و كذا إذا فعل[1]فعلا ابتداء و اطّلعنا على ذلك الفعل، و أنّه عبادة، فالأصل براءة الذمّة عن الوجوب، فهو مستحبّ كما عرفت.
و ممّا ذكر ظهر أنّ ما صدر من البعض[2]من التمسّك بالأصل- فيما هو داخل في العبادة عند الخصم المنازع و إبطال مذهبه به، مجرّد توهّم- مع تصريحه[3]بأنّ العبادة توقيفيّة موقوفة على نصّ الشارع، و أمثاله من العبادات.
بل مع بنائه على عدم الفتوى من أوّل الفقه إلى آخره إلاّ من نصّ الشارع، حتّى مع ورود المطلقات منه، مثل: الاقتصار على هيئة أفعل في «اللّه أكبر» كما قلناه إلى غير ذلك.
و أعجب منه، عدم كون الاستصحاب حجّة عنده، مع أنّ أصل العدم استصحاب [1] حال العدم، يجري فيه ما ذكره عند منعه حجّيّة الاستصحاب.
لكنّ الظاهر أنّ هذا البعض لا يتمسّك به إلاّ للتأييد حيث يكون له مستند يعتمد عليه، كما يتمسّك بالخبر الضّعيف و الاعتبار و غيرهما من المؤيّدات الّتي ليست بحجّة عنده جزما، كما هو طريقة سائر الفقهاء، حتّى أنّهم يذكرون القياس- في مقام التأييد- و الاستحسان أيضا، مع تصريحهم بحرمة الاحتجاج بهما كما لا يخفى.
[1] أي إذا فعل المعصوم(عليه السلام)فعلا بلا بيان قولي لاستحبابه أو وجوبه، و كان الفعل عبادة.
[1]هو المولى محمّد أمين الأسترآبادي، راجع الفوائد المدنيّة: 16.
[2]أي هذا ينافي توقيفية العبادة حيث إنّ اجزاء العبادة نفيا و إثباتا متوقّفة على نصّ الشارع.
[3]الفوائد المدنيّة: 17.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
فائدة (31) [حجّية خبر الواحد الضعيف المنجبر]
اتّفق المتقدّمون و المتأخّرون من القائلين بحجّية خبر الواحد على أنّ الخبر الضّعيف المنجبر بالشّهرة و أمثالها حجّة، بل استنادهم إلى الضّعاف أضعاف استنادهم إلى الصّحاح، بل الضّعيف المنجبر صحيح عند القدماء من دون تفاوت بينه و بين الصحيح، و لا مشاحّة في الاصطلاح، إلاّ أنّ اصطلاح المتأخّرين أزيد فائدة، إذ يظهر منه ثمر قواعد:
و هي أنّ كلّ خبر العدل حجّة إلاّ أن يمنع مانع، و خبر غير العدول بخلافه و عكسه. و خبر الموثّقين عند من يقول بأنّه مثل الصّحاح مثل الصحاح و عند من يقول بأنّه الضّعاف مثل الضّعاف، و كذا الحال في الحسان.
لكن كلّهم اتّفقوا على كون المنجبر حجّة، بل معظم الفقه من الأخبار الغير الصّحيحة بلا شبهة، بل الطّريقة فيه: أنّه عند معارضة الضعيف المنجبر
مع الصّحيح الغير المنجبر يرجّح ذلك الضّعيف على ذلك الصّحيح، كما ستعرف، و ستعرف وجهه أيضا.
و المحقّق في (المعتبر)[1]بالغ في التشنيع على من اقتصر على الصّحيح.
و العلاّمة في (الخلاصة) بنى على حجّيّة الخبر الغير الصحيح، و بنى خلاصته على القسمين في القسم الأوّل من أوّله إلى آخره.
و جميع تأليفات جميع الفقهاء مبنية على ذلك، بل ضعافهم أضعاف الصّحاح إلاّ النّادر من المتأخّرين، بل النّادر أيضا في كثير من المواضع عمل بالمنجبر، مصرّحا بأنّه و إن كان ضعيفا إلاّ أنّه عمل به الأصحاب، مثل:
حكم من أدرك ركعة من وقت الصّلاة و غيره، و إن كان في بعض المواضع يناقش: بأنّ العدالة شرط في حجّية الخبر الواحد، و المشروط عدم عند عدم شرطه.
و لا شكّ في فساد المناقشة، لاقتضائها سدّ باب إثبات الفقه بالمرّة، إذ لا شبهة في أنّ عشر معشار الفقه لم يرد فيه حديث صحيح، و القدر الّذي ورد فيه الصّحيح لا يخلو ذلك الصّحيح من اختلالات كثيرة بحسب السّند، و بحسب المتن، و بحسب الدّلالة، و من جهة التعارض بينه و بين الصّحيح الآخر، أو القرآن، أو الإجماع، أو غيرهما- كما أشرنا إليه في الفوائد و ظهر لك من التأمّل فيها، و في الملحقات أيضا إلى هنا- و بدون العلاج كيف يجوز الاحتجاج به؟! و كذا إذا لم يكن العلاج حجّة.
و كون العلاج هو الخبر الصّحيح أو مختصّا به بديهيّ البطلان، إذ لا شكّ في أنّ العلاج هو ظنّ المجتهد و لا خصوصيّة له بالصّحيح، بل ظنّه من الخبر
[1]المعتبر: 29.
المنجبر بالشّهرة أقوى من الصّحيح الغير المنجبر بمراتب شتّى، كما ستعرف.
و كون العدالة شرطا: إن كان من قول الأصحاب فقد عرفت الاتّفاق على العمل بغير الصّحيح أيضا، بل ضعيفهم أضعاف صحيحهم، إلى غير ذلك ممّا أشرت. و إن كان من ظاهر إطلاق كلام البعض في كتب الأصول، فالظّاهر لا يقاوم المحسوس بالبديهة.
و التّوجيه أنّ مرادهم بحسب الأصل و من دون حاجة إلى التبيّن، إذ بعد التبيّن خبر الفاسق أيضا حجّة عندهم بلا شبهة، و يظهر من كلامهم في الأصول أيضا.
و البناء على أنّ التبيّن لا بدّ أن ينتهي إلى اليقين، دون العدالة الّتي هي شرط- إذ يكفي فيها أيّ ظنّ يكون من المجتهد- فتحكّم، لأنّه تعالى اعتبر في قبول الخبر أحد الشيئين: إمّا العدالة أو التبيّن، و لم يثبت من الأدلّة، و لا أقوال العلماء أزيد من هذا، فالاكتفاء في أحدهما بأيّ ظنّ يكون دون الآخر فيه ما فيه. و المدار في التعديل على ظنون المجتهد- كما عرفت-، لأنّ التّعديل المعتبر من القدماء- إلاّ ما شذّ- و لم يظهر مذهبهم في العدالة أنّها الملكة، أو حسن الظّاهر، أو عدم ظهور الفسق، مع أنّ الأوّل خلاف ما يظهر من القدماء، و كذا لم يظهر أنّهم أيّ شيء اعتبروا في العدالة، و أنّ عدد الكبائر عندهم أيّ قدر، إلى غير ذلك ممّا وقع فيه الخلاف.
مع أنّهم يوثّقون الإماميّ بمثل ما يوثّقون غيره، حتّى أنّهم يوثّقون الغالي و أمثاله كتوثيق الإماميّ، و كثيرا ما لا يتعرّضون لرداءة مذهب الرّواة اتكالا على الظهور أو غيره، بل هذه طريقتهم في الغالب، مع أنّه قلّما يسلم جليل عن قدح، أو خبر يدلّ على ذمّه، فلا بدّ من التّرجيح أو الجمع، و لا يتأتيان إلاّ بظنون المجتهد.
و كذا الحال في تعيين المشترك، إلى غير ذلك، مثل: أنّه ربّما يقع في الطّريق سقط أو تبديل أو تصحيف و أمثال ذلك، و العلاج غالبا بالظّنون، بل ربّما كانت ضعيفة كما لا يخفى على المطّلع، بل لا نسبة بين هذه الظّنون و بين ما هو مثل الشّهرة بين الأصحاب كما سنشير إليه.
و الحاصل أنّ معاصري الأئمّة(عليهم السلام)و قريبي العهد منهم كان عملهم على أخبار الثقات مطلقا و غيرهم بالقرائن، و كانوا يردّون بعض الأخبار أيضا لما ثبت بالتواتر من أنّ الكذّابة كانوا يكذبون عليهم(عليهم السلام)، لكن خفي علينا الأقسام الثلاثة، و لا يمكننا العلم بها كما مرّ في الفوائد، كما أنّ نفس أحكامهم أيضا خفيت علينا كذلك، و انسدّ طريق العلم، فالبناء على الظنّ في تميّز الأقسام، كما أنّ البناء في نفس أحكامهم أيضا عليه، و الدّليل في الكلّ واحد كما مرّ هناك.
و ممّا ذكر ظهر فساد ما قيل: من أنّ الشّرط في حجّيّة المنجبر أن يظهر كون عمل المشهور على نفس ذلك الخبر لا ما يطابقه، لأنّ المدار إذا كان على حصول الظنّ بصدق ذلك الخبر من جهة التبيّن، فلا جرم يكون الحجّية دائرة مع تلك المظنّة، و لا شكّ في حصولها من الموافقة لما اشتهر بين الأصحاب، لظهور كونه حقّا، و الموافق للحقّ حقّ. نعم لو تضمّن ما زاد على ذلك لحصل الإشكال في الزّائد.
ثمّ إنّه ظهر من جميع ما ذكر فساد ما ذكره في المدارك: من أنّ الشّهرة إن بلغت حدّ الإجماع فهو الحجّة، لا الخبر، و إلاّ فأيّ فائدة فيها؟! مضافا إلى أنّ الإيمان و الإسلام و العدالة و غيرها شرط في كون الخبر حجّة عنده، مع أنّ شيئا منها ليس بحجّة وحده، و ليس الخبر حجّة بدونها، لكونها شرطا فيها. و كذا الحال في جميع الظنون الاجتهاديّة المتعلّقة سند
الخبر و متنه و دلالته و رفع تعارضه و غير ذلك، إذ ليست حجّة ما لم تتعلّق بالأدلّة الخمسة، و الأدلّة لا تكون حجّة بدون تلك الظّنون، و قس على ذلك شرائط سائر الأدلّة مع تلك الأدلّة.
و ممّا ذكر ظهر أيضا أنّه إذا وقع التّعارض بين الضّعيف المنجبر بالشّهرة و الصحيح الغير المنجبر، يكون الضّعيف مقدّما عليه، كما هو طريقة القدماء و أكثر المتأخّرين- كما لا يخفى على المطّلع و التنبيه على مواضع تقديمهم إيّاه عليه يوجب بسطا طويلا غاية الطّول- خصوصا بعد ملاحظة أنّ العدالة عندهم شرط في قبول الخبر، فمع وجود الشّرط في الصّحيح، و عدمه في الضّعيف لا يعدلون منه إليه إلاّ لداع عظيم، بعد ملاحظة كونهم من أهل الخبرة و المهارة و قرب العهد بالأئمّة(عليهم السلام)، و كونهم مشايخ الإجازة، و مؤسّسي مذهب الشيعة، و متكفّلي أيتام الأئمّة(عليهم السلام)بعد الغيبة، و فقهاء الشيعة في الحضور و الغيبة، و مجدّدي دين الرّسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلم)في كلّ قرن و رأس كلّ مائة، و حجج اللّه على العباد بالنّصّ من الأئمّة(عليهم السلام)، و الحكّام عليهم بنصّهم(عليهم السلام)في مقبولة ابن حنظلة و رواية أبي خديجة، إلى غير ذلك ممّا ورد في شأنهم أو ظهر من حالتهم، و خصوصا بعد ملاحظة تحريمهم التّقليد على المجتهد، و إيجابهم استفراغ الوسع و أمرهم بالاحتياط و مبالغتهم فيه و في الاهتمام به و عدم المسامحة.
هذا مع نهاية كثرتهم و موافقة كلّ منهم الآخر، مع غاية الاختلاف بينهم في تأسيس الأصول، و تفريعهم الفروع، بل الواحد منهم كثر اختلافه في الفقه فكيف المجموع؟! إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في حجّيّة إجماعهم في (الفوائد) و (الرّسالة)، فلاحظ و تأمّل جدّاً.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة