بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 64

توفّق إلى صياغة فنيّة متينة لهذه القاعدة اتّبعه عليها الأصوليّون الذين جاءوا من بعده بما فيهم مدرسة الشيخ الأنصاري و من تخرّج من هذه المدرسة.

قاعدة قبح العقاب بلا بيان:

و هذه القاعدة هي القاعدة المعروفة ب(قبح العقاب بلا بيان) و لعلّ المعركة الفكريّة التي دخلها الوحيد ضدّ المدرسة الأخباريّة كان من وراء هذه الصياغة العقليّة لأصالة البراءة.

يقول الوحيد(رحمه اللّه)في كتابه (الفوائد الحائريّة):

«اعلم أنّ المجتهدين ذهبوا إلى أنّ ما لا نصّ فيه و الشبهة في موضوع الحكم الأصلي فيهما البراءة. و المقصود بالأوّل الشبهة الحكميّة و بالثاني الشبهة الموضوعيّة».

ثمّ يقول: «دليل المجتهدين حكم العقل بقبح التكليف و المؤاخذة ما لم يكن بيان»[1].

و قد عدّل صياغته من بعده سبطه السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي ابن السيّد علي صاحب (رياض المسائل) في موسوعته الأصوليّة الكبيرة (مفاتيح الأصول) فقال في الاستدلال للبراءة العقليّة: و منها ما أشار إليه جدّي (الوحيد البهبهاني) فقال: «إنّ دليل المعظم إنّه إذا لم يكن نصّ لم يكن حكم فالعقاب قبيح، ثمّ قال: فالصواب أن يجعل الدليل هكذا:

[1]الفوائد الحائريّة مع تعاليق الفريد الگلپايگاني: 133، مكتبة الصدر.


صفحه 65

إذا لم يصل الحكم لم يكن عقابا لقبح التكليف و العقاب حينئذ»[1].

و قد اعتبر الشيخ الأنصاري هذه القاعدة من القضايا البديهيّة التي لا يشكّ فيها أحد من العقلاء و لم يتعرّض الشيخ للاستدلال لهذه القاعدة اعتمادا على وضوحها و بداهتها.

تقرير المحقّق النائيني للبراءة العقليّة:

و ذهب المحقّق النائيني في توجيه هذه القاعدة و الاستدلال لها إلى أنّ البيان ما لم يصل إلى المكلّف لا يكون محرّكا له و وجود البيان الواقعي كعدمه لا يصلح أن يكون سببا في تحريك المكلّف، كما لا تصلح الأمور التكوينيّة المثيرة للرغبة و الحركة في الإنسان لإثارة الإنسان و تحريكه بوجودها الواقعي بل بوجودها الواصل إلى المكلّف[2].

تقرير المحقّق الأصفهانيّ للبراءة العقليّة:

و يقرّر المحقّق الأصفهانيّ(رحمه اللّه)البراءة العقليّة بطريقة أخرى فيرى أنّ أحكام العقل العملي تؤول بالنتيجة إلى حسن العدل و قبح الظلم بالضرورة و لا شكّ أنّ تمرّد العبد على أوامر المولى و نواهيه إذا أقام عليها الحجّة من الظلم و الخروج عن طور العبوديّة و هو من أقبح الأمور و يستحقّ العبد عليه العقاب.

[1]مفاتيح الأصول للسيّد المجاهد الطباطبائي: 518.

[2]راجع فوائد الأصول للشيخ محمّد علي الكاظميني تقريرات المحقّق النائيني 3:

365، طبعة انتشارات جامعة المدرّسين مع حواشي المحقّق العراقي.


صفحه 66

أمّا ما لم تقم عليه الحجّة، و لم يصل بيانه إلى المكلّف من أوامر المولى و نواهيه فلا يعتبر مخالفته من قبل المكلّف من الظلم و الخروج عن طور العبوديّة، فلا يستحقّ بذلك العقاب و لا يصحّ عقابه من قبل المولى، بل يقبح عقابه من جانب المولى الحكيم، لأنّه لم يرتكب ظلما في علاقته بمولاه لتحسن عقوبته[1].

مناقشة الشهيد الصدر للبراءة العقليّة:

و للمحقّق الشهيد الصدر(رحمه اللّه)رأي معروف في نفي البراءة العقليّة و التشكيك في القيمة العقليّة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و خلاصة رأي هذا المحقّق الجليل أنّ من غير الجائز قياس حقّ الطاعة للّه سبحانه و تعالى على عباده بحقّ طاعة الموالي العرفيّة على من يتولون أمرهم و ذلك لأنّ مولويّة اللّه تعالى ذاتيّة، و مولويّة الموالي العرفيّة مجعولة، و لا تقاس أحكام المولويّة الذاتيّة في حقّ الطاعة بالمولويّة العرفيّة.

و بناء عليه فإنّ انحصار حقّ الطاعة للمولى على المكلّفين فيما وصلهم من التكاليف فقط حقّ إلاّ أنّه يختصّ بالموالي العرفيّة، أمّا حقّ طاعة اللّه تعالى على عباده فلا يقاس بما سبق بل يشمل التكاليف المحتملة أيضا.

يقول(رحمه اللّه): «و نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولويّة الذاتيّة الثابتة للّه سبحانه و تعالى لا تختصّ بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة و لو احتمالا و هذا من مدركات العقل العمليّ، و هي غير مبرهنة.

فكما إنّ أصل حقّ الطاعة للمنعم و الخالق مدرك أوّليّ للعقل العملي

[1]نهاية الدراية 2: 190.


صفحه 67

غير مبرهن، كذلك حدوده سعة و ضيقا، و عليه فالقاعدة العمليّة الأوّليّة هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ على ما تقدّم في مباحث القطع»[1].

و لكن أصالة الاشتغال العقليّة، على رأي الشهيد الصدر(رحمه اللّه)لمّا كانت مقيّدة بعدم ورود ترخيص من الشارع في موارد الشكّ في التكليف كانت أدلّة البراءة الشرعيّة واردة بطبيعة الحال على الأصل العقلي الحاكم بالاشتغال.

مناقشة الشهيد الصدر لرأي العلمين النائيني و الأصفهانيّ:

و بهذا الصدد يناقش(رحمه اللّه)تقرير كلّ من العلمين المحقّقين النائيني و الأصفهانيّ(رحمهما اللّه)الّذي سبق و أن شرحناه.

فيقول في مناقشة تقرير المحقّق النائيني: «إنّ هذا الكلام مصادرة لأنّ عدم المقتضي فرع ضيق دائرة حقّ الطاعة و عدم شمولها عقلا للتكاليف المشكوكة، لوضوح أنّه مع الشمول يكون المقتضي للتحرّك موجودا، فينتهي البحث إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة»[2].

و يقول في مناقشة تقرير المحقّق الأصفهانيّ:

«و التحقيق أنّ ادّعاء كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لأحكام العقل العملي بالقبح عموما و أنّها كلّها تطبيقات له و إن كان هو المشهور و المتداول في كلماته و كلمات غيره من المحقّقين إلاّ إنّه لا محصّل له،

[1]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 33 و 34.

[2]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 29 و 30.


صفحه 68

لأنّنا إذا حلّلنا نفس مفهوم الظلم وجدنا أنّه عبارة عن الاعتداء و سلب الغير حقّه، و هذا يعني افتراض ثبوت حقّ في المرتبة السابقة، و هذا الحقّ بنفسه من مدركات العقل العملي. فلو لا أن للمنعم حقّ الشكر في المرتبة السابقة لما انطبق عنوان الظلم على ترك شكره، فكون شيء ظلما و بالتالي قبيحا مترتّب دائما على حقّ مدرك في المرتبة السابقة، و هو في المقام حقّ الطاعة فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حقّ الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي، بعد الفراغ من عدم شموله للتكليف بمجرّد ثبوته واقعا و لو لم يصل بوجه»[1].

مناقشة رأي المحقّق الشهيد الصدر(رحمه اللّه):

و يبدو لي ان التقرير التالي لنظرية (قبح العقاب بلا بيان) يرفع الملاحظات العلمية التي أوردها المحقّق الشهيد(قدّس اللّه نفسه)الطاهرة على هذه النظريّة التي اعتبرها الشيخ الأعظم(قدّس اللّه سرّه)من البديهيّات.

و هذا التقرير يتألّف من ثلاث نقاط:

النقطة الأولى:

ليس من ريب في أنّ للمولى على المكلّف حقّ الطاعة، و هذا الحقّ من الحقوق الثابتة بالقطع و لا مجال للتشكيك فيه، على خلاف في مصدر هذا الحقّ.

فإنّ الرّأي الرسمي في علم الكلام هو شكر المنعم. و الّذي يتبنّاه

[1]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 30.


صفحه 69

علماء الأصول هو المولوية اللازمة للخلق و الملك و كلّ منهما حقّ و لكن ضمن الصيغة التي يعرضها القرآن و هي الميثاق.

و الولاية و الإنعام بغير هذه الصيغة لا ينهضان بحق الطاعة. و قد شرحت النظرية القرآنية بصورة مستوفاة في كتاب (الميثاق).

و مهما يكن من أمر فإنّ حق الطاعة للمولى على المكلّف من المسلّمات التي لا مجال فيها للمناقشة. و لا يختلف العقلاء أيضا في أنّ حقّ الطاعة إنّما يثبت للمولى على من يتولاّه- في غير حقّ اللّه تعالى على عباده- في حال وصول التكليف إلى المكلّف وصولا قطعيّا.

و ليس للمولى حق الطاعة على المكلّف ما لم يبلغه التكليف- بصورة قطعية- إذا تحرّى المكلّف عن التكليف في مظانّه، و لا يكفي احتمال التكليف في إثبات حقّ الطاعة للمولى على المكلّف.

و هذا الشرط (الوصول القطعي للتكليف) من أهم شروط (حق الطاعة) عند العقلاء عامّة.

و إذا توقّفنا عند ملاحظة المحقّق الشهيد الصدر(رحمه اللّه)في حق طاعة اللّه تعالى على عباده، فلا يتوقّف أحد في هذا الشرط في حقّ الطاعة لغيره تعالى من الموالي على المكلفين.

و لا يختلف في ذلك مولى عن مولى، و لا يفرق الناس بين درجات الموالي في هذا الشرط.

و على هذا يتطابق العقلاء جميعا، و المناقشة في ذلك مناقشة في البديهيات، و المحقّق الشهيد(رحمه اللّه)نفسه لا ينفي ذلك، و لا يشك فيه.

يبقى أن نعرف قيمة هذا التطابق بين العقلاء من الناحية العلمية.

لا شك أنّ هذا التطابق قائم على حكم العقل العملي بنفي حق


صفحه 70

الطاعة في حال عدم الوصول القطعي للتكليف، مع التحرّي عنه في مظانّه، و ثبوت حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند الوصول القطعي للتكليف.

و هذا الحكم العقلي من مدركات العقل العملي و مثله في ذلك مثل حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم، و هو حكم عقلي قطعي، و إمارة ذلك تطابق العقلاء على ذلك.

و لا تتوقف حجية مثل هذه الأحكام العقلية على إمضاء الشارع لها ليصح كلام المحقق الشهيد(رحمه اللّه)في ردّه حيث يقول(رحمه اللّه): «و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بأنّ الشارع أمضى السيرة و الطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء و بمقدار ما تستوجبها من الحقّ فلا بأس به، و يكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية»[1].

فإنّ المورد ليس من موارد السيرة العقلائية قطعا، و إنّما هو من موارد حكم العقل العملي، شأنه في ذلك شأن حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم و إمارة ذلك جزم العقل و حكمه بثبوت و نفي حق الطاعة عند وجود هذا الشرط و عدمه، و السيرة العقلائية هي السلوك الخارجي للعقلاء، و المرتكزات العقلائية و هي عبارة أخرى عن عرف العقلاء في شئون الحياة، كما يقول تعالى في الطلاق:... فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ ...[2].

[1]بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العمليّة 1: 30، تقرير السيّد محمود الهاشمي.

[2]البقرة: 229.


صفحه 71

فإنّ الإمساك بالمعروف هو الإمساك بما يتعارف عليه العقلاء في مثل هذه الموارد من الرفق و الإنفاق و الإحسان.

و أين ذلك من حكم العقلاء جميعا على إثبات أو نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند وجود أو عدم هذا الشرط.

و إذا ثبت أنّ هذا الحكم حكم عقلي من أحكام العقل العملي فلا نحتاج في حجيته إلى إمضاء الشارع و إنما يلازمه الحكم الشرعي بموجب حكم العقل النظريّ، من باب الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.

و شتان بين إمضاء الشارع للسيرة العقلائية- الذين يؤول أمره كما يقول المحقّق الشهيد(رحمه اللّه)إلى البراءة الشرعية- و بين الملازمة بين حكم العقل العملي و الحكم الشرعي الّذي قررناه في هذا التقرير.

نعم، لا شك انّ للمولى، إذا وجد أهمية متميزة لبعض أحكامه أن يأمر المكلف بالاحتياط فيما لم يصله الحكم على نحو القطع و اليقين، كما في موارد الدماء و الأموال و الفروج مثلا لاهتمام الحاكم و المولى به أكثر من غيره، و لكن بشرط تبليغ الأمر بالاحتياط، و من دون التكليف بالاحتياط، لا تحق له الطاعة من دون وصول التكليف.

و لا إشكال عند القائلين بالبراءة العقلية بوجوب الاحتياط عند ما يأمر المولى بالاحتياط فيكون المورد من موارد الاحتياط الشرعي.

النقطة الثانية:

و يحكم العقل كذلك حكما قطعيا بقبح العقاب على المولى الحكيم للمكلفين إذا خالفوه في أمر أو نهي في كل مورد ليس له حق الطاعة عليهم، لأنّ العقاب و المؤاخذة فيما لا يكون للمولى على المكلف (حق الطاعة) قبيح و مخالف للعدل و الحكمة.