بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 204

عليه السؤال عنه، و هذا معنى قول أصحابنا الحلبيين:

إن الاجتهاد واجب عيني، و بهذا فسر مذهبهم شيخنا البهائي (ره) و ذلك أنهم لم يكونوا يعملون إلا بالحديث، كما صرح به ابن زهرة في «الغنية»، فالعامي عندهم إذا سأل العالم عن مسألة شرعية فأجابه عنها بلفظ الحديث أو بمعناه و فهمه العامي كما يجب، فقد تساويا فى علم تلك المسألة؛ لأن المسئول ناقل لفتوى أهل البيت(ع)و السائل يرويها عنه، فلا فتوى في الحقيقة إلا للمعصوم و لا تقليد إلّا له(ع)، و السائل و المسئول من جملة الرواة؛ و هذا مذهب كل القدماء، لا علماء حلب[1]خاصة كما هو المشهور.

و اعلم أن ما يحتاج إليه المكلف في خاصة نفسه من مسائل الفروض الواجبة عليه بالفعل لا يأباه طبع أحد، و إنما تختلف الناس فيه بسرعة الفهم و بطئه.

و أما الاحاطة بأكثر أبواب الفقه و الحديث فليس في وسع كل أحد، بل يحتاج ذلك إلى طبع ذكي و حفظ قوي، و هذا النوع من الاجتهاد يجب كفاية على من له اهلية ذلك لحفظ الشريعة المطهرة فينبغي له أن ينتهز الفرصة و يجتهد في الطلب؛ لينال سعادة الدارين، و لا علم الا علم الدين و ما سواه فضول؛ نعم لا بدّ لمن أراد القدرة على فهم المعاني و التصرف في فنون الكلام من تحصيل العلوم العربية و الأدبية و تتبع كلام الأوائل؛ ليعرف طرق القدماء في المحاورات و يقتدر على فهم الحديث كما ينبغي؛ لأن اللغة في زماننا قد فسدت و تغيرت حتى لا يعرفها العرب فضلا عن العجم، و ليكن اعتقاده لما ورد فى الشريعة من أصول العقائد و تصديقه

[1]- في (ه) الا علماء حلب.


صفحه 205

به بحيث لا يزول بتشكيك المشكك، لا كما يفعله قوم نظروا في الفلسفة فخرجوا عن الحق و تأولوا كلام النبوة على وفق ما سوّل لهم الشيطان، حتى اعتقدوا قدم العالم و نفي المعاد الجسماني، و إنكار المعراج بالجسم و غير ذلك من أصول الزندقة فولاهم اللّه ما تولوا و عاشوا جهالا و ماتوا ضلالا.

روي في «الكافي و التهذيب» عن أبي عبد اللّه(ع)قال: «بادروا أحداثكم بالحديث[1]قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة» انتهى.

و في «الكافي» في باب الاضطرار إلى الحجة، عن يونس بن يعقوب من جملة حديث الشامي الذي جاء لمناظرة أصحاب الصادق(ع)أن الصادق(ع)قال: «يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته، قال يونس:

فيا لها من حسرة، فقلت: جعلت فداك إني سمعتك تنهى عن الكلام و تقول ويل لأصحاب الكلام يقولون: هذا ينقاد و هذا لا ينقاد، و هذا ينساق و هذا لا ينساق، و هذا نعقله و هذا لا نعقله، فقال أبو عبد اللّه- ع-:

إنما قلت، فويل لهم؛ إن تركوا ما أقول و ذهبوا إلى ما يريدون» انتهى.

و يجب على المدرس أن ينبه التلميذ على ما وافق الحق و ما خالفه، و إن رأى منه الميل إلى الباطل حرم عليه تدريسه، و بعض الطباع لا تناسب بعض العلوم، فان عرف عجز الطالب عن علم نبهه على ذلك و نقله إلى غيره، فان لم يقبل فهو ممن يطلب العلم للهوس فليعرض عنه.

و اعلم: أن الضروري من الحديث و الفقه المأخوذ منه لا يتوقف معرفته على شيء من العلوم، بل كل من يعرف اللغة العربية يحصل منه ما يحتاج إليه بسهولة، و إنما يحتاج إلى التفنن في العلوم من يريد التصرف في الكلام و القدرة على البحث و الجدل و إلزام الخصوم و دفع الشبهة؛ و غير

[1]- «بالحديث» لا توجد في (ه).


صفحه 206

ذلك مما يعد صاحبه من أكابر العلماء، و قد كان في اصحاب الأيمة(ع)علماء محققون كالهشامين و مؤمن الطاق و محمد الطيار و بنى نوبخت و غيرهم، و كانت مادة أفكارهم مأخوذة من الأيمة(ع)فلذلك و فقهم اللّه تعالى و هدى بهم خلقا كثيرا.

و ما ينقل عن هشام بن الحكم من قوله بالجسم و الصورة، فذلك قبل اتصاله بالصادق(ع)لأنه كان أولا على مذهب جهم بن صفوان ثم هداه اللّه إلى الحق، و من أراد فى زماننا هذا حفظ فروع الفقه بسهولة؛ فليأخذها من كتب الفروع للمتأخرين و يعمل منها بما يوافق الحديث و يطرح ما خالفه، و الأحاديث الدالة على ما ذكرناه في هذا الفصل كثيرة.

فمن ذلك: ما رواه العامة و الخاصة من قول النبي(ص)«طلب العلم فريضة على كل مسلم».

و في «الكافي» عن أبي اسحاق السبيعي عمن حدثه قال: سمعت أمير المؤمنين(ع)يقول «أيها الناس اعلموا أن كمال الدين، طلب العلم و العمل به، ألا و إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ان المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه».

و عن أمير المؤمنين(ع)من جملة خطبة له(ع): «و اعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، و لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، و لن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، و لن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، و لن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، و لن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فاذا عرفتم ذلك؛ عرفتم البدع و التكلف، و رأيتم الفرية على اللّه و على رسوله- ص-


صفحه 207

و التحريف لكتابه، رأيتم كيف هدى اللّه من هدى فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون»

و عن أبي عبد اللّه(ع)من جملة حديث «ان الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا، و انما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه».

و عن أبي عبد اللّه(ع)قال: «لوددت أصحابي ضربت رءوسهم بالسياط حتى يتفقهوا».

و عن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «عليكم بالتفقه في دين اللّه و لا تكونوا أعرابا، فانه من لم يتفقه في دين اللّه لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة، و لم يزك له عملا».

و عن أبي حمزة عن أبي جعفر(ع)قال: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد».

و عن أبي عبد اللّه(ع)قال: «قال رسول اللّه- ص- أف لرجل لا يفرغ نفسه في كل جمعة لأمر دينه، فيتعاهده و يسأل عن دينه».

و عن جميل بن دراج قال: قال أبو عبد اللّه(ع): «أعربوا حديثنا فانا قوم فصحاء».

و عن أبي الحسن موسى(ع)قال: (دخل رسول اللّه- ص- المسجد فاذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل علامة، فقال: و ما العلامة؟ فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب و وقائعها، و أيام الجاهلية و الأشعار و العربية. قال: فقال النبي- ص-: ذاك علم لا يضر من جهله و لا ينفع من علمه. ثم قال النبي- ص-: انما العلم ثلاثة؛ آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة، و ما خلاهن فهو فضل) انتهى


صفحه 208

ما نقلته من «الكافي».

و فى «محاسن البرقي» قال: سئل أبو الحسن موسى بن جعفر(ع)هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه؟ قال: لا.

و عن أبي جعفر(ع)قال: «لو أتيت بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه في الدين لأوجعته ضربا».

و عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه(ع)يقول: «ليت السياط على رءوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال و الحرام».

و عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع)قال: «تفقهوا في الحلال و الحرام، و إلا فأنتم أعراب».

و سئل أمير المؤمنين(ع)من أعلم الناس؟ قال: «من جمع علم الناس إلى علمه» انتهى.

و روى الكشي عن محمد الطيار قال: قلت لأبي عبد اللّه(ع)بلغني أنك كرهت مناظرة الناس؛ و كرهت الخصومة، فقال: «أما كلام مثلك للناس فلا نكرهه، من إذا طار أحسن أن يقع، و إذا وقع أحسن أن يطير، فمن كان هكذا فلا نكره كلامه» انتهى. و الأخبار في ذلك كثير و ما ذكرناه كاف.

(الفصل الخامس) (فيمن يجب رجوع الناس إليه فى زمان الغيبة)

اعلم: أنه قد ثبت بالنصوص القاطعة المؤيدة بالبراهين العقلية، أن اللّه جل ثناؤه لم يخلق الخلق عبثا و لم يدعهم بعد الخلق هملا، بل أعطاهم العقول ليفرقوا بها بين الحق و الباطل، و جبلهم على التوحيد، و فطرهم


صفحه 209

على الاقرار له بالربوبية، و أرسل إليهم الأنبياء(ع)لينبهوهم على ما فطرهم عليه من توحيده، إذا غفلوا عنه، و يعرفوهم ما يصلح به أمر معاشهم و معادهم، و لم [يخل] الأرض من حجة حافظ لدينه هاد إلى صراطه، و أوجب عليهم طاعته و الرجوع إليه فى أمر الدين.

و لما كانت أكثر الطباع إلى الباطل أميل لما جبلت [عليه] من حب الرئاسة و اتباع الشهوات، فاذا أمن الحجة منهم ظهر، و إذا خاف استتر و كان لأمة محمد(ص)أسوة بالأمم السابقة، فلم تزل أوصياؤه الذين هم حجج اللّه على عباده؛ خائفين لغلبة أهل الجور منذ قبضه اللّه إليه إلى يومنا هذا، و لكن كانوا ظاهرين على الشيعة بحيث يمكن أخذ أمور الدين عنهم بالمشافهة و المكاتبة إلى بعد الثلاثمائة من الهجرة بقليل.

ثم استتر الحجة(ع)لشدة الخوف، و وقعت الغيبة الكبرى التي أخبر بها جده(ص)و آباؤه(ع)و انقطعت السفارة بينه و بين الشيعة بعد أن أخذوا عنه و عن آبائه(ع)ما يحتاجون إليه من أمور الدين، و ألفوا فيها الكتب، و خرج الأمر إليهم منه(ع)بالرجوع إلى رواة أحاديثهم في زمن الغيبة، و كان من لطف اللّه سبحانه بعباده أنه كما لا تخلو الأرض من حجة؛ كذلك لا تخلو من عالم حافظ لحديث آل محمد(ع)في حال الغيبة.

و لما كان المدعون للعلم كثير و العلماء قليل و المخلصون أقل؛ نص الأيمة(ع)على من يجب الرجوع إليه حال الغيبة، و وصفوه بما لا يشتبه على من طلب الحق ليتنبه الغافل، و يهتدي الجاهل و لا يكون لأحد على اللّه حجة بعد الرسل و لا على الأوصياء حجة بعد البيان.

و حاصل القول فيه، أن العارف بطريق أهل البيت(ع): الراوي


صفحه 210

لحديثهم الضابط له العامل به؛ كما أمر الثقة المؤثر لدينه على دنياه و الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بحسب مقدوره، و أكثر ما يوجد هذا الوصف في أهل الخمول و من لا يلتفت إليه؛ امتحانا من اللّه عز و جل ليتميز[1]من يطلب الحق من مظانه و من يطلبه تقليدا لأمر جرت عليه العادة، و ألفته الطباع من الانقياد للمشهور المطاع؛ سواء اتصف بصفة المأمور باتباعه أم لا.

هذا مع كون العلم قد صار صناعة يتوصل بها إلى تحصيل الرئاسة، أو مرمة المعاش[2]، و طالب الحق للحق، أعز من الكبريت الأحمر.

و يعرف حال العالم المذكور بالمعاشرة أو القرائن[3]الموجبة للعلم بحاله؛ كالشهرة بين العلماء (بالعلم)[4]أو بين العارفين، بشرائط التقوى و الصلاح، و لا عبرة بالشهرة بين العوام و لا بالقرب من الحكام.

فاذا وجد مثل هذا فهو المخصوص بالنفحة القدسية، المؤيد بالعناية الالهية، القائم مقام الامام بأمره(ع).

فان لم يوجد مثل هذا فيكفي الرجوع إلى العالم الثقة في الرواية، و الأدلة على ما قلنا كثيرة.

فمن ذلك: ما رواه في «الكافي» عن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه ممن يوثق به قال: سمعت أمير المؤمنين(ع)يقول: «إن الناس آلوا بعد رسول اللّه- ص- إلى ثلاثة: آلوا إلى عالم على هدى من اللّه

[1]- في (ه) امتحانا من اللّه عز و جل لعباده ليميز من يطلب.

[2]- في (ه) أو مرتبة المعاش.

[3]- في (ه) و القرائن.

[4]- لا توجد في (ه).


صفحه 211

قد أغناه اللّه بما علم عن علم غيره، و جاهل مدع للعلم لا علم له معجب بما عنده و قد فتنته الدنيا و فتن غيره، و متعلم من عالم على سبيل هدى من اللّه و نجاة، ثم هلك من ادعى وخٰابَ مَنِ افْتَرىٰ» انتهى.

قد حصر(عليه السلام)الناس فى ثلاثة: المعصوم(ع)، و من يأخذ علمه منه، و من ليس ذا و لا ذاك، فانظروا من يطرح الأحاديث التي نص أيمة الحديث على صحتها و يعمل باجتهاده الذي يخطئ و يصيب بخلاف مضمونها تعويلا على البراءة أو غير ذلك من الظنيات، مع أن الظن الحاصل من تلك الأحاديث، لا يقصر عن الظن الذي اعتبره من أي الثلاثة هو، إذ لا رابع لهم.

و عن محمد بن هارون الجلاب قال: سمعت أبا الحسن(ع)يقول: «إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لأحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه».

و عن أبي جعفر(ع)قال: «من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوّأ مقعده من النار ان الرئاسة لا تصلح الا لأهلها».

و عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد اللّه(ع): اياك و الرئاسة و إيّاك أن تطأ أعقاب الرجال، قال قلت: جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها؛ و أما أن أطأ أعقاب الرجال فما نلت ما فى يدي الا ما وطئت أعقاب الرجال، فقال لي: ليس حيث تذهب، اياك ان تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال.

و عن علي بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد اللّه(ع)يقول: «اعرفوا منازل الناس منا على قدر رواياتهم عنا».