حينئذ من باب المقدّمة. و لأنّ شغل الذمّة بها يقيني، و البراءة اليقينيّة تتوقّف على الإتيان بها حينئذ. و لأنّه مخاطب بالإطاعة و الامتثال، و لا يعدّ ممتثلا إلاّ أن يأتي بها إذ بغير الإتيان يكون البراءة على سبيل الاحتمال و هو غير مجز عندهم قطعا»[1].
تفصيل القاعدة:
و تتألّف هذه القاعدة من شطرين:
1- إنّ العلم بالتكليف علّة لاشتغال الذمّة اليقيني.
2- و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
و لا بدّ من إيضاح لكلّ من هاتين النقطتين و إيضاح مجالات استخدام هذه القاعدة.
1- اشتغال الذمّة اليقيني:
و قد أدرج علماء الأصول تفصيل البحث عن هذا الشطر من القاعدة في مباحث حجّيّة القطع حيث اعتبروا الحجّيّة من لوازم القطع الذاتيّة التي لا يمكن إضافتها إليه و جعلها له كما لا يمكن سلبها عنه، لأنّها من ذاتيّات القطع التي لا يوجد القطع من دونها.
و لازم الحجّيّة صحّة الإحتجاج بها من قبل اللّه تعالى على عبده إذا تخلّف المكلّف من امتثال الحكم الّذي قطع به، و أصاب قطعه الواقع، و لم يخطئ فيصحّ أن يؤاخذه اللّه تعالى بقطعه و يعاقبه على تخلّفه، بدليل حجّيّة
[1]الفوائد الحائريّة القديمة: 234- 236.
القطع، و هذا هو معنى تنجيز الحكم الشرعي الثابت بالقطع على المكلّف، و هو أحد لازمي الحجّيّة.
و اللازم الآخر للحجّيّة هو صحّة احتجاج العبد بعلمه عند مولاه إذا قطع بانتفاء الحكم الإلزاميّ من جانب اللّه فأخطأ قطعه الواقع، فانّه يحقّ له أن يعتذر عن تخلّفه عن الحكم الإلزاميّ بقطعه بانتفاء الإلزام من جانب اللّه، و هذا هو معنى المعذريّة و هو اللازم الثاني للحجّيّة.
و قد جعل علماء الأصول المنجزيّة و المعذريّة من لوازم القطع.
و هما في الحقيقة من لوازم قطع المكلّف بالحكم الشرعي من جانب اللّه و وصوله إليه لا من لوازم القطع.
المنجزيّة:
و الّذي يهمّنا هنا هو المنجزيّة بالخصوص و معنى المنجزيّة هو وصول التكليف إلى المكلّف و دخوله في عهدته و اشتغال ذمّته به بصورة قطعيّة.
و المنجزيّة تتألّف من كبرى و صغرى أمّا الكبرى فهي حقّ المولويّة و الطاعة من اللّه تعالى على عبده في كلّ تكليف واصل إلى العبد.
و أمّا الصغرى فهي وصول التكليف إلى العبد بالقطع.
و النتيجة التي نستنتجها من ضمّ هاتين الجملتين إلى بعض هي تنجّز التكليف على المكلّف و دخوله في عهدته و اشتغال ذمّته به يقينا.
و عندئذ تشتغل ذمّة المكلّف بالتكليف الشرعي بصورة قطعيّة.
و هذا هو معنى اشتغال الذمّة
2- الفراغ اليقيني:
و هذا هو الشطر الثاني من القاعدة القاضية بأنّ اشتغال الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني لذمّة المكلّف.
و هو من أحكام العقل العملي[1]حيث يحكم العقل بوجوب الامتثال حتّى الفراغ عن عهدة التكليف اليقيني و يحكم بقبح المخالفة و التهاون في الامتثال قبل اليقين من فراغ الذمّة من التكليف القطعي.
و ذلك إنّ الطاعة حق من حقوق اللّه على عبده و أداء هذا الحقّ من مصاديق العدل و رفض الأداء من المصاديق الظلم، و العقل العملي يحكم بحسن العدل و قبح الظلم فإذا قطع المكلّف بالتكليف و اشتغلت به ذمّته وجب عليه القيام بامتثال التكليف حتّى يقطع بفراغ ذمّته منه، و قبح عليه التهاون في الامتثال قبل القطع بفراغ الذمّة.
تطبيقات القاعدة:
و مجال استخدام هذه القاعدة العقليّة في الأصول هو موارد العلم بالتكليف و الشكّ في المكلّف به و لها تطبيقان اثنان:
فقد يكون الشكّ في المكلّف به ناشئا من الشكّ في الامتثال، و قد يكون ناشئا من الشكّ في التطبيق.
و التطبيق الأوّل كما لو علم بالتكليف بصلاة العصر و شكّ في امتثاله لها، و لا ريب في تطبيق القاعدة عليه لاشتغال الذمّة بالتكليف بصلاة العصر و شكّه في امتثال المكلّف به.
[1]و قد يقال إنّه من القضايا العقلائيّة التي تنتظم بها الحياة الاجتماعيّة للإنسان.
و التطبيق الثاني ما إذا كان الشكّ في المكلّف به ناشئا من تردّد المكلّف به أو متعلّقه بين مجموعة من الموارد. كما لو شكّ المكلّف من أنّ الصلاة المكلّف بها ظهر يوم الجمعة هل هي صلاة الظهر أو صلاة الجمعة، أو علم بوجود إناء للخمر بين مجموعة من الأواني، و علم بوجوب الاجتناب عنه، إلاّ أنّه تردّد في تمييز إناء الخمر عن غيره، و لم يتمكّن من تشخيصه و فرزه عن غيره من الأواني.
تنجيز العلم الإجمالي:
و ليس من شكّ أنّ العلم الإجمالي بالمكلّف به أو بمتعلّقه ينجّز التكليف على المكلّف كما كان العلم التفصيليّ ينجّز ذلك، و لا فرق بين العلم التفصيليّ و الإجمالي في ذلك فإنّ التنجيز كما ذكرنا من لوازم القطع بالحكم الشرعي سواء كان علم المكلّف بالحكم الشرعي و متعلّقه تفصيليّا أو إجماليّا، فإنّ القطع بالحكم الشرعي لا ينفكّ عن الحجّيّة و الحجّيّة لا تنفكّ عن المنجزيّة و المعذريّة. و لكن هل التنجيز هنا على نحو العليّة أو الاقتضاء، و إذا كان التنجيز على نحو العليّة فهل يختصّ ذلك بمورد حرمة المخالفة القطعيّة أو تعمّ مورد حرمة المخالفة القطعيّة و الموافقة القطعيّة أبحاث معمّقة أفاض فيها علماء الأصول. و الّذي يهمّنا نحن من ذلك كلّه إنّ هذه القاعدة العقليّة تجري بصورة قطعيّة في كلّ صور الشكّ في المكلّف به سواء كان الشكّ في المكلّف به من ناحية الامتثال أو من ناحية تردّد المكلّف به أو متعلّقاته بين أفراد متباينة أو تردّده بين الأقلّ و الأكثر (فيما إذا كان مصداقا للشكّ في المكلّف به لا الشكّ في التكليف).
محمد مهدي الآصفي
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة