
الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول)
تألیف
السيد علي الموسوي القزويني
الموضوع : أصول الفقه
[تعليقة في الاجتهاد و التقليد]
الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
و بعد فهذا هو الجزء الأخير ممّا علّقناه في فنّ الاصول على معالم الاصول.
المطلب التاسع: في الاجتهاد و التقليد. (1)
(1) و قد جرت عادة الاصوليّين قديما و حديثا من العامّة و الخاصّة بإيراد مباحث الاجتهاد كمسائل التقليد في الكتب الاصوليّة، و هذا يوهم كونها من مسائل اصول الفقه كما هو ظاهر كثير و صريح غير واحد منهم، و لعلّ وجهه صدق تعريف الأكثرين إيّاه ب«العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة» عليها، فإنّها أيضا قواعد مهّدت لاستنباط الأحكام من حيث إنّ الاستنباط لا يتمّ إلّا بشرائطه، و من حيث قبوله التجزئة و عدمه، و من حيث إنّه لا بدّ له من مستنبط يعتبر فيه من حيث استنباطه امور، إلى غير ذلك ممّا يذكر في تلك المباحث من حيث ارتباطها بمقام الاستنباط الملحوظ في نفسه، أو وصفا في المستنبط من حيث هو، أو من حيث رجوع الغير إليه في مقام التقليد.
و يشكل: بأنّ هذا و إن كان يقرّب كونها من مسائله، و لكن يبعّده خلوّها عمّا هو ضابط مسائل الفنّ من كونها باحثة عن أمر يرجع إلى موضوع الفنّ، بكون موضوعاتها موضوع العلم أو جزءا منه أو نوعا منه أو عرضا ذاتيّا له أو نوعا من عرضه الذاتي، و لذا يقال: إنّ موضوع العلم ما كان جهة جامعة بين مسائله، و موضوع البحث في مباحث الاجتهاد ليس هو الأدلّة بأحد هذه الاعتبارات الخمس كما هو واضح، و إنّما هو الاجتهاد أو المجتهد.
نعم على القول بكفاية صدق تعريف العلم على مسألة في كونها من مسائل هذا العلم تمّ ما ذكر لا مطلقا.
و يمكن الذبّ عنه: بأنّ الاستنباط يقع على الأدلّة فهو من الأحوال المختصّة بها،
[في تعريف الاجتهاد]
أصل الاجتهاد (1) في اللغة: تحمّل و هو المشقّة (2) في أمر. يقال: اجتهد في حمل الثقيل، و لا يقال ذلك في الحقير.
و المباحث المذكورة باحثة عن الاستنباط أو المستنبط من حيث الاستنباط، و هو بحث عمّا يرجع إلى الأدلّة بالأخرة.
و ربّما يشكل الحال في أنّ من مميّزات مسائل العلم اندراجها في غاية العلم، و الغاية المطلوبة من تدوين اصول الفقه- على ما ظهر من تعريفه- كونها مقدّمات قريبة أو بعيدة تؤخذ في الاستدلالات على المسائل الفرعيّة، و لذا تعدّ من مباني الفقه، و المسائل المبحوث عنها في باب الاجتهاد ليست من المقدّمات المأخوذة في استدلالات المسائل الفرعيّة.
و يمكن الذبّ عنه أيضا: بأنّ الغاية المطلوبة من تدوين هذا الفنّ ابتناء استنباط المسائل الفرعيّة على مسائله، سواء كانت مقدّمات تؤخذ في استدلالات المسائل الفرعيّة، أو امورا يتوقّف الاستنباط على تحقّقها الخارجي.
و ما ذكرناه في توجيه عدّ هذه المباحث من مسائل الفنّ أسدّ ممّا صنعه شارح المختصر في بيانه من جعل موضوعه ثلاثة: الأدلّة و الاجتهاد و الترجيح.
و عن بعضهم إضافة التعادل أيضا إلى الترجيح، ليكون مباحث الاجتهاد باعتبار كونها باحثة عن حال الاجتهاد مندرجة في مسائل الفنّ كما أنّ مباحث التعادل و الترجيح مندرجة فيها باعتبار كونها باحثة عنهما، فإنّه- مع كونه خلاف ما اشتهر بين أرباب الفنّ و عليه جمهورهم من حصر موضوعه في الأدلّة- يرد عليه: رجوع البحث في مباحث البابين إلى الأدلّة.
أمّا باب الاجتهاد فلما وجّهناه هنا.
و أمّا باب التعادل و الترجيح فلما بيّنّاه في أوائل الكتاب فراجع و تأمّل.
نعم ينبغي القطع بخروج مباحث التقليد عن مسائله، و كون إيرادها في كتبه تبعا، بل الإنصاف أنّ مباحث الاجتهاد أيضا خارجة عن مسائله كما بيّنّاه ثمّة.
(1) افتعال من الجهد و هو فتحا و ضمّا- على ما في كلام غير واحد من أئمّة اللغة- الوسع و الطاقة، و عن الفرّاء الفرق بين مفتوحه فللمشقّة و مضمومه فللوسع و الطاقة، و ربّما ذكر له معنى آخر و هو الغاية و النهاية كما في المجمع.
(2) كما في شرح المختصر للعضدي، و محكيّ الوافية، و شارح الزبدة، و تبعهم بعض
و أمّا في الاصطلاح (1)
الأعلام و بعده بعض الفضلاء، و هذا منهم كما ترى يخالف ما في كلام الأكثرين من أخذه لغة بمعنى بذل الوسع و الطاقة أو ما يرادفه، و كأنّه منهم انكار لورود هذه المادّة مطلقا لغير المشقّة، أو إنكار لبناء هذه الهيئة عمّا هو للوسع و الطاقة، و لو لا أحد هذين الوجهين لتوجّه إليهم عدم الوجه في العدول عن اعتبار كون نقل هذا اللفظ إلى ما يأتي من المعنى المصطلح عليه من باب نقل العامّ إلى الخاصّ- كما هو قضيّة ما صنعه الأكثرون- إلى اعتبار كونه نقلا من اللازم إلى ملزومه- كما هو مقتضى تفسيرهم المذكور- مع كون الأوّل أولى في نظر الاعتبار، لغلبة هذا النقل بحسب الخارج، و كون العموم و الخصوص من أظهر المناسبات و أقواها.
و تحقيق الحال: أنّ الإقدام على ما فيه مشقّة كحمل الثقيل تحمّل للمشقّة و إعمال للوسع و الطاقة، و لا إشكال في أنّ لفظ «الاجتهاد» باعتبار الوضع اللغوي على ما يشهد به الأمارات القويّة و الاستعمالات الواردة في الكتاب و السنّة و غيرهما مختصّ بموارد المشقّة، كما نصّ عليه غير واحد من الطائفة.
و إنّما الإشكال في أنّ المأخوذ في وضعه هل هو أوّل المفهومين ليكون الثاني من لوازمه، أو ثانيهما مقيّدا بما فيه مشقّة لا مطلقا؟ غير أنّه لو قيل بالأوّل لسلم الوضع عن اعتبار التقييد في مسمّى اللفظ الّذي ينفيه الأصل، مع إمكان منع ورود هذه المادّة لغير المشقّة على وجه الحقيقة، و الاستعمالات الواردة في الكتاب و السنّة و غيرهما متّفقة في إرادة المشقّة كما يظهر للمتتبّع، و لا ينافيها ورود الاستعمال على ندرة في غيرها، كما في قوله تعالى:لٰا يَجِدُونَ إِلّٰا جُهْدَهُمْ[1]أي وسعهم على ما في المجمع[2]، لتوسعة باب التوسّع الّذي يعضده الندرة، و لو سلّم الوضع في المادّة مطلقة أو مضمومة فبناء الهيئة عنها بهذا المعنى في حيّز المنع.
(1) و اعلم أنّ له في اصطلاح المتشرّعة أو أرباب العلوم الشرعيّة أو الفقهاء و الاصوليّين أو خصوص الفقهاء إطلاقات كثيرة، فقد يطلق و يراد منه النظر في معرفة الأحكام الشرعيّة- و لو اصوليّة- بطريق الاستدلال، و منه قولهم: يجب الاجتهاد في اصول الدين و لا يكفي فيه التقليد.
و قد يطلق و يراد منه صرف النظر في معرفة الأحكام الفرعيّة الواقعيّة عن أدلّتها علميّة
[1]التوبة: 79.
[2]مجمع البحرين: مادّة «جهد».
..........
أو ظنّية أو تعبّديّة، و إليه يرجع ما في قولهم: «الأدلّة الاجتهاديّة». قبالا للأدلّة الفقاهيّة.
و قد يطلق و يراد منه صرف النظر في معرفة الأحكام الفرعيّة- واقعيّة أو ظاهريّة- عن مداركها و لو كانت من قبيل الاصول العامّة العمليّة، و منه اخذ بعض الحدود الآتية، و نشأ منه جملة من الإيرادات الآتية على ما يأتي من المصنّف.
و قد يطلق و يراد منه صرف النظر في معرفة الأحكام الفرعيّة بغير النصوص، و منه ما في قولهم: «هذا اجتهاد في مقابلة النصّ» دفعا لمقالة من يخالف النصّ تمسّكا باعتبارات ظنّيّة، و لعلّه منه اخذ بعض التعاريف الآتية.
و قد يطلق و يراد منه صرف النظر في معرفة الأحكام الفرعيّة بالطرق الظنّية، و هو بهذا المعنى وقع محلّا للنزاع بين الأخباريّة و الاصوليّة، و منه اخذ أكثر التعاريف الآتية و هو اصطلاح خاصّ للفقهاء.
و يمكن رجوع سابقه إليه، بناء على كون النصّ مرادا به ما لا يحتمل معه الخلاف لفظا أو غيره، و الشائع فيما بينهم و لا سيّما أصحابنا المتأخّرين و متأخّريهم إلى زماننا هذا إطلاقه على ما اشتمل على قوّة ردّ الفروع إلى الاصول.
فالمجتهد حينئذ من له تلك القوّة، و إليه ينظر ما يأتي من تعريف الزبدة.
و ممّا شاع أيضا إطلاقه في كلام القدماء و غيرهم و في الأخبار أيضا- على ما سيأتي ذكره- على القياس و الرأي و نحو ذلك من الطرق الفاسدة المتداولة عند المخالفين.
و كيف كان فقد ذكروا له بحسب الاصطلاح تعاريف مختلفة، فعن الذريعة: «أنّ الاجتهاد عبارة عن إثبات الأحكام الشرعيّة بغير المنصوص، بل بما هو طريقة الأمارات و الظهور».
و عن المعارج: «أنّه في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعيّة».
و عن معراج الوصول: «أنّه بذل القدرة في إدراك الأحكام الشرعيّة الّتي لم يعلم بالنصّ».
و عن الإحكام: «أنّه في اصطلاح الاصوليّين مخصوص باستفراغ الوسع و طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة على وجه يحسّ من النفس العجز عن المزيد عليه».
و عن المبادئ و شرحه: «أنّه في الاصطلاح عبارة عن استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنّية الشرعيّة على وجه لا زيادة فيه».
و عن النهاية المحكيّ في المنية عن آخرين: «الاجتهاد استفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة بحيث ينتفي اللوم عنه بسبب التقصير».
فهو استفراغ الفقيه وسعه (1)
و في التهذيب و المنية: «أنّه في الاصطلاح- كما في الأوّل- و في عرف الفقهاء- كما في الثاني- استفراغ الوسع من الفقيه لتحصيل ظنّ بحكم شرعي».
و في المختصر و شرحيه: «أنّه في الاصطلاح استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعي».
و في الكتاب و غيره ممّن سبقه و لحقه: «أنّه استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بحكم شرعي».
و في فوائد العلّامة: «أنّه بحسب الاصطلاح استفراغ في تحصيل الحكم الشرعي بطريق ظنّي».
و في المجمع: «نقل في الاصطلاح إلى استفراغ الوسع فيما فيه مشقّة لتحصيل ظنّ شرعي».
و عن الوافية: «أنّ الأولى في تعريفه: أنّه صرف العالم بالمدارك و أحكامها نظره في ترجيح الأحكام الشرعيّة الفرعيّة».
و في بعض شروح الكتاب المسمّى بأصل الاصول- أنّه بعد ما نقل تعريف الوافية و حكم بكونه أسلم- قال: «و أحسن منه أن يقال: صرف العالم نظره في تحصيل المسائل الشرعيّة الفرعيّة بمداركها».
و عن الزبدة: «أنّ الاجتهاد ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي من الأصل فعلا أو قوّة قريبة».
(1) و في كلام غير واحد أنّ استفراغ الوسع معناه بذل تمام الطاقة بحيث يحسّ من نفسه العجز عن المزيد عليه، و لعلّ وجهه أنّ الاستفراغ استفعال بمعنى الطلب، فإذا اضيف إلى الوسع كان معناه طلب الفقيه فراغ وسعه، و فراغ الوسع عبارة عن الخلوص و الخلوّ عنه، و يشكل ذلك: بأنّ طلب الشيء لا يستلزم حصوله في الخارج.
نعم قد يقال: بأنّ المأخوذ في وضع الاستفعال هو الطلب المستلزم للحصول كما في «استخرجته فخرج».
و فيه: أنّ ذلك لزوم غالبي لا دائمي، ضرورة أنّه لو قيل: «استفسرت منه فما فسّر لي» و «استعلمت منه فما أعلمني» لم يكن مناقضا و لا موجبا للتجوّز، كما أنّه في المثال المذكور لا يوجب تكرارا.
..........
فالإنصاف: أنّها لمطلق الطلب، و عليه فلو نظر في دليل المسألة و حصل له الظنّ بالحكم الشرعي في أوّل نظره أو فيما لم يبلغ حدّ العجز عن المزيد عليه لم يكن منافيا لكونه مستفرغا وسعه، فيكون هذا الفرض مشمولا للتعريف مع كونه من أفراد المعرّف[1].
و يندفع به ما قيل على عكس التعريف من أنّ استفراغ الوسع غير معتبر في تحصيل كلّ من الأحكام.
و توضيحه: أنّ أقصى ما يجب على المجتهد الاطمئنان بتحصيل ما يستفاد من الأدلّة الموجودة، و ذلك قد يحصل بأوّل نظره في دليل المسألة كما في كثير من المسائل الّتي مداركها ظاهرة، و قد لا يحصل إلّا بعد استفراغ منتهى الوسع كما في بعض المسائل المشكلة، و قد يكون بين الأمرين.
و من البيّن تحقّق الاجتهاد في جميع ذلك فلا ينعكس الحدّ.
و لا حاجة معه إلى تكلّف أن يقال: إنّ بذل الوسع إنّما يعتبر بالنسبة إلى مجموع المسائل الّتي يحتاج إلى استنباطها لا حصوله في كلّ مسألة، و حينئذ يكتفى في كلّ منها بما يحصل به الاطمئنان، ليرد عليه: أنّه لا يلائم ذكر الحكم في الحدّ بصيغة المفرد.
و لا إلى أن يقال: من أنّ المراد باستفراغ الوسع ما هو المعتبر في عرف المجتهدين لا الاستفراغ العقلي، و القدر المعتبر أمر معروف و هو ما يحصل به الظنّ بعدم الظفر بالمعارض ظنّا يعتدّ به، ليتوجّه إليه: أنّ الإيراد على ظاهر الحدّ فلا يدفعه حقيقة المراد بعد تسليم ظهور الاستفراغ في العقلي، و إلّا ليسلم قاطبة الحدود عن النقوض و الإبرامات.
و توهّم خروج المفروض عن المعرّف فلا يضرّ خروجه عن التعريف- مع أنّه بناء على التحقيق المتقدّم غير خارج- لا يلائم ما عليه جمع من أجلّاء أصحابنا من أصالة حجّية الظنّ الاجتهادي و عدم وجوب تحصيل الظنّ الأقوى، مع الإجماع المحكيّ عليه عن بعض الأجلّاء، بل لا يتمّ ذلك على ما عليه الآخرون من أصالة حرمة العمل بالظنّ إلّا ما خرج بالدليل- كما هو الحقّ- لو قيل بأنّه لا دليل على خروج غير الظنّ الأقوى بعد ملاحظة أنّه لو وجب تحصيل الظنّ الأقوى في كلّ مسألة لزم مضافا إلى العسر و الحرج تعطيل الأحكام و سدّ باب الاستنباط القاضي بالخروج عن الدين، و لو وجب في بعضها
[1]- قد أبدل المصنّف(رحمه اللّه)في حاشية من حواشيه على القوانين هذه العبارة بقوله: «... لم يكن منافيا لكونه مستفرغا وسعه و كان ذلك من أفراد المعرّف ...» راجع حاشية القوانين 2: 121.
..........
دون بعض لزم الترجيح بغير مرجّح، بل ربّما قيل بأداء بذل تمام الوسع إلى صرف تمام الوقت في تحصيل مسألة واحدة.
و لا ريب أنّ هذه الامور المعتضدة بمحكي الإجماع تنهض مخرجة عن الأصل مسقطة لاعتبار الظنّ الأقوى.
و مع الغضّ عن ذلك فأقصى ما يقتضيه الأصل المذكور كون الأقوائيّة في الظنّ شرطا للاعتبار، و لا يلزم من كون شيء شرطا للاعتبار اعتباره في ماهيّة الاجتهاد إلّا على توهّم كون التعريف للصحيح منه، و هو ضعيف جدّا لمنع اعتبار الصحّة في مفهوم الاجتهاد اصطلاحا على ما سنقرّره.
و أمّا قيد «الفقيه» فهو احتراز عن غيره كالمنطقي الصرف إذا استفرغ وسعه في طلب شيء من الأحكام بطريق الاستدلال، و المقلّد إذا استفرغ وسعه في طلب فتوى المفتي الّتي هي في حقّه حكم شرعي.
و اعترض عليه: باستغناء خروج من ذكر عن هذا القيد إمّا لأنّ استفراغ الوسع لا يتأتّى من غير الفقيه إذا لم يكن له قوّة ردّ الفروع إلى الاصول كما هو المفروض، أو لأنّ مثل هذا الاستفراغ لا يسمّى استفراغا للوسع في تحصيل الحكم الشرعي، فهو مخرج بجنس التعريف و لا حاجة إلى اعتبار قيد آخر.
و يدفعه: منع عدم تأتّي استفراغ الوسع عمّن ذكر خصوصا المقلّد المستفرغ وسعه في طلب الفتوى، فإنّ إمكان ذلك و تحقّقه في الخارج معلوم بحكم الضرورة، سواء قلنا بكفاية الظنّ بالفتوى في حقّه، أو قلنا بلزوم العلم بها، إذ على التقدير الثاني كونه لا يستفرغ وسعه إلّا في طلب العلم بالفتوى لا ينافي إمكان تأتّي ذلك منه، و المعتبر في الحدود أخذ الماهيّة الكلّية صادقة على ما أمكن تحقّقه في الخارج من الأفراد و إن لم يتحقّق بعد فعلا، بل و على تسليم الامتناع و لو بحسب العادة فهو لا يمنع اندراجه تحت الماهيّة الصادقة عليه على فرض وجوده، حيث إنّ فرض الممتنع ليس من الممتنع، و كما أنّه لا يشترط في أفراد الكلّي فعليّة الوجود فكذا لا يشترط فيها إمكان الوجود على ما قرّر في محلّه، و هذا بعينه جار في المنطقي أيضا على فرض الامتناع، و إلّا فعدم الامتناع في حقّه أيضا ضروري، لجواز توصّله بمقتضى قواعده المنطقيّة إلى إثبات حكم شرعي، خصوصا إذا استند فيه إلى القياس المعبّر عنه عنده بالتمثيل.