بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 67

غير مبرهن، كذلك حدوده سعة و ضيقا، و عليه فالقاعدة العمليّة الأوّليّة هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ على ما تقدّم في مباحث القطع»[1].

و لكن أصالة الاشتغال العقليّة، على رأي الشهيد الصدر(رحمه اللّه)لمّا كانت مقيّدة بعدم ورود ترخيص من الشارع في موارد الشكّ في التكليف كانت أدلّة البراءة الشرعيّة واردة بطبيعة الحال على الأصل العقلي الحاكم بالاشتغال.

مناقشة الشهيد الصدر لرأي العلمين النائيني و الأصفهانيّ:

و بهذا الصدد يناقش(رحمه اللّه)تقرير كلّ من العلمين المحقّقين النائيني و الأصفهانيّ(رحمهما اللّه)الّذي سبق و أن شرحناه.

فيقول في مناقشة تقرير المحقّق النائيني: «إنّ هذا الكلام مصادرة لأنّ عدم المقتضي فرع ضيق دائرة حقّ الطاعة و عدم شمولها عقلا للتكاليف المشكوكة، لوضوح أنّه مع الشمول يكون المقتضي للتحرّك موجودا، فينتهي البحث إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة»[2].

و يقول في مناقشة تقرير المحقّق الأصفهانيّ:

«و التحقيق أنّ ادّعاء كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لأحكام العقل العملي بالقبح عموما و أنّها كلّها تطبيقات له و إن كان هو المشهور و المتداول في كلماته و كلمات غيره من المحقّقين إلاّ إنّه لا محصّل له،

[1]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 33 و 34.

[2]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 29 و 30.


صفحه 68

لأنّنا إذا حلّلنا نفس مفهوم الظلم وجدنا أنّه عبارة عن الاعتداء و سلب الغير حقّه، و هذا يعني افتراض ثبوت حقّ في المرتبة السابقة، و هذا الحقّ بنفسه من مدركات العقل العملي. فلو لا أن للمنعم حقّ الشكر في المرتبة السابقة لما انطبق عنوان الظلم على ترك شكره، فكون شيء ظلما و بالتالي قبيحا مترتّب دائما على حقّ مدرك في المرتبة السابقة، و هو في المقام حقّ الطاعة فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حقّ الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي، بعد الفراغ من عدم شموله للتكليف بمجرّد ثبوته واقعا و لو لم يصل بوجه»[1].

مناقشة رأي المحقّق الشهيد الصدر(رحمه اللّه):

و يبدو لي ان التقرير التالي لنظرية (قبح العقاب بلا بيان) يرفع الملاحظات العلمية التي أوردها المحقّق الشهيد(قدّس اللّه نفسه)الطاهرة على هذه النظريّة التي اعتبرها الشيخ الأعظم(قدّس اللّه سرّه)من البديهيّات.

و هذا التقرير يتألّف من ثلاث نقاط:

النقطة الأولى:

ليس من ريب في أنّ للمولى على المكلّف حقّ الطاعة، و هذا الحقّ من الحقوق الثابتة بالقطع و لا مجال للتشكيك فيه، على خلاف في مصدر هذا الحقّ.

فإنّ الرّأي الرسمي في علم الكلام هو شكر المنعم. و الّذي يتبنّاه

[1]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 30.


صفحه 69

علماء الأصول هو المولوية اللازمة للخلق و الملك و كلّ منهما حقّ و لكن ضمن الصيغة التي يعرضها القرآن و هي الميثاق.

و الولاية و الإنعام بغير هذه الصيغة لا ينهضان بحق الطاعة. و قد شرحت النظرية القرآنية بصورة مستوفاة في كتاب (الميثاق).

و مهما يكن من أمر فإنّ حق الطاعة للمولى على المكلّف من المسلّمات التي لا مجال فيها للمناقشة. و لا يختلف العقلاء أيضا في أنّ حقّ الطاعة إنّما يثبت للمولى على من يتولاّه- في غير حقّ اللّه تعالى على عباده- في حال وصول التكليف إلى المكلّف وصولا قطعيّا.

و ليس للمولى حق الطاعة على المكلّف ما لم يبلغه التكليف- بصورة قطعية- إذا تحرّى المكلّف عن التكليف في مظانّه، و لا يكفي احتمال التكليف في إثبات حقّ الطاعة للمولى على المكلّف.

و هذا الشرط (الوصول القطعي للتكليف) من أهم شروط (حق الطاعة) عند العقلاء عامّة.

و إذا توقّفنا عند ملاحظة المحقّق الشهيد الصدر(رحمه اللّه)في حق طاعة اللّه تعالى على عباده، فلا يتوقّف أحد في هذا الشرط في حقّ الطاعة لغيره تعالى من الموالي على المكلفين.

و لا يختلف في ذلك مولى عن مولى، و لا يفرق الناس بين درجات الموالي في هذا الشرط.

و على هذا يتطابق العقلاء جميعا، و المناقشة في ذلك مناقشة في البديهيات، و المحقّق الشهيد(رحمه اللّه)نفسه لا ينفي ذلك، و لا يشك فيه.

يبقى أن نعرف قيمة هذا التطابق بين العقلاء من الناحية العلمية.

لا شك أنّ هذا التطابق قائم على حكم العقل العملي بنفي حق


صفحه 70

الطاعة في حال عدم الوصول القطعي للتكليف، مع التحرّي عنه في مظانّه، و ثبوت حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند الوصول القطعي للتكليف.

و هذا الحكم العقلي من مدركات العقل العملي و مثله في ذلك مثل حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم، و هو حكم عقلي قطعي، و إمارة ذلك تطابق العقلاء على ذلك.

و لا تتوقف حجية مثل هذه الأحكام العقلية على إمضاء الشارع لها ليصح كلام المحقق الشهيد(رحمه اللّه)في ردّه حيث يقول(رحمه اللّه): «و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بأنّ الشارع أمضى السيرة و الطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء و بمقدار ما تستوجبها من الحقّ فلا بأس به، و يكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية»[1].

فإنّ المورد ليس من موارد السيرة العقلائية قطعا، و إنّما هو من موارد حكم العقل العملي، شأنه في ذلك شأن حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم و إمارة ذلك جزم العقل و حكمه بثبوت و نفي حق الطاعة عند وجود هذا الشرط و عدمه، و السيرة العقلائية هي السلوك الخارجي للعقلاء، و المرتكزات العقلائية و هي عبارة أخرى عن عرف العقلاء في شئون الحياة، كما يقول تعالى في الطلاق:... فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ ...[2].

[1]بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العمليّة 1: 30، تقرير السيّد محمود الهاشمي.

[2]البقرة: 229.


صفحه 71

فإنّ الإمساك بالمعروف هو الإمساك بما يتعارف عليه العقلاء في مثل هذه الموارد من الرفق و الإنفاق و الإحسان.

و أين ذلك من حكم العقلاء جميعا على إثبات أو نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند وجود أو عدم هذا الشرط.

و إذا ثبت أنّ هذا الحكم حكم عقلي من أحكام العقل العملي فلا نحتاج في حجيته إلى إمضاء الشارع و إنما يلازمه الحكم الشرعي بموجب حكم العقل النظريّ، من باب الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.

و شتان بين إمضاء الشارع للسيرة العقلائية- الذين يؤول أمره كما يقول المحقّق الشهيد(رحمه اللّه)إلى البراءة الشرعية- و بين الملازمة بين حكم العقل العملي و الحكم الشرعي الّذي قررناه في هذا التقرير.

نعم، لا شك انّ للمولى، إذا وجد أهمية متميزة لبعض أحكامه أن يأمر المكلف بالاحتياط فيما لم يصله الحكم على نحو القطع و اليقين، كما في موارد الدماء و الأموال و الفروج مثلا لاهتمام الحاكم و المولى به أكثر من غيره، و لكن بشرط تبليغ الأمر بالاحتياط، و من دون التكليف بالاحتياط، لا تحق له الطاعة من دون وصول التكليف.

و لا إشكال عند القائلين بالبراءة العقلية بوجوب الاحتياط عند ما يأمر المولى بالاحتياط فيكون المورد من موارد الاحتياط الشرعي.

النقطة الثانية:

و يحكم العقل كذلك حكما قطعيا بقبح العقاب على المولى الحكيم للمكلفين إذا خالفوه في أمر أو نهي في كل مورد ليس له حق الطاعة عليهم، لأنّ العقاب و المؤاخذة فيما لا يكون للمولى على المكلف (حق الطاعة) قبيح و مخالف للعدل و الحكمة.


صفحه 72

و بهذا النهج من البحث نصل بالدقة إلى ما يريده(قدّس اللّه نفسه)من ابتناء مسألة (قبح العقاب بلا بيان) علميا على عدم وجود (حق الطاعة) للمولى على المكلف في مرحلة سابقة فيما لم يصل التكليف إلى المكلف بصورة قطعية.

يقول(رحمه اللّه)في كلام سابق له نقلناه في مناقشته لتقرير المحقق الأصفهاني: «فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حق الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي»[1].

و هو كلام دقيق وجيه، لا ريب فيه.

و قد حرصنا نحن أن نسلك هذا النهج فنثبت أوّلا، في النقطة الأولى من البحث نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف فيما لم يصله التكليف بصورة قطعية بعد التحرّي و البحث عنه في مظانّه.

و إذا ثبت لنا ذلك بموجب حكم العقل العملي، كما أسلفنا، رتّبنا على ذلك حكم العقل القطعي بقبح عقاب المولى للمكلّف عند مخالفته للتكليف إذا لم يصله التكليف وصولا قطعيا، و هو معنى القاعدة المعروفة لدى المشهور من الأصوليين ب(قبح العقاب بلا بيان).

و هذه القاعدة- كما نرى- مزج بين حكمين عقليين، و ليس حكما عقليا واحدا.

و نقطة الارتكاز في نقد المحقق الشهيد(رحمه اللّه)لكلمات المحققين من الأصوليين هي اعتبار القاعدة منطلقة من حكم عقلي واحد، و ليست تركيبا من حكمين عقليين بالطريقة التي شرحناها.

[1]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 30، 31.


صفحه 73

النقطة الثالثة:

و تبقى بعد ذلك النقطة الأخيرة في هذا البحث، و هي أنّ غاية الجهد الّذي قدّمه هذا التقرير إثبات القاعدة إثباتا عقليّا بديهيّا كما يقول الشيخ(رحمه اللّه)للموالي على المكلفين، و لكن في غير حق الطاعة للّه تعالى، و لا يقاس حق الطاعة للّه تعالى على عباده بحق الطاعة الثابتة للموالي العرفية العقلائية و لا يلازم ثبوت هذه القاعدة العقلية في الموالي العقلائية العرفية المجعولة ثبوتها في المولوية الذاتيّة المطلقة للّه تعالى يقول المحقّق الشهيد(رحمه اللّه):

«فلا بدّ من جعل منهج البحث ابتداء عن دائرة مولوية المولى و أنّها بأيّ مقدار و هنا فرضان:

1- ان تكون مولوية المولى أمرا واقعيا موضوعها واقع التكليف بقطع النّظر عن الانكشاف و درجته، و هذا باطل جزما لأنّه يستلزم أن يكون التكليف في موارد الجهل المركب منجزا و مخالفته عصيانا، و هو خلف القطع و واضح البطلان.

2- أن يكون حق الطاعة في خصوص ما يقطع به و يصل إلى المكلفين من المولى و هذا هو روح موقف المشهور الّذي يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع و الوصول و موارد الشك، و لكنا نرى بطلان هذه الفريضة أيضا لأنا نرى أن مولوية المولى من أتمّ مراتب المولوية على حدّ سائر صفاته، و حقه في الطاعة على العباد أكبر حق لأنّه ناشئ من المملوكية و العبودية الحقيقية.

3- المولوية في حدود ما لم يقطع بالعدم، و هذه هي التي ندّعيها و على أساسها ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي على أساسها ذهب المشهور إلى التبعيض في المولوية، و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي


صفحه 74

لا تثبت في غير موارد وصول التكليف»[1].

و بناء على ذلك تبقى لدينا مهمة واحدة ليتم بها تقرير هذه القاعدة العقلية و شمولها ل(حق الطاعة) للّه تعالى على عباده و هي تعميم هذه القاعدة العقلية لتشمل (حق الطاعة) للّه تعالى على عباده.

و هذا التعميم يثبت بصورة قطعية بملاحظة وحدة مصدر الطاعة الشرعية، أو وحدة حق الطاعة. فليس لدينا حقان و مصدران للطاعة، حق الطاعة للّه و حقّ الطاعة لغير اللّه تعالى من الموالي، و إنما هو حق واحد و مصدر واحد.

و توضيح ذلك: ان الطاعة لا تزيد على حالتين: اما أن تكون طاعة شرعية أو تكون طاعة غير شرعية.

و الطاعة الشرعية هي طاعة اللّه تعالى و طاعة كل من يأمر اللّه تعالى بطاعته من أنبيائه و رسله(عليهم السلام)و أوصيائهم(عليهم السلام)و من يؤمّرونهم على الناس من الأمراء و من الدرجة الثانية و الثالثة ... و تدخل في هذا الحقل من الطاعة، طاعة الزوج، و طاعة الوالدين، و طاعة الأجير فان كل ذلك يتم بأمر من اللّه تعالى. و في الحقيقة هي مصاديق لطاعة اللّه تعالى، و في امتداد طاعة اللّه و تحمل نفس قيمة و قوّة طاعة اللّه، و إن كانت تختلف عن طاعة اللّه في مساحة الطاعة فانّ حق طاعة الزوج محدود في مساحة معيّنة، بعكس مساحة حق الطاعة للّه فانّها مساحة مطلقة و غير محدودة.

و هذه المساحة هي التي تتحدد بالجعل من قبل اللّه تعالى فمهما أمر اللّه

[1]بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العملية 1: 30، للسيّد محمود الهاشمي.