بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 57

و الغلاّت و الأنعام.

3- و ما كان الشكّ في شروط و قيود التكليف العامّة و الخاصّة (و هو الرابع) كالشكّ في البلوغ أو الشّكّ في الاستطاعة أو الشّكّ في حلول الوقت فإنّ الشّكّ فيها من الشّكّ في أصل التكليف بالضرورة.

الشّكّ في هذه الموارد جميعا يكون من الشّكّ في أصل التكليف و يكون المورد موردا للبراءة بلا كلام.

تشخيص مواضع الشّكّ في المكلّف به:

و أمّا ضابط الشّكّ في المكلّف به فهو:

1- أن يكون الشّكّ في المكلّف به (متعلّق التكليف) رأسا (و هو الأمر الثاني) كما لو شكّ أنّه قد صلّى الظهر أو لم يصلّ و هو من الشّكّ في الامتثال.

2- أو كان الشّكّ في متعلّق المتعلّق (الموضوع) (و هو الأمر الثالث) إذا كان يعلم بوجوده في الخارج و في دائرة ابتلائه و متناوله، و لكنّه كان يتردّد في تشخيصه بين مجموعة من المصاديق كما لو علم بوجود الخمر في مجموعة من السوائل بين يديه، إلاّ أنّ الخمر كان مشتبها بين هذه السوائل فلا يكاد يميّزه عن غيره من السوائل، فإنّ حرمة الشرب لا محالة فعليّة لوجود الخمر بين يديه، و اشتباهه بين مجموعة محدودة من السوائل لا يرفع فعليّة حرمة شرب الخمر و لا يجوز له تناوله، كما كان يجوز له ذلك في الشبهة البدويّة الموضوعيّة إذا اشتبه في سائل أنّه خمر أم لا، فيكون المورد من موارد الشّكّ في المكلّف به.

و كذا لو اشتبه أمر القبلة عليه، فإنّ وجوب التوجّه إلى القبلة في الصلاة يبقى فعليّا و لا يسقط فعليّة وجوب التوجّه إلى القبلة باشتباه القبلة


صفحه 58

بين الأطراف الأربعة و على المكلّف أن يحتاط حتّى يحرز القبلة بحسب القواعد، لو لا وجود النصوص الخاصّة في البين. و هذا المورد كذلك من موارد الشّكّ في المكلّف به، و هو مجرى الاحتياط كما علمنا.

و الخلاصة أنّ الشّكّ في التكليف و الشّكّ في الموضوعات و القيود و الشروط التي لها دخل في فعليّة التكليف، و الشّكّ في كلّ ما من شأنه أن يستتبع الشّكّ في التكليف يعتبر من الشّكّ في التكليف و ما عدا ذلك يعتبر من الشّكّ في المكلّف به.

أقسام الشّكّ في التكليف:

و الشّكّ في التكليف على أقسام متعدّدة:

لأنّ الشّكّ في التكليف قد يكون في الشبهة الحكميّة (كالشكّ في حلّيّة لحم الأرنب)، و قد يكون في الشبهة الموضوعيّة (كالشكّ في طهارة الكحول، فإنّ منشأ هذا الشّكّ هو الشّكّ في مصداقيّة الكحول للمسكرات، و ليس من الشّكّ في نجاسة المسكر، و إنّما الشّكّ في أنّ الكحول من مصاديق المسكر أم لا).

و على كلّ حال فإنّ الشبهة قد تكون وجوبيّة كالشكّ في وجوب جهاد الكفّار ابتداء، و قد تكون تحريميّة كالأمثلة المقدّمة في الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة.

و هذه أربعة أقسام رئيسيّة للشكّ في التكليف، و منشأ الشبهة الحكميّة (بقسميها الوجوبيّة و التحريميّة) قد يكون فقدان النصّ، و قد يكون إجمال النصّ، و قد يكون تعارض النصّين.

و الحكم في جميع هذه الأقسام واحد و هو البراءة عدا بعض الأقسام


صفحه 59

منها.

و قد أفرد الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه)و من تبعه من الأصوليّين هذه الأقسام بشروح مستقلّة، إلاّ أنّ الخلاف المعروف بين الأصوليّين و الأخباريّين هو في خصوص الشبهة الحكميّة التحريميّة فقط، حيث ذهب الأخباريّون في موردها إلى التوقّف أو الحرمة و ذهب الأصوليّون فيها إلى البراءة قولا واحدا.

و لا خلاف يذكر بين هاتين المدرستين في غير هذا المورد.

أقسام الشّكّ في المكلّف به:

و من التوضيح السابق نستطيع أن نصنّف الشّكّ في المكلّف به إلى قسمين رئيسيّين: ما لا يقترن الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي، و ما يقترن فيه بالعلم الإجمالي.

و القسم الأوّل و هو ما لا يقترن فيه الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي يكون مرجعه لا محالة إلى الشّكّ في امتثال المتعلّق (المكلّف به) كما لو شكّ في الإتيان بصلاة الظهر، و هو من أظهر مصاديق الشّكّ في امتثال المكلّف به بعد العلم بالتكليف و هو مجرى الاحتياط قطعا.

و القسم الثاني و هو ما يقترن فيه الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي و في هذا القسم قد يكون متعلّق العلم الإجمالي هو متعلّق التكليف، كما لو تردّد في التكليف يوم الجمعة بين صلاة الظهر و صلاة الجمعة. و قد يكون متعلّق العلم الإجمالي و الترديد هو موضوع الحكم (متعلّق المتعلّق) كالخمر في المثال السابق، كما لو علم بوجود الخمر في إناء مردّد بين مجموعة من الأواني، إلاّ أنّه لم يكن يشخّص إناء الخمر بخصوصه، فإن التكليف باجتناب


صفحه 60

تناول الخمر يكون تكليفا فعليّا ناجزا لا محالة، و فعليّة التكليف و تنجّزه بالاجتناب عن إناء الخمر يتطلّب الاحتياط باجتناب كلّ الأواني، و اشتباه إناء الخمر بغيره من الأواني لا يضرّ بفعليّة التكليف و تنجّزه على المكلّف، ما دام المكلّف عالما بأصل التكليف، حتّى و إن كان العلم على نحو الإجمال و ليس على نحو التفصيل.

تنجيز العلم الإجمالي في كلمات الوحيد:

و يبحث الوحيد(رحمه اللّه)في الفوائد عن تنجيز العلم الإجمالي في بحثين:

فيما إذا كانت أطراف العلم الإجمالي محصورة في دائرة صغيرة و محدودة، و فيما إذا كانت أطراف العلم غير محصورة و في دائرة واسعة فيذهب إلى تنجيز العلم الإجمالي في القسم الأوّل و ينفي اقتضاء العلم الإجمالي في القسم الثاني للتنجيز.

و يرى في القسم الأوّل إنّ العلم الإجمالي علّة لحرمة المخالفة القطعيّة كما هي علّة أو مقتض لوجوب الموافقة القطعيّة، و يجري في هذا البحث العميق على أسس علميّة عقليّة متينة.

يقول(رحمه اللّه): «ثمّ اعلم أنّ جمعا من المجتهدين فرّقوا في اشتباه موضوع الحكم بين المحصور و غير المحصور، و حكموا بالمنع في الأوّل، بناء على أنّ الحكم بحلّيّة المجموع يستلزم الحكم بحلّيّة ما هو حرام علينا قطعا، و طهارة ما هو نجس جزما كالإناءين المشتبهين و الثوبين.

و إن حكمنا أنّ أحدهما نجس أو حرام فهو ترجيح من غير مرجّح شرعيّ.

و الفرق بين المحصور و غير المحصور أنّ في المحصور: يتأتّى التنزّه عن


صفحه 61

الكلّ بحيث لا يلزم الحرج المنفي بخلافه، و ذلك لأنّ الحرمة و النجاسة تكليفان يحب امتثالهما، فحيث يمكن الامتثال بترك المحتملات من باب المقدّمة الواجبة، و حيث لا يمكن لعدم تأتّي ترك الجميع و عدم الترجيح الشرعي لا يكون مكلّفا»[1].

و الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)يدخل- كما يرى القاريء- هذا البحث العميق من مباحث الأصول، و يتحدّث عنه و يقسّمه إلى أقسامه و يبحث عن حكم كلّ قسم بصورة علميّة و على نهج علميّ دقيق، و هو أمر مثير للإعجاب و لو لا موقع الشيخ الأنصاري من مدرسة الأصول الحديثة لقلنا بأبوّة الوحيد البهبهاني لمدرسة الأصول الحديثة.

و لكن إذا كانت هذه الأبوّة موضع نقاش بسبب موقع الشيخ الأنصاري من هذه المدرسة فإنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ الوحيد البهبهاني من أكبر روّاد هذه المدرسة و دوره الرائد في المدرسة الأصوليّة الحديثة قبل الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه)و أسبق منه.

دوران الأمر بين الأطراف المتباينة أو الأقلّ و الأكثر:

و هذا القسم من الشكّ في المكلّف به الّذي يقترن بالعلم الإجمالي ينقسم إلى قسمين أساسيّين:

القسم الأوّل: ما يكون الترديد فيه بين الأطراف المتباينة، كالمثال السابق في الخمر المشتبه بين الأواني المتعدّدة المختلفة.

و القسم الثاني: ما يكون الترديد فيه بين الأقلّ و الأكثر، كما لو علم

[1]الفوائد القديمة: 136.


صفحه 62

المكلّف بالتكليف بالزكاة و شكّ في أنّ الواجب المكلّف به خمسة دنانير أو عشرة دنانير، و هذا هو الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّان، و لا إشكال في أنّ العلم الإجماليّ ينحلّ في هذا المورد و يتنجّز فيه وجوب الأقلّ للعلم التفصيليّ به و يكون الزائد عليه مشكوكا شكّا بدويّا و تجري فيه البراءة.

و القسم الآخر من الأقلّ و الأكثر هو الأقلّ و الأكثر الارتباطيّان، كما لو شكّ في أنّ الصيام الواجب إلى غروب الشمس أو إلى زوال الحمرة المشرقيّة بعد غروب الشمس، و هو موضع خلاف معروف بين المحقّقين من الأصوليّين، و منشأ الخلاف أنّ هذا القسم من التردّد بين الأقلّ و الأكثر هل هو من قبيل التردّد بين الأقلّ و الأكثر المستقلّين فينحلّ العلم الإجمالي بتنجيز الأقلّ، أو أنّه من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، فينجز فيه الأكثر و هو الاستمرار في الصيام إلى غياب الحمرة المشرقيّة؟.

و لا بدّ من التنبيه إلى أنّ دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر كما يجري في موضوعات الواجبات (متعلّق المتعلّق) كالمثال الّذي ذكرناه للأقلّ و الأكثر المستقلّين كذلك يجري في نفس الواجب (المتعلّق) كالمثال الّذي ذكرناه لدوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين.

الوظيفة العقليّة لدى الشكّ في التكليف:

لا شكّ في أنّ وظيفة المكلّف عند الشكّ في التكليف هو الأخذ بالبراءة و الخلاف بين الأصوليّين في مصدر هذه الوظيفة. هل هو الشرع أم الشرع و العقل. و الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)يذهب إلى الرّأي الثاني.

و ما يهمّنا هنا في هذا البحث هو الوظيفة العقليّة للمكلّف لدى الشكّ في التكليف و رأي الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)في ذلك.


صفحه 63

و البراءة التي تجري بحكم العقل في هذا القسم من الشكّ هو ما يصطلح عليه علماء الأصول ب(البراءة العقليّة) في مقابل (البراءة الشرعيّة) التي تجري في نفس المورد بموجب الأدلّة الشرعيّة التي تحكم بالبراءة عند الشكّ في التكليف.

و قد اشتهر بين علماء الأصول التمسّك بالدليل العقلي على البراءة إلى جنب التمسّك بالأدلّة الشرعيّة على البراءة إلاّ أنّنا لا نجد قبل المحقّق الحلّي(رحمه اللّه)(676 ه) صياغة علميّة دقيقة للبراءة العقليّة أو البراءة الأصليّة على مصطلح القدماء بموجب حكم العقل.

تاريخ البراءة العقليّة عند القدماء:

و نجد أوّل محاولة فنّيّة لصياغة البراءة العقليّة عند المحقّق الحلّي(رحمه اللّه)حيث يقول:

«لو كان الحكم ثابتا لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل، لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا يطاق للمكلّف إلى العلم به و هو تكليف بما لا يطاق»[1].

و هذا الكلام لا يخلو من مناقشة لأنّ التكليف بالمشكوك يمكن بالاحتياط و ليس ممّا لا يطاق، إلاّ أن يكون المقصود به بالمجهول المطلق، و هو أمر آخر و ليس موضوع البحث.

و استقرّ القول بالبراءة العقليّة لدى الفقهاء بعد المحقّق الحلّي ضمن هذه الصياغات أو صياغات أخرى قريبة منها حتّى عصر الوحيد البهبهاني الّذي

[1]المعارج للمحقّق 212 213، طبع آل البيت(عليهم السلام)، قم.


صفحه 64

توفّق إلى صياغة فنيّة متينة لهذه القاعدة اتّبعه عليها الأصوليّون الذين جاءوا من بعده بما فيهم مدرسة الشيخ الأنصاري و من تخرّج من هذه المدرسة.

قاعدة قبح العقاب بلا بيان:

و هذه القاعدة هي القاعدة المعروفة ب(قبح العقاب بلا بيان) و لعلّ المعركة الفكريّة التي دخلها الوحيد ضدّ المدرسة الأخباريّة كان من وراء هذه الصياغة العقليّة لأصالة البراءة.

يقول الوحيد(رحمه اللّه)في كتابه (الفوائد الحائريّة):

«اعلم أنّ المجتهدين ذهبوا إلى أنّ ما لا نصّ فيه و الشبهة في موضوع الحكم الأصلي فيهما البراءة. و المقصود بالأوّل الشبهة الحكميّة و بالثاني الشبهة الموضوعيّة».

ثمّ يقول: «دليل المجتهدين حكم العقل بقبح التكليف و المؤاخذة ما لم يكن بيان»[1].

و قد عدّل صياغته من بعده سبطه السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي ابن السيّد علي صاحب (رياض المسائل) في موسوعته الأصوليّة الكبيرة (مفاتيح الأصول) فقال في الاستدلال للبراءة العقليّة: و منها ما أشار إليه جدّي (الوحيد البهبهاني) فقال: «إنّ دليل المعظم إنّه إذا لم يكن نصّ لم يكن حكم فالعقاب قبيح، ثمّ قال: فالصواب أن يجعل الدليل هكذا:

[1]الفوائد الحائريّة مع تعاليق الفريد الگلپايگاني: 133، مكتبة الصدر.