يحتمل كون المنفيّ بهذا الأصل جزءا على حدة في نفس العبادة، و معتبرا في تحقّق ماهيّتها بملاحظة وفاق أو غيره من الأدلّة.

و يدلّ أيضا على عدم جريان أصل العدم في اللّغات- لغات العبادة و غيرها- (أنّ الأصل عدم كلّ شيء)، فكيف يستدلّ به على ثبوت كون شيء معنى اللفظ؟! مع أنّ ذلك الشيء يكون الأصل عدم كونه أيضا معناه، إذ لم يكن قبل الوضع معناه قطعا، و بعد الوضع لم يكن فرق بينه و بين ما تنفيه بالأصل، بل إذا كان المنفيّ جزءا واحدا، و المثبت أجزاء متعدّدة،


صفحه 482

فكيف يغلب الأصل الواحد أصولا متعدّدة؟! لأنّ كلّ جزء يكون الأصل عدمه.

فإن قلت: ما تقول في جريانه في الموضع الّذي ثبت- من إجماع أو غيره- دخول تلك الأجزاء في المعنى و اعتبارها فيه فيكون النّزاع في خصوص جزء أو أزيد؟ مثلا بالإجماع ندري تسعة أجزاء فيه، و النزاع في جزء واحد، و أنّ المعنى عشرة أو تسعة، فنقول: التّسعة ثبتت بالإجماع، و الواحد ينفيه الأصل، فيكون تسعة.

قلت: (الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد) بالبديهة، و مسلّم ذلك عند الكلّ، فما لم يوجد يكن[1]باقيا على العدم الأصليّ و لم يثبت خلاف العدم فيه، فالمعنى ما لم يتعيّن لم يكن موضوعا له و لا مستعملا فيه بالبديهة، بل يكن باقيا على الحالة السّابقة على الوضع و الاستعمال.

فإن أردت أنّ المعنى تسعة أجزاء- أعمّ من أن يكون الجزء العاشر جزءا من ذلك المعنى، بحيث لو لم يكن لم يكن المعنى تامّا، و أن لا يكون جزءا أصلا، بل يكون خارجا عن المعنى، و تمام المعنى بتلك التسعة من الأجزاء- فغلط واضح و تناقض محال.

و إن أردت أنّ المعنى تسعة أجزاء بحيث لا يكون للعاشر مدخليّة فيه أصلا، و لم يكن تمام المعنى به، بل بتلك التسعة، و إن كنّا قبل ملاحظة الأصل نجوّز الأوّل أيضا، إلاّ أنّه ظهر لنا من الأصل أنّه الثّاني.

ففيه أنّه كما كان قبل الوضع لم يكن العاشر معتبرا في معناه من جهة أنّه لم يكن وضع أصلا، لكن بعد الوضع بقي العاشر على العدم الأصليّ،

[1]في الأصل:. يكون باقيا.، و ما أثبتناه هو الصحيح.