الطاعة في حال عدم الوصول القطعي للتكليف، مع التحرّي عنه في مظانّه، و ثبوت حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند الوصول القطعي للتكليف.
و هذا الحكم العقلي من مدركات العقل العملي و مثله في ذلك مثل حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم، و هو حكم عقلي قطعي، و إمارة ذلك تطابق العقلاء على ذلك.
و لا تتوقف حجية مثل هذه الأحكام العقلية على إمضاء الشارع لها ليصح كلام المحقق الشهيد(رحمه اللّه)في ردّه حيث يقول(رحمه اللّه): «و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بأنّ الشارع أمضى السيرة و الطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء و بمقدار ما تستوجبها من الحقّ فلا بأس به، و يكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية»[1].
فإنّ المورد ليس من موارد السيرة العقلائية قطعا، و إنّما هو من موارد حكم العقل العملي، شأنه في ذلك شأن حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم و إمارة ذلك جزم العقل و حكمه بثبوت و نفي حق الطاعة عند وجود هذا الشرط و عدمه، و السيرة العقلائية هي السلوك الخارجي للعقلاء، و المرتكزات العقلائية و هي عبارة أخرى عن عرف العقلاء في شئون الحياة، كما يقول تعالى في الطلاق:... فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ ...[2].
[1]بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العمليّة 1: 30، تقرير السيّد محمود الهاشمي.
[2]البقرة: 229.
فإنّ الإمساك بالمعروف هو الإمساك بما يتعارف عليه العقلاء في مثل هذه الموارد من الرفق و الإنفاق و الإحسان.
و أين ذلك من حكم العقلاء جميعا على إثبات أو نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند وجود أو عدم هذا الشرط.
و إذا ثبت أنّ هذا الحكم حكم عقلي من أحكام العقل العملي فلا نحتاج في حجيته إلى إمضاء الشارع و إنما يلازمه الحكم الشرعي بموجب حكم العقل النظريّ، من باب الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.
و شتان بين إمضاء الشارع للسيرة العقلائية- الذين يؤول أمره كما يقول المحقّق الشهيد(رحمه اللّه)إلى البراءة الشرعية- و بين الملازمة بين حكم العقل العملي و الحكم الشرعي الّذي قررناه في هذا التقرير.
نعم، لا شك انّ للمولى، إذا وجد أهمية متميزة لبعض أحكامه أن يأمر المكلف بالاحتياط فيما لم يصله الحكم على نحو القطع و اليقين، كما في موارد الدماء و الأموال و الفروج مثلا لاهتمام الحاكم و المولى به أكثر من غيره، و لكن بشرط تبليغ الأمر بالاحتياط، و من دون التكليف بالاحتياط، لا تحق له الطاعة من دون وصول التكليف.
و لا إشكال عند القائلين بالبراءة العقلية بوجوب الاحتياط عند ما يأمر المولى بالاحتياط فيكون المورد من موارد الاحتياط الشرعي.
النقطة الثانية:
و يحكم العقل كذلك حكما قطعيا بقبح العقاب على المولى الحكيم للمكلفين إذا خالفوه في أمر أو نهي في كل مورد ليس له حق الطاعة عليهم، لأنّ العقاب و المؤاخذة فيما لا يكون للمولى على المكلف (حق الطاعة) قبيح و مخالف للعدل و الحكمة.
و بهذا النهج من البحث نصل بالدقة إلى ما يريده(قدّس اللّه نفسه)من ابتناء مسألة (قبح العقاب بلا بيان) علميا على عدم وجود (حق الطاعة) للمولى على المكلف في مرحلة سابقة فيما لم يصل التكليف إلى المكلف بصورة قطعية.
يقول(رحمه اللّه)في كلام سابق له نقلناه في مناقشته لتقرير المحقق الأصفهاني: «فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حق الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي»[1].
و هو كلام دقيق وجيه، لا ريب فيه.
و قد حرصنا نحن أن نسلك هذا النهج فنثبت أوّلا، في النقطة الأولى من البحث نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف فيما لم يصله التكليف بصورة قطعية بعد التحرّي و البحث عنه في مظانّه.
و إذا ثبت لنا ذلك بموجب حكم العقل العملي، كما أسلفنا، رتّبنا على ذلك حكم العقل القطعي بقبح عقاب المولى للمكلّف عند مخالفته للتكليف إذا لم يصله التكليف وصولا قطعيا، و هو معنى القاعدة المعروفة لدى المشهور من الأصوليين ب(قبح العقاب بلا بيان).
و هذه القاعدة- كما نرى- مزج بين حكمين عقليين، و ليس حكما عقليا واحدا.
و نقطة الارتكاز في نقد المحقق الشهيد(رحمه اللّه)لكلمات المحققين من الأصوليين هي اعتبار القاعدة منطلقة من حكم عقلي واحد، و ليست تركيبا من حكمين عقليين بالطريقة التي شرحناها.
[1]دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 30، 31.
النقطة الثالثة:
و تبقى بعد ذلك النقطة الأخيرة في هذا البحث، و هي أنّ غاية الجهد الّذي قدّمه هذا التقرير إثبات القاعدة إثباتا عقليّا بديهيّا كما يقول الشيخ(رحمه اللّه)للموالي على المكلفين، و لكن في غير حق الطاعة للّه تعالى، و لا يقاس حق الطاعة للّه تعالى على عباده بحق الطاعة الثابتة للموالي العرفية العقلائية و لا يلازم ثبوت هذه القاعدة العقلية في الموالي العقلائية العرفية المجعولة ثبوتها في المولوية الذاتيّة المطلقة للّه تعالى يقول المحقّق الشهيد(رحمه اللّه):
«فلا بدّ من جعل منهج البحث ابتداء عن دائرة مولوية المولى و أنّها بأيّ مقدار و هنا فرضان:
1- ان تكون مولوية المولى أمرا واقعيا موضوعها واقع التكليف بقطع النّظر عن الانكشاف و درجته، و هذا باطل جزما لأنّه يستلزم أن يكون التكليف في موارد الجهل المركب منجزا و مخالفته عصيانا، و هو خلف القطع و واضح البطلان.
2- أن يكون حق الطاعة في خصوص ما يقطع به و يصل إلى المكلفين من المولى و هذا هو روح موقف المشهور الّذي يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع و الوصول و موارد الشك، و لكنا نرى بطلان هذه الفريضة أيضا لأنا نرى أن مولوية المولى من أتمّ مراتب المولوية على حدّ سائر صفاته، و حقه في الطاعة على العباد أكبر حق لأنّه ناشئ من المملوكية و العبودية الحقيقية.
3- المولوية في حدود ما لم يقطع بالعدم، و هذه هي التي ندّعيها و على أساسها ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي على أساسها ذهب المشهور إلى التبعيض في المولوية، و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي
لا تثبت في غير موارد وصول التكليف»[1].
و بناء على ذلك تبقى لدينا مهمة واحدة ليتم بها تقرير هذه القاعدة العقلية و شمولها ل(حق الطاعة) للّه تعالى على عباده و هي تعميم هذه القاعدة العقلية لتشمل (حق الطاعة) للّه تعالى على عباده.
و هذا التعميم يثبت بصورة قطعية بملاحظة وحدة مصدر الطاعة الشرعية، أو وحدة حق الطاعة. فليس لدينا حقان و مصدران للطاعة، حق الطاعة للّه و حقّ الطاعة لغير اللّه تعالى من الموالي، و إنما هو حق واحد و مصدر واحد.
و توضيح ذلك: ان الطاعة لا تزيد على حالتين: اما أن تكون طاعة شرعية أو تكون طاعة غير شرعية.
و الطاعة الشرعية هي طاعة اللّه تعالى و طاعة كل من يأمر اللّه تعالى بطاعته من أنبيائه و رسله(عليهم السلام)و أوصيائهم(عليهم السلام)و من يؤمّرونهم على الناس من الأمراء و من الدرجة الثانية و الثالثة ... و تدخل في هذا الحقل من الطاعة، طاعة الزوج، و طاعة الوالدين، و طاعة الأجير فان كل ذلك يتم بأمر من اللّه تعالى. و في الحقيقة هي مصاديق لطاعة اللّه تعالى، و في امتداد طاعة اللّه و تحمل نفس قيمة و قوّة طاعة اللّه، و إن كانت تختلف عن طاعة اللّه في مساحة الطاعة فانّ حق طاعة الزوج محدود في مساحة معيّنة، بعكس مساحة حق الطاعة للّه فانّها مساحة مطلقة و غير محدودة.
و هذه المساحة هي التي تتحدد بالجعل من قبل اللّه تعالى فمهما أمر اللّه
[1]بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العملية 1: 30، للسيّد محمود الهاشمي.
تعالى بطاعة لأحد في مساحة يحددها للطاعة وجبت تلك الطاعة في تلك المساحة، من دون أن تختلف قيمة هذه الطاعة.
فإنّ قيمة حق الطاعة في كل طاعة مشروعة واحدة، لأنها جميعا تصدر عن حق طاعة اللّه تعالى على عباده.
و ليس من شك أنّ العقلاء يتطابقون على أن حقّ الطاعة مشروط بوصول التكليف إلى المكلّف و ما لم يصل التكليف إلى المكلف وصولا قطعيا لم يكن للمولى حق للطاعة على المكلف.
و إذا عرفنا بوحدة حق و مصدر الطاعة الشرعية أمكننا أن نعمّم الحكم العقلي السابق في مورد حق اللّه تعالى على عباده بالطاعة.
و ليس من شك أنّ للّه تعالى أن يطلب الطاعة من عباده بالاحتياط في حال احتمال التكليف و الشك بل الوهم أيضا، و لكن بشرط التبليغ، و من دون التبليغ يبقى الحكم العقلي الثابت في موارد الطاعة المشروعة نافذا في حق طاعة اللّه تعالى على عباده، من دون فرق، لوحدة حق الطاعة و مصدرها. فما يشترط من شرط في حق الطاعة هناك يشترط في حق الطاعة للّه و ما لا يشترط هناك لا يشترط في حق الطاعة للّه، و ذلك لأنّ هذه النماذج من الطاعة واحدة. و حق الطاعة لها و للّه تعالى من المتواطئ الّذي لا تختلف أفراده من حيث الزيادة و النقيصة و ليس من مقولة المشكك، و إن اختلفت في مساحة الطاعة.
و لا فرق فيها بين وجوب و وجوب، و طاعة و طاعة، فإنّ وجوب طاعة رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)و وجوب طاعة أوصيائه و خلفاء أوصيائه و الحكام و المسئولين الشرعيين من وجوب طاعة اللّه.
و لدى التزاحم بين هذه الواجبات نرجح الأهم من حيث متعلق الأمر
و الوجوب لا الأهم من حيث مصدر الأمر و الوجوب، كما هو مقتضى باب التزاحم. فإن ردّ السلام- مثلا- واجب بصريح القرآن فلو تزاحم ردّ السلام مع تكليف الوالد لولده بمهمة خطيرة قدّم الولد أمر الأب على ردّ السلام و ذلك لأنّ طاعة الأب هي من طاعة اللّه تعالى و لا فرق بين طاعة و طاعة إلاّ من حيث أهمية متعلّق الأمر.
فإذا كان متعلّق الأمر في تكليف الوالد أهم من ردّ السلام قدّمه عليه لدى التزاحم على قاعدة تقديم الأهم على المهم.
فإن طاعة الوالد من الطاعة للّه تعالى و وجود الوسائط لا يغير جوهر الطاعة. فيتم تقديم طاعة على طاعة بموجب أهميّة متعلّق الأمر لا بموجب أهمية مصدر الأمر، فإن مصدر الأمر في كلّ هذه النماذج هو اللّه تعالى.
و هذه حقيقة مهمّة تعيننا في درك عمومية قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في مورد طاعة اللّه تعالى و عدم وجود استثناء في البين.
و الفرق بين الولايتين بأنّ إحداهما ذاتية و الأخرى مجعولة و بالعرض غير فارق فيما هو المهم من هذه المسألة في اشتراط حق الطاعة للمولى بوصول التكليف أو عدم الاشتراط.
و ذلك لأنّ المولويات العرضية المشروعة التي هي من النحو الثاني تتم بجعل من اللّه تعالى. و ليست لها طاعة و معصية مستقلّة عن طاعة اللّه و معصيته.
و إلى ذلك تشير النصوص الواردة عن أولياء أمور المسلمين في أنّ طاعتهم من طاعة اللّه و معصيتهم من معصية اللّه و من أطاعهم فقد أطاع اللّه و من عصاهم فقد عصى اللّه.
فليس لهؤلاء حق في الطاعة غير حق اللّه تعالى.
و لا وجود لحقوق متعدّدة في الطاعة حتّى يمكن أن يكون حق الطاعة في الموالي المجعولة مشروطا بوصول التكاليف و حق الطاعة من اللّه تعالى غير مشروط بوصول التكليف.
فإذا ثبت بالدليل العقلي اشتراط حق الطاعة المشروعة لأحد (غير اللّه تعالى) بالوصول و البلوغ، فإن معنى ذلك اشتراط حق الطاعة للّه تعالى على عباده بالوصول و البلوغ بالضرورة، لأنّ ذلك الحق من هذا الحق بل لا حق إلاّ هذا الحق. و كلّ حقّ آخر للطاعة موهوم بالنظرة العقلية الدقيقة.
و يدلّ على ذلك دلالة قطعيّة ما سبق أن أشرنا إليه من تقديم الأهم على المهم من متعلق الأمر و النهي فيما إذا تزاحم أمران مولويّان على المكلّف أحدهما من جانب اللّه تعالى و الآخر ممّن له طاعة مشروعة على المكلّف، و لا يلحظ في تقديم أحدهما على الآخر ملاحظة مصدر الطاعة و لا يلاحظ تقديم أمر اللّه على الأمر الآخر.
نعم يصح كلام هذا المحقّق الشهيد(رحمه اللّه)فيما إذا كان مصدر حقّ للطاعة غير اللّه تعالى كما في حق طاعة أولياء الأمور في المجتمعات الديمقراطية، فإنّ مصدر الطاعة في النظرية الديمقراطية هو الشعب، و ليس هو اللّه تعالى، فإذا صلح و ثبت شرط عقلي في الطاعة في النظام الديمقراطي فليس يجب أن يثبت بالضرورة نفس الشرط في طاعة اللّه تعالى، للاختلاف العظيم بين الولاية الذاتيّة الثابتة للّه تعالى و الولاية الموهومة للشعب.
و هذا حقّ، لا نناقش فيه، و لكنّا وجدنا أن شرط وصول التكليف إلى المكلف يعم كل حالات الطاعة المشروعة عقلا، فإذا ثبت هذا الشرط العقلي في مورد من موارد الطاعة المشروعة عقلا كان لا بدّ أن يثبت في حق