تناول الخمر يكون تكليفا فعليّا ناجزا لا محالة، و فعليّة التكليف و تنجّزه بالاجتناب عن إناء الخمر يتطلّب الاحتياط باجتناب كلّ الأواني، و اشتباه إناء الخمر بغيره من الأواني لا يضرّ بفعليّة التكليف و تنجّزه على المكلّف، ما دام المكلّف عالما بأصل التكليف، حتّى و إن كان العلم على نحو الإجمال و ليس على نحو التفصيل.
تنجيز العلم الإجمالي في كلمات الوحيد:
و يبحث الوحيد(رحمه اللّه)في الفوائد عن تنجيز العلم الإجمالي في بحثين:
فيما إذا كانت أطراف العلم الإجمالي محصورة في دائرة صغيرة و محدودة، و فيما إذا كانت أطراف العلم غير محصورة و في دائرة واسعة فيذهب إلى تنجيز العلم الإجمالي في القسم الأوّل و ينفي اقتضاء العلم الإجمالي في القسم الثاني للتنجيز.
و يرى في القسم الأوّل إنّ العلم الإجمالي علّة لحرمة المخالفة القطعيّة كما هي علّة أو مقتض لوجوب الموافقة القطعيّة، و يجري في هذا البحث العميق على أسس علميّة عقليّة متينة.
يقول(رحمه اللّه): «ثمّ اعلم أنّ جمعا من المجتهدين فرّقوا في اشتباه موضوع الحكم بين المحصور و غير المحصور، و حكموا بالمنع في الأوّل، بناء على أنّ الحكم بحلّيّة المجموع يستلزم الحكم بحلّيّة ما هو حرام علينا قطعا، و طهارة ما هو نجس جزما كالإناءين المشتبهين و الثوبين.
و إن حكمنا أنّ أحدهما نجس أو حرام فهو ترجيح من غير مرجّح شرعيّ.
و الفرق بين المحصور و غير المحصور أنّ في المحصور: يتأتّى التنزّه عن
الكلّ بحيث لا يلزم الحرج المنفي بخلافه، و ذلك لأنّ الحرمة و النجاسة تكليفان يحب امتثالهما، فحيث يمكن الامتثال بترك المحتملات من باب المقدّمة الواجبة، و حيث لا يمكن لعدم تأتّي ترك الجميع و عدم الترجيح الشرعي لا يكون مكلّفا»[1].
و الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)يدخل- كما يرى القاريء- هذا البحث العميق من مباحث الأصول، و يتحدّث عنه و يقسّمه إلى أقسامه و يبحث عن حكم كلّ قسم بصورة علميّة و على نهج علميّ دقيق، و هو أمر مثير للإعجاب و لو لا موقع الشيخ الأنصاري من مدرسة الأصول الحديثة لقلنا بأبوّة الوحيد البهبهاني لمدرسة الأصول الحديثة.
و لكن إذا كانت هذه الأبوّة موضع نقاش بسبب موقع الشيخ الأنصاري من هذه المدرسة فإنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ الوحيد البهبهاني من أكبر روّاد هذه المدرسة و دوره الرائد في المدرسة الأصوليّة الحديثة قبل الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه)و أسبق منه.
دوران الأمر بين الأطراف المتباينة أو الأقلّ و الأكثر:
و هذا القسم من الشكّ في المكلّف به الّذي يقترن بالعلم الإجمالي ينقسم إلى قسمين أساسيّين:
القسم الأوّل: ما يكون الترديد فيه بين الأطراف المتباينة، كالمثال السابق في الخمر المشتبه بين الأواني المتعدّدة المختلفة.
و القسم الثاني: ما يكون الترديد فيه بين الأقلّ و الأكثر، كما لو علم
[1]الفوائد القديمة: 136.
المكلّف بالتكليف بالزكاة و شكّ في أنّ الواجب المكلّف به خمسة دنانير أو عشرة دنانير، و هذا هو الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّان، و لا إشكال في أنّ العلم الإجماليّ ينحلّ في هذا المورد و يتنجّز فيه وجوب الأقلّ للعلم التفصيليّ به و يكون الزائد عليه مشكوكا شكّا بدويّا و تجري فيه البراءة.
و القسم الآخر من الأقلّ و الأكثر هو الأقلّ و الأكثر الارتباطيّان، كما لو شكّ في أنّ الصيام الواجب إلى غروب الشمس أو إلى زوال الحمرة المشرقيّة بعد غروب الشمس، و هو موضع خلاف معروف بين المحقّقين من الأصوليّين، و منشأ الخلاف أنّ هذا القسم من التردّد بين الأقلّ و الأكثر هل هو من قبيل التردّد بين الأقلّ و الأكثر المستقلّين فينحلّ العلم الإجمالي بتنجيز الأقلّ، أو أنّه من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، فينجز فيه الأكثر و هو الاستمرار في الصيام إلى غياب الحمرة المشرقيّة؟.
و لا بدّ من التنبيه إلى أنّ دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر كما يجري في موضوعات الواجبات (متعلّق المتعلّق) كالمثال الّذي ذكرناه للأقلّ و الأكثر المستقلّين كذلك يجري في نفس الواجب (المتعلّق) كالمثال الّذي ذكرناه لدوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين.
الوظيفة العقليّة لدى الشكّ في التكليف:
لا شكّ في أنّ وظيفة المكلّف عند الشكّ في التكليف هو الأخذ بالبراءة و الخلاف بين الأصوليّين في مصدر هذه الوظيفة. هل هو الشرع أم الشرع و العقل. و الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)يذهب إلى الرّأي الثاني.
و ما يهمّنا هنا في هذا البحث هو الوظيفة العقليّة للمكلّف لدى الشكّ في التكليف و رأي الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه)في ذلك.
و البراءة التي تجري بحكم العقل في هذا القسم من الشكّ هو ما يصطلح عليه علماء الأصول ب(البراءة العقليّة) في مقابل (البراءة الشرعيّة) التي تجري في نفس المورد بموجب الأدلّة الشرعيّة التي تحكم بالبراءة عند الشكّ في التكليف.
و قد اشتهر بين علماء الأصول التمسّك بالدليل العقلي على البراءة إلى جنب التمسّك بالأدلّة الشرعيّة على البراءة إلاّ أنّنا لا نجد قبل المحقّق الحلّي(رحمه اللّه)(676 ه) صياغة علميّة دقيقة للبراءة العقليّة أو البراءة الأصليّة على مصطلح القدماء بموجب حكم العقل.
تاريخ البراءة العقليّة عند القدماء:
و نجد أوّل محاولة فنّيّة لصياغة البراءة العقليّة عند المحقّق الحلّي(رحمه اللّه)حيث يقول:
«لو كان الحكم ثابتا لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل، لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا يطاق للمكلّف إلى العلم به و هو تكليف بما لا يطاق»[1].
و هذا الكلام لا يخلو من مناقشة لأنّ التكليف بالمشكوك يمكن بالاحتياط و ليس ممّا لا يطاق، إلاّ أن يكون المقصود به بالمجهول المطلق، و هو أمر آخر و ليس موضوع البحث.
و استقرّ القول بالبراءة العقليّة لدى الفقهاء بعد المحقّق الحلّي ضمن هذه الصياغات أو صياغات أخرى قريبة منها حتّى عصر الوحيد البهبهاني الّذي
[1]المعارج للمحقّق 212 213، طبع آل البيت(عليهم السلام)، قم.
توفّق إلى صياغة فنيّة متينة لهذه القاعدة اتّبعه عليها الأصوليّون الذين جاءوا من بعده بما فيهم مدرسة الشيخ الأنصاري و من تخرّج من هذه المدرسة.
قاعدة قبح العقاب بلا بيان:
و هذه القاعدة هي القاعدة المعروفة ب(قبح العقاب بلا بيان) و لعلّ المعركة الفكريّة التي دخلها الوحيد ضدّ المدرسة الأخباريّة كان من وراء هذه الصياغة العقليّة لأصالة البراءة.
يقول الوحيد(رحمه اللّه)في كتابه (الفوائد الحائريّة):
«اعلم أنّ المجتهدين ذهبوا إلى أنّ ما لا نصّ فيه و الشبهة في موضوع الحكم الأصلي فيهما البراءة. و المقصود بالأوّل الشبهة الحكميّة و بالثاني الشبهة الموضوعيّة».
ثمّ يقول: «دليل المجتهدين حكم العقل بقبح التكليف و المؤاخذة ما لم يكن بيان»[1].
و قد عدّل صياغته من بعده سبطه السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي ابن السيّد علي صاحب (رياض المسائل) في موسوعته الأصوليّة الكبيرة (مفاتيح الأصول) فقال في الاستدلال للبراءة العقليّة: و منها ما أشار إليه جدّي (الوحيد البهبهاني) فقال: «إنّ دليل المعظم إنّه إذا لم يكن نصّ لم يكن حكم فالعقاب قبيح، ثمّ قال: فالصواب أن يجعل الدليل هكذا:
[1]الفوائد الحائريّة مع تعاليق الفريد الگلپايگاني: 133، مكتبة الصدر.
إذا لم يصل الحكم لم يكن عقابا لقبح التكليف و العقاب حينئذ»[1].
و قد اعتبر الشيخ الأنصاري هذه القاعدة من القضايا البديهيّة التي لا يشكّ فيها أحد من العقلاء و لم يتعرّض الشيخ للاستدلال لهذه القاعدة اعتمادا على وضوحها و بداهتها.
تقرير المحقّق النائيني للبراءة العقليّة:
و ذهب المحقّق النائيني في توجيه هذه القاعدة و الاستدلال لها إلى أنّ البيان ما لم يصل إلى المكلّف لا يكون محرّكا له و وجود البيان الواقعي كعدمه لا يصلح أن يكون سببا في تحريك المكلّف، كما لا تصلح الأمور التكوينيّة المثيرة للرغبة و الحركة في الإنسان لإثارة الإنسان و تحريكه بوجودها الواقعي بل بوجودها الواصل إلى المكلّف[2].
تقرير المحقّق الأصفهانيّ للبراءة العقليّة:
و يقرّر المحقّق الأصفهانيّ(رحمه اللّه)البراءة العقليّة بطريقة أخرى فيرى أنّ أحكام العقل العملي تؤول بالنتيجة إلى حسن العدل و قبح الظلم بالضرورة و لا شكّ أنّ تمرّد العبد على أوامر المولى و نواهيه إذا أقام عليها الحجّة من الظلم و الخروج عن طور العبوديّة و هو من أقبح الأمور و يستحقّ العبد عليه العقاب.
[1]مفاتيح الأصول للسيّد المجاهد الطباطبائي: 518.
[2]راجع فوائد الأصول للشيخ محمّد علي الكاظميني تقريرات المحقّق النائيني 3:
365، طبعة انتشارات جامعة المدرّسين مع حواشي المحقّق العراقي.
أمّا ما لم تقم عليه الحجّة، و لم يصل بيانه إلى المكلّف من أوامر المولى و نواهيه فلا يعتبر مخالفته من قبل المكلّف من الظلم و الخروج عن طور العبوديّة، فلا يستحقّ بذلك العقاب و لا يصحّ عقابه من قبل المولى، بل يقبح عقابه من جانب المولى الحكيم، لأنّه لم يرتكب ظلما في علاقته بمولاه لتحسن عقوبته[1].
مناقشة الشهيد الصدر للبراءة العقليّة:
و للمحقّق الشهيد الصدر(رحمه اللّه)رأي معروف في نفي البراءة العقليّة و التشكيك في القيمة العقليّة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و خلاصة رأي هذا المحقّق الجليل أنّ من غير الجائز قياس حقّ الطاعة للّه سبحانه و تعالى على عباده بحقّ طاعة الموالي العرفيّة على من يتولون أمرهم و ذلك لأنّ مولويّة اللّه تعالى ذاتيّة، و مولويّة الموالي العرفيّة مجعولة، و لا تقاس أحكام المولويّة الذاتيّة في حقّ الطاعة بالمولويّة العرفيّة.
و بناء عليه فإنّ انحصار حقّ الطاعة للمولى على المكلّفين فيما وصلهم من التكاليف فقط حقّ إلاّ أنّه يختصّ بالموالي العرفيّة، أمّا حقّ طاعة اللّه تعالى على عباده فلا يقاس بما سبق بل يشمل التكاليف المحتملة أيضا.
يقول(رحمه اللّه): «و نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولويّة الذاتيّة الثابتة للّه سبحانه و تعالى لا تختصّ بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة و لو احتمالا و هذا من مدركات العقل العمليّ، و هي غير مبرهنة.
فكما إنّ أصل حقّ الطاعة للمنعم و الخالق مدرك أوّليّ للعقل العملي
[1]نهاية الدراية 2: 190.
غير مبرهن، كذلك حدوده سعة و ضيقا، و عليه فالقاعدة العمليّة الأوّليّة هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ على ما تقدّم في مباحث القطع»[1].
و لكن أصالة الاشتغال العقليّة، على رأي الشهيد الصدر(رحمه اللّه)لمّا كانت مقيّدة بعدم ورود ترخيص من الشارع في موارد الشكّ في التكليف كانت أدلّة البراءة الشرعيّة واردة بطبيعة الحال على الأصل العقلي الحاكم بالاشتغال.
مناقشة الشهيد الصدر لرأي العلمين النائيني و الأصفهانيّ:
و بهذا الصدد يناقش(رحمه اللّه)تقرير كلّ من العلمين المحقّقين النائيني و الأصفهانيّ(رحمهما اللّه)الّذي سبق و أن شرحناه.
فيقول في مناقشة تقرير المحقّق النائيني: «إنّ هذا الكلام مصادرة لأنّ عدم المقتضي فرع ضيق دائرة حقّ الطاعة و عدم شمولها عقلا للتكاليف المشكوكة، لوضوح أنّه مع الشمول يكون المقتضي للتحرّك موجودا، فينتهي البحث إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة»[2].
و يقول في مناقشة تقرير المحقّق الأصفهانيّ:
«و التحقيق أنّ ادّعاء كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لأحكام العقل العملي بالقبح عموما و أنّها كلّها تطبيقات له و إن كان هو المشهور و المتداول في كلماته و كلمات غيره من المحقّقين إلاّ إنّه لا محصّل له،
[1]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 33 و 34.
[2]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 29 و 30.