لا تثبت في غير موارد وصول التكليف»[1].
و بناء على ذلك تبقى لدينا مهمة واحدة ليتم بها تقرير هذه القاعدة العقلية و شمولها ل(حق الطاعة) للّه تعالى على عباده و هي تعميم هذه القاعدة العقلية لتشمل (حق الطاعة) للّه تعالى على عباده.
و هذا التعميم يثبت بصورة قطعية بملاحظة وحدة مصدر الطاعة الشرعية، أو وحدة حق الطاعة. فليس لدينا حقان و مصدران للطاعة، حق الطاعة للّه و حقّ الطاعة لغير اللّه تعالى من الموالي، و إنما هو حق واحد و مصدر واحد.
و توضيح ذلك: ان الطاعة لا تزيد على حالتين: اما أن تكون طاعة شرعية أو تكون طاعة غير شرعية.
و الطاعة الشرعية هي طاعة اللّه تعالى و طاعة كل من يأمر اللّه تعالى بطاعته من أنبيائه و رسله(عليهم السلام)و أوصيائهم(عليهم السلام)و من يؤمّرونهم على الناس من الأمراء و من الدرجة الثانية و الثالثة ... و تدخل في هذا الحقل من الطاعة، طاعة الزوج، و طاعة الوالدين، و طاعة الأجير فان كل ذلك يتم بأمر من اللّه تعالى. و في الحقيقة هي مصاديق لطاعة اللّه تعالى، و في امتداد طاعة اللّه و تحمل نفس قيمة و قوّة طاعة اللّه، و إن كانت تختلف عن طاعة اللّه في مساحة الطاعة فانّ حق طاعة الزوج محدود في مساحة معيّنة، بعكس مساحة حق الطاعة للّه فانّها مساحة مطلقة و غير محدودة.
و هذه المساحة هي التي تتحدد بالجعل من قبل اللّه تعالى فمهما أمر اللّه
[1]بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العملية 1: 30، للسيّد محمود الهاشمي.
تعالى بطاعة لأحد في مساحة يحددها للطاعة وجبت تلك الطاعة في تلك المساحة، من دون أن تختلف قيمة هذه الطاعة.
فإنّ قيمة حق الطاعة في كل طاعة مشروعة واحدة، لأنها جميعا تصدر عن حق طاعة اللّه تعالى على عباده.
و ليس من شك أنّ العقلاء يتطابقون على أن حقّ الطاعة مشروط بوصول التكليف إلى المكلّف و ما لم يصل التكليف إلى المكلف وصولا قطعيا لم يكن للمولى حق للطاعة على المكلف.
و إذا عرفنا بوحدة حق و مصدر الطاعة الشرعية أمكننا أن نعمّم الحكم العقلي السابق في مورد حق اللّه تعالى على عباده بالطاعة.
و ليس من شك أنّ للّه تعالى أن يطلب الطاعة من عباده بالاحتياط في حال احتمال التكليف و الشك بل الوهم أيضا، و لكن بشرط التبليغ، و من دون التبليغ يبقى الحكم العقلي الثابت في موارد الطاعة المشروعة نافذا في حق طاعة اللّه تعالى على عباده، من دون فرق، لوحدة حق الطاعة و مصدرها. فما يشترط من شرط في حق الطاعة هناك يشترط في حق الطاعة للّه و ما لا يشترط هناك لا يشترط في حق الطاعة للّه، و ذلك لأنّ هذه النماذج من الطاعة واحدة. و حق الطاعة لها و للّه تعالى من المتواطئ الّذي لا تختلف أفراده من حيث الزيادة و النقيصة و ليس من مقولة المشكك، و إن اختلفت في مساحة الطاعة.
و لا فرق فيها بين وجوب و وجوب، و طاعة و طاعة، فإنّ وجوب طاعة رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)و وجوب طاعة أوصيائه و خلفاء أوصيائه و الحكام و المسئولين الشرعيين من وجوب طاعة اللّه.
و لدى التزاحم بين هذه الواجبات نرجح الأهم من حيث متعلق الأمر
و الوجوب لا الأهم من حيث مصدر الأمر و الوجوب، كما هو مقتضى باب التزاحم. فإن ردّ السلام- مثلا- واجب بصريح القرآن فلو تزاحم ردّ السلام مع تكليف الوالد لولده بمهمة خطيرة قدّم الولد أمر الأب على ردّ السلام و ذلك لأنّ طاعة الأب هي من طاعة اللّه تعالى و لا فرق بين طاعة و طاعة إلاّ من حيث أهمية متعلّق الأمر.
فإذا كان متعلّق الأمر في تكليف الوالد أهم من ردّ السلام قدّمه عليه لدى التزاحم على قاعدة تقديم الأهم على المهم.
فإن طاعة الوالد من الطاعة للّه تعالى و وجود الوسائط لا يغير جوهر الطاعة. فيتم تقديم طاعة على طاعة بموجب أهميّة متعلّق الأمر لا بموجب أهمية مصدر الأمر، فإن مصدر الأمر في كلّ هذه النماذج هو اللّه تعالى.
و هذه حقيقة مهمّة تعيننا في درك عمومية قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في مورد طاعة اللّه تعالى و عدم وجود استثناء في البين.
و الفرق بين الولايتين بأنّ إحداهما ذاتية و الأخرى مجعولة و بالعرض غير فارق فيما هو المهم من هذه المسألة في اشتراط حق الطاعة للمولى بوصول التكليف أو عدم الاشتراط.
و ذلك لأنّ المولويات العرضية المشروعة التي هي من النحو الثاني تتم بجعل من اللّه تعالى. و ليست لها طاعة و معصية مستقلّة عن طاعة اللّه و معصيته.
و إلى ذلك تشير النصوص الواردة عن أولياء أمور المسلمين في أنّ طاعتهم من طاعة اللّه و معصيتهم من معصية اللّه و من أطاعهم فقد أطاع اللّه و من عصاهم فقد عصى اللّه.
فليس لهؤلاء حق في الطاعة غير حق اللّه تعالى.
و لا وجود لحقوق متعدّدة في الطاعة حتّى يمكن أن يكون حق الطاعة في الموالي المجعولة مشروطا بوصول التكاليف و حق الطاعة من اللّه تعالى غير مشروط بوصول التكليف.
فإذا ثبت بالدليل العقلي اشتراط حق الطاعة المشروعة لأحد (غير اللّه تعالى) بالوصول و البلوغ، فإن معنى ذلك اشتراط حق الطاعة للّه تعالى على عباده بالوصول و البلوغ بالضرورة، لأنّ ذلك الحق من هذا الحق بل لا حق إلاّ هذا الحق. و كلّ حقّ آخر للطاعة موهوم بالنظرة العقلية الدقيقة.
و يدلّ على ذلك دلالة قطعيّة ما سبق أن أشرنا إليه من تقديم الأهم على المهم من متعلق الأمر و النهي فيما إذا تزاحم أمران مولويّان على المكلّف أحدهما من جانب اللّه تعالى و الآخر ممّن له طاعة مشروعة على المكلّف، و لا يلحظ في تقديم أحدهما على الآخر ملاحظة مصدر الطاعة و لا يلاحظ تقديم أمر اللّه على الأمر الآخر.
نعم يصح كلام هذا المحقّق الشهيد(رحمه اللّه)فيما إذا كان مصدر حقّ للطاعة غير اللّه تعالى كما في حق طاعة أولياء الأمور في المجتمعات الديمقراطية، فإنّ مصدر الطاعة في النظرية الديمقراطية هو الشعب، و ليس هو اللّه تعالى، فإذا صلح و ثبت شرط عقلي في الطاعة في النظام الديمقراطي فليس يجب أن يثبت بالضرورة نفس الشرط في طاعة اللّه تعالى، للاختلاف العظيم بين الولاية الذاتيّة الثابتة للّه تعالى و الولاية الموهومة للشعب.
و هذا حقّ، لا نناقش فيه، و لكنّا وجدنا أن شرط وصول التكليف إلى المكلف يعم كل حالات الطاعة المشروعة عقلا، فإذا ثبت هذا الشرط العقلي في مورد من موارد الطاعة المشروعة عقلا كان لا بدّ أن يثبت في حق
اللّه تعالى على عباده بالطاعة بالضرورة.
و بناء عليه فإنّ قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقلية تعمّ كل موارد الطاعة، و لا يحتمل خروج حق طاعة اللّه تعالى عن هذه القاعدة العقلية، و هو الّذي قرّره الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه تعالى).
الوظيفة العقليّة للمكلّف لدى الشكّ في المكلّف به:
و وظيفة المكلّف لدى الشكّ في المكلّف به هي الاحتياط بعكس حالة الشكّ في التكليف، و هذه الوظيفة عقليّة و هي موضوع اتّفاق الأصوليّين و الأخباريّين و تثبت بالقاعدة العقليّة المعروفة: (اشتغال الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة) و هي قاعدة عقليّة محكمة لا مجال للتشكيك فيها، و قد اعتمدها علماء الأصول أساسا عقليّا لأصالة الاحتياط كلّما كان المورد من موارد العلم بالتكليف و الشكّ في المكلّف به أو في متعلّقه و هذه القاعدة العقليّة نجدها لأوّل مرّة واضحة في كلمات الوحيد البهبهاني و قد طوّر علماء الأصول و خاصّة الشيخ الأنصاري هذه القاعدة و مجالات استخدامها فيما بعد و لكن تبقى كلمات الوحيد البهبهاني في (الفوائد) هي المصدر الأوّل الّذي استوحى منها علماء الأصول تفاصيل البحث في هذه القاعدة العقليّة.
قاعدة «الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني» في كلمات الوحيد:
يقول(رحمه اللّه)في تقرير هذه القاعدة العقليّة:
«التكليف بالمجمل صحيح إذا تيسّر الامتثال بإتيان المحتملات التي بإتيانها يتحقّق المكلّف به يقينا أو عرفا، كوجوب التنزّه عن الإناءين المشتبهين و قضاء الفريضة المنسيّة من الخمس و غيرها. فتعيّن الإتيان بها
حينئذ من باب المقدّمة. و لأنّ شغل الذمّة بها يقيني، و البراءة اليقينيّة تتوقّف على الإتيان بها حينئذ. و لأنّه مخاطب بالإطاعة و الامتثال، و لا يعدّ ممتثلا إلاّ أن يأتي بها إذ بغير الإتيان يكون البراءة على سبيل الاحتمال و هو غير مجز عندهم قطعا»[1].
تفصيل القاعدة:
و تتألّف هذه القاعدة من شطرين:
1- إنّ العلم بالتكليف علّة لاشتغال الذمّة اليقيني.
2- و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
و لا بدّ من إيضاح لكلّ من هاتين النقطتين و إيضاح مجالات استخدام هذه القاعدة.
1- اشتغال الذمّة اليقيني:
و قد أدرج علماء الأصول تفصيل البحث عن هذا الشطر من القاعدة في مباحث حجّيّة القطع حيث اعتبروا الحجّيّة من لوازم القطع الذاتيّة التي لا يمكن إضافتها إليه و جعلها له كما لا يمكن سلبها عنه، لأنّها من ذاتيّات القطع التي لا يوجد القطع من دونها.
و لازم الحجّيّة صحّة الإحتجاج بها من قبل اللّه تعالى على عبده إذا تخلّف المكلّف من امتثال الحكم الّذي قطع به، و أصاب قطعه الواقع، و لم يخطئ فيصحّ أن يؤاخذه اللّه تعالى بقطعه و يعاقبه على تخلّفه، بدليل حجّيّة
[1]الفوائد الحائريّة القديمة: 234- 236.
القطع، و هذا هو معنى تنجيز الحكم الشرعي الثابت بالقطع على المكلّف، و هو أحد لازمي الحجّيّة.
و اللازم الآخر للحجّيّة هو صحّة احتجاج العبد بعلمه عند مولاه إذا قطع بانتفاء الحكم الإلزاميّ من جانب اللّه فأخطأ قطعه الواقع، فانّه يحقّ له أن يعتذر عن تخلّفه عن الحكم الإلزاميّ بقطعه بانتفاء الإلزام من جانب اللّه، و هذا هو معنى المعذريّة و هو اللازم الثاني للحجّيّة.
و قد جعل علماء الأصول المنجزيّة و المعذريّة من لوازم القطع.
و هما في الحقيقة من لوازم قطع المكلّف بالحكم الشرعي من جانب اللّه و وصوله إليه لا من لوازم القطع.
المنجزيّة:
و الّذي يهمّنا هنا هو المنجزيّة بالخصوص و معنى المنجزيّة هو وصول التكليف إلى المكلّف و دخوله في عهدته و اشتغال ذمّته به بصورة قطعيّة.
و المنجزيّة تتألّف من كبرى و صغرى أمّا الكبرى فهي حقّ المولويّة و الطاعة من اللّه تعالى على عبده في كلّ تكليف واصل إلى العبد.
و أمّا الصغرى فهي وصول التكليف إلى العبد بالقطع.
و النتيجة التي نستنتجها من ضمّ هاتين الجملتين إلى بعض هي تنجّز التكليف على المكلّف و دخوله في عهدته و اشتغال ذمّته به يقينا.
و عندئذ تشتغل ذمّة المكلّف بالتكليف الشرعي بصورة قطعيّة.
و هذا هو معنى اشتغال الذمّة
2- الفراغ اليقيني:
و هذا هو الشطر الثاني من القاعدة القاضية بأنّ اشتغال الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني لذمّة المكلّف.
و هو من أحكام العقل العملي[1]حيث يحكم العقل بوجوب الامتثال حتّى الفراغ عن عهدة التكليف اليقيني و يحكم بقبح المخالفة و التهاون في الامتثال قبل اليقين من فراغ الذمّة من التكليف القطعي.
و ذلك إنّ الطاعة حق من حقوق اللّه على عبده و أداء هذا الحقّ من مصاديق العدل و رفض الأداء من المصاديق الظلم، و العقل العملي يحكم بحسن العدل و قبح الظلم فإذا قطع المكلّف بالتكليف و اشتغلت به ذمّته وجب عليه القيام بامتثال التكليف حتّى يقطع بفراغ ذمّته منه، و قبح عليه التهاون في الامتثال قبل القطع بفراغ الذمّة.
تطبيقات القاعدة:
و مجال استخدام هذه القاعدة العقليّة في الأصول هو موارد العلم بالتكليف و الشكّ في المكلّف به و لها تطبيقان اثنان:
فقد يكون الشكّ في المكلّف به ناشئا من الشكّ في الامتثال، و قد يكون ناشئا من الشكّ في التطبيق.
و التطبيق الأوّل كما لو علم بالتكليف بصلاة العصر و شكّ في امتثاله لها، و لا ريب في تطبيق القاعدة عليه لاشتغال الذمّة بالتكليف بصلاة العصر و شكّه في امتثال المكلّف به.
[1]و قد يقال إنّه من القضايا العقلائيّة التي تنتظم بها الحياة الاجتماعيّة للإنسان.