فائدة (33) [الوظائف المحوّلة للمجتهد]
المجتهد و الفقيه و المفتي و القاضي و حاكم الشّرع المنصوب عبارة الآن عن شخص واحد، لأنّه بالقياس إلى الأحكام الشّرعية الواقعيّة يسمّى مجتهدا، لما عرفت من انسداد باب العلم.
و بالقياس إلى الأحكام الظاهريّة يسمّى فقيها، لما عرفت من كونه عالما بها على سبيل اليقين.
و بالقياس إلى أنّه يفتي يسمّى مفتيا.
و بالقياس إلى أنّه يرفع خصومة المترافعين إليه يسمّى قاضيا.
و مع قطع النّظر عن الترافع إليه يسمّى حاكم الشّرع بالنسبة إلى مثل:
ولاية الأيتام، و الغائبين، و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، و مذكورة في الفقه.
و بالقياس إلى شرائط الاجتهاد يسمّى محدّثا متكلّما أصوليّا رجاليّا إلى
غير ذلك.
ثمّ اعلم أنّ أحواله بالنّسبة إلى الأسامي ربّما تتفاوت تفاوتا ظاهرا، فإنّ المجتهد منصبه العمل بالأدلّة الشّرعيّة لنفس الأحكام، و كذا موضوعاتها الّتي يتوقّف عليها ثبوت الأحكام، و يجوز للعامّي تقليده في الأوّل دون الثاني.
و عرفت أنّ الاجتهاد و التّقليد إنّما يجريان فيما يجب العمل به، و يحتاج إليه و ينسدّ باب العلم بمعرفته.
و أيضا لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد، نعم ربّما يستند إلى قوله من باب التأييد و المرجّحات الاجتهاديّة، فلا يكون مقلّدا.
و كذا استناده إلى قول علماء الرّجال و اللّغة و أمثالهما ليس تقليدا، لأنّه لا يستند بمجرّد قولهم حتّى يكون تقليدا، بل يبذل الجهد في أنّه هل له معارض أم لا؟ فإذا وجد المعارض يبذل جهده في التّرجيح و الجمع، و يبذل جهده في معرفة كون التّرجيح أو الجمع حجّة أم لا، و بعد معرفة الحجّة يبني عليها، و إذ لم يجد المعارض بنى على أصل العدم، و الظاهر كونهما حجّة، و كذا كون الاستناد إلى كون أقوال هؤلاء حجّة، فإذا علم حجّية الكلّ يعمل، فهذا ليس بتقليد.
و أيضا قد عرفت أنّ الشّيعة بحسب الظّاهر متّفقون على عدم جواز تقليد الميّت من المجتهد، عكس العامّة، فإنّ المشهور و المعروف بينهم جوازه.
هذه[1]أحوال المجتهد من حيث هو مجتهد، و ليست منحصرة فيما ذكر، بل ربّما يوجد غيره، فتتبّع مظانّه تجد منها أنّ كلامه حجّة على من قلّده،
[1]في الأصل: (هذا).
و يجب على مقلّده العمل بقوله خاصّة، دون مجتهد آخر لا يعتقد به، فلا يقلّده، و مع وجود الأعلم الأفقه يتعيّن تقليده، و مع التّساوي يتخيّر. إلى غير ذلك.
و أمّا القاضي فشأنه القضاء في موضوعات الأحكام، فيكون عمله على الشّاهد و اليمين و النّكول و الإقرار و اليد و أمثالها، لا الأدلّة الخمسة الّتي هي مستند الفقيه.
و يجوز للمجتهد الترافع إليه، بل قد يجب، مع أنّه يجز له تقليد المجتهد، كما عرفت. و كذا الحال في غير المجتهد سواء كان مقلّده أم لا، فحكمه ماض على المجتهد و العاميّ المقلّد له، و غير المقلّد له، لأنّ من بلغ رتبة القضاء فهو منصوب من قبل المعصوم(عليه السلام)على سبيل العموم، فلا يوجد في هذه الأزمنة قاضي التحكيم. فتأمّل جدّاً.
و لأنّه لا يستقيم حكمه، و لا يصحّ إلاّ أن يكون كذلك، فإنّه لا بدّ من البيع و الشراء أو الانتقالات الأخر أو التصرّفات الأخر إلى غير ذلك.
و لأنّه نائب المعصوم(عليه السلام).
و أيضا بعد ما حكم به القاضي حكمه ثابت دائما، و إن مات، و حاله بعد موته كحاله في حياته بالنسبة إلى ما حكم به، و لا يموت حكمه بموته، و لا يجوز الترافع إلى الميّت، و لا يمكن، و لو قيل بجواز تقليد الميّت. هذا و غيره من الأحكام المختصّة بالقاضي المذكورة في موضعها.
و أمّا حاكم الشرع فقد أشرنا إلى أشغاله و مناصبه، و هي ممّا ينتظم به أمر المعاد و المعاش للعباد، و الظاهر أنّ حكمه مثل حكم القاضي ماض على العباد: مجتهدين أم مقلّدين: مقلّدين له أم لغيره. أم لا يكونون قلّدوا أحدا لاشتراك العلّة و هي كونه منصوبا من المعصوم(عليه السلام)و لأن حصول النظام
لا يكون إلاّ بذلك، و لأنّه نائب المعصوم(عليه السلام).
و المعروف من المتأخّرين: أنّ ثبوت الهلال من مناصبه فيثبت[1]عنده فيحكم بالصوم أو الفطر أو غيرهما.
و ربّما قيل: إنّ بعد الثبوت عنده يصحّ الصّوم أو الفطر أو غيرهما قبل تحقّق حكمه بذلك، و لا يتوقّف عليه.
و الدّليل على كونه من مناصبه: أنّ الأئمّة(عليهم السلام)كانوا يفعلون كذلك، يثبت عندهم فيأمرون المكلّفين بالصّوم و غيره.
و لأنّ الثبوت على كلّ مكلّف بشهادة العدلين عنده يوجب الحرج، سيّما مع عدم معرفته حكم الشّهادة و العدالة و غيرهما.
مع أنّ الفقهاء صرّحوا في كتاب القضاء: بأنّ الحكم بشيء من الشهادة، و العمل بالشهادة منصب الفقيه.
و لأنّه نائب المعصوم(عليه السلام)، و لو فعل المعصوم(عليه السلام)لكان صحيحا البتّة، فكذا نائبه.
و ربّما سمعنا من بعض العلماء، أو اطّلعنا على قوله: بعدم جواز التّقليد في ثبوت الهلال في الأمور المذكورة، لأنّه متعلّق بفعل المكلّف من حيث أنّه مكلّف، كالعلم بدخول الوقت، و أمثاله.
و لأنّه ربّما كان الظّاهر من الأخبار كون الحجّة هي الشّهادة خاصّة لا فتوى[2]الحاكم أيضا، و كون الاعتماد على خصوص الشّهادة لا على حكمه أيضا فتأمّل جدّاً.
[1]م: فتثبت عنده و يحكم. ف: فثبت عنده فيحكم. و لعلّ ما أثبتناه هو الصحيح.
[2]ف: لا قبول الحاكم أيضا.
و لأنّ التقليد خلاف الأصل، و حرام حتّى يثبت المخرج، سيّما تقليد من لم يقلّده.
و يمكن الجواب عن الكلّ بما مرّ من الأدلّة، مضافا إلى أنّه بعيد غاية البعد أن يكون المشهور في عصر الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلم)و الأئمّة(عليهم السلام)و من بعدهم من الفقهاء الخبيرين الماهرين القريبين للعهد منهم يدرون[1]في المحلاّت و البيوت ليشهدوا عند كلّ واحد من المكلّفين، أو يطّلع على شهادتهم، بحيث يعرفهم بالعدالة و استجماع الشرائط المعتبرة لقبول الشهادة، سيّما و أكثرهم النّساء و السّفهاء و غيرهم ممّن لا يتيسّر ذلك الاطّلاع بالحيثية المذكورة منهم البتّة، لو لم نقل كلّهم إلاّ الفقهاء.
بل لا يخفى على المتأمّل كون ما ذكر من القطعيّات، يعنى قطع أنّه لم يكن كذلك، سيّما بملاحظة أنه أمر يعمّ به البلوى، و يشتدّ به الحاجة، و يكثر وقوعه في الأزمنة بحسب العادة، فلو كان الشّهود يدارون[2]، أو يطّلع على شهادتهم بالحيثيّة المذكورة، لكون ذلك لازما، لاشتهر اشتهار الشّمس، مع أنّ الأمر بالعكس- كما ظهر لك- و فتوى المتأخّرين و عملهم أيضا في الأعصار و الأمصار على ما عرفت. و اللّه يعلم.
[1]في ف: يدرون و لعله تصحيف من: يدورون.
[2]ف: يدرءون.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
فائدة (34) [ردّ شبهة المانعين عن وجوب الاجتهاد]
شبهة أوردها المانعون عن وجوب الاجتهاد: بأنّ استفراغ الوسع إن أريد الوسع في جميع أوقات العمر، فلا يتحقّق رتبة الاجتهاد إلاّ عند الوفاة، و إنّ أريد في وقت التكليف و الحاجة إلى المسألة، فربّما كان في ذلك الوقت ما حصل شرائط الاجتهاد كلاّ أو بعضا، أو حصل على سبيل التّقليد، و أنتم لا ترضون به، لأنّه مركّب من الاجتهاد و التقليد الّذي تتحاشون عنه.
و إن حصل على سبيل الاجتهاد فالاجتهاد متفاوت، لأنّه يحتمل عند المحصّل أنّه لو استفرغ وسعه أزيد ممّا فعله لربّما ظهر له خلاف ما ظهر أوّلا، و أنتم أوجبتم شرائط الاجتهاد فرارا من هذا، و قلتم كيف يعتمد على ظنّه مع هذا؟! فمع كونه موجودا هنا فكيف اكتفيتم؟ و إن لم تكتفوا إلاّ باستفراغ ثان، فننقل الكلام إليه، و هكذا لعدم الانتهاء إلى العلم.
و إن بنيتم في الاكتفاء على الاعتماد على تصديق مجتهد و تجويزه فهو تركّب الاجتهاد و التقليد، مع أنّا ننقل الكلام إلى المجتهد المجوّز.
و الجواب أوّلا: بالنّقض: بأنّكم إن جوّزتم أنّ كلّ إنسان- سواء كان ذكرا أو أنثى، سفيها أو عاميّا أو أعجميّا قحّا، إذا فهم من الأحاديث شيئا بأيّ نحو فهم من غير جهة قاعدة و ضابطة بل بخلاف القاعدة، و إن فهم ضدّ المطلوب أو نقيضه، بل ربّما لم يكن رابطة لفهمه، بل رجما بالغيب- يكون فهمه حجّة يجب عليه العمل به، و لا يمكنه تقليد غيره- و لو في حكمه. بأنّ فهمه غلط فاسد جزما- فوا فضيحتاه، و لستم حينئذ أهلا للمكالمة و مستأهلين[1]للجواب.
و إن قلت: إنّه لا بدّ للفهم من اطّلاع على أمر و تتبّع و معرفة، ننقل الكلام إليه و نورده عليك حرفا بحرف، إلاّ أن تجوّز التركّب، و هو في الحقيقة تقليد لا اجتهاد، و الكلام فيه. مع أنّه لا يصدّقه مجتهد، و لا يجوّزه فقيه، لأنّ الشيعة بأجمعهم، بل أهل السّنة أيضا لا يجوّزونه، و بيّنّا بطلانه في رسالتنا في الاجتهاد. هذا مع أنّكم لا تجوّزون تقليد غير المعصوم(عليه السلام)، و التركّب ليس تقليد المعصوم(عليه السلام)، كما هو ظاهر.
هذا مع أنّ الّذي أورد الشبهة يعتبر في الفقاهة و فهم الحديث معرفة العلوم العربيّة و اللغويّة و التتبّع التامّ في الأحاديث و أمثال ذلك، فالنّقض عليه في غاية الشدّة.
و أيضا جميع العلوم و الحرف و الصّنائع- التي [هي] واجبة كفاية أو
[1]م: و لستم حينئذ أهلا للمكالمة و متأهّلا للجواب. ف: و ليس حينئذ أهلا للمكالمة و مستأهلا للجواب. و ما أثبتناه في المتن هو الصحيح.