بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 209

على الاقرار له بالربوبية، و أرسل إليهم الأنبياء(ع)لينبهوهم على ما فطرهم عليه من توحيده، إذا غفلوا عنه، و يعرفوهم ما يصلح به أمر معاشهم و معادهم، و لم [يخل] الأرض من حجة حافظ لدينه هاد إلى صراطه، و أوجب عليهم طاعته و الرجوع إليه فى أمر الدين.

و لما كانت أكثر الطباع إلى الباطل أميل لما جبلت [عليه] من حب الرئاسة و اتباع الشهوات، فاذا أمن الحجة منهم ظهر، و إذا خاف استتر و كان لأمة محمد(ص)أسوة بالأمم السابقة، فلم تزل أوصياؤه الذين هم حجج اللّه على عباده؛ خائفين لغلبة أهل الجور منذ قبضه اللّه إليه إلى يومنا هذا، و لكن كانوا ظاهرين على الشيعة بحيث يمكن أخذ أمور الدين عنهم بالمشافهة و المكاتبة إلى بعد الثلاثمائة من الهجرة بقليل.

ثم استتر الحجة(ع)لشدة الخوف، و وقعت الغيبة الكبرى التي أخبر بها جده(ص)و آباؤه(ع)و انقطعت السفارة بينه و بين الشيعة بعد أن أخذوا عنه و عن آبائه(ع)ما يحتاجون إليه من أمور الدين، و ألفوا فيها الكتب، و خرج الأمر إليهم منه(ع)بالرجوع إلى رواة أحاديثهم في زمن الغيبة، و كان من لطف اللّه سبحانه بعباده أنه كما لا تخلو الأرض من حجة؛ كذلك لا تخلو من عالم حافظ لحديث آل محمد(ع)في حال الغيبة.

و لما كان المدعون للعلم كثير و العلماء قليل و المخلصون أقل؛ نص الأيمة(ع)على من يجب الرجوع إليه حال الغيبة، و وصفوه بما لا يشتبه على من طلب الحق ليتنبه الغافل، و يهتدي الجاهل و لا يكون لأحد على اللّه حجة بعد الرسل و لا على الأوصياء حجة بعد البيان.

و حاصل القول فيه، أن العارف بطريق أهل البيت(ع): الراوي


صفحه 210

لحديثهم الضابط له العامل به؛ كما أمر الثقة المؤثر لدينه على دنياه و الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بحسب مقدوره، و أكثر ما يوجد هذا الوصف في أهل الخمول و من لا يلتفت إليه؛ امتحانا من اللّه عز و جل ليتميز[1]من يطلب الحق من مظانه و من يطلبه تقليدا لأمر جرت عليه العادة، و ألفته الطباع من الانقياد للمشهور المطاع؛ سواء اتصف بصفة المأمور باتباعه أم لا.

هذا مع كون العلم قد صار صناعة يتوصل بها إلى تحصيل الرئاسة، أو مرمة المعاش[2]، و طالب الحق للحق، أعز من الكبريت الأحمر.

و يعرف حال العالم المذكور بالمعاشرة أو القرائن[3]الموجبة للعلم بحاله؛ كالشهرة بين العلماء (بالعلم)[4]أو بين العارفين، بشرائط التقوى و الصلاح، و لا عبرة بالشهرة بين العوام و لا بالقرب من الحكام.

فاذا وجد مثل هذا فهو المخصوص بالنفحة القدسية، المؤيد بالعناية الالهية، القائم مقام الامام بأمره(ع).

فان لم يوجد مثل هذا فيكفي الرجوع إلى العالم الثقة في الرواية، و الأدلة على ما قلنا كثيرة.

فمن ذلك: ما رواه في «الكافي» عن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه ممن يوثق به قال: سمعت أمير المؤمنين(ع)يقول: «إن الناس آلوا بعد رسول اللّه- ص- إلى ثلاثة: آلوا إلى عالم على هدى من اللّه

[1]- في (ه) امتحانا من اللّه عز و جل لعباده ليميز من يطلب.

[2]- في (ه) أو مرتبة المعاش.

[3]- في (ه) و القرائن.

[4]- لا توجد في (ه).


صفحه 211

قد أغناه اللّه بما علم عن علم غيره، و جاهل مدع للعلم لا علم له معجب بما عنده و قد فتنته الدنيا و فتن غيره، و متعلم من عالم على سبيل هدى من اللّه و نجاة، ثم هلك من ادعى وخٰابَ مَنِ افْتَرىٰ» انتهى.

قد حصر(عليه السلام)الناس فى ثلاثة: المعصوم(ع)، و من يأخذ علمه منه، و من ليس ذا و لا ذاك، فانظروا من يطرح الأحاديث التي نص أيمة الحديث على صحتها و يعمل باجتهاده الذي يخطئ و يصيب بخلاف مضمونها تعويلا على البراءة أو غير ذلك من الظنيات، مع أن الظن الحاصل من تلك الأحاديث، لا يقصر عن الظن الذي اعتبره من أي الثلاثة هو، إذ لا رابع لهم.

و عن محمد بن هارون الجلاب قال: سمعت أبا الحسن(ع)يقول: «إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لأحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه».

و عن أبي جعفر(ع)قال: «من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوّأ مقعده من النار ان الرئاسة لا تصلح الا لأهلها».

و عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد اللّه(ع): اياك و الرئاسة و إيّاك أن تطأ أعقاب الرجال، قال قلت: جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها؛ و أما أن أطأ أعقاب الرجال فما نلت ما فى يدي الا ما وطئت أعقاب الرجال، فقال لي: ليس حيث تذهب، اياك ان تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال.

و عن علي بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد اللّه(ع)يقول: «اعرفوا منازل الناس منا على قدر رواياتهم عنا».


صفحه 212

و عن أبي عبد اللّه(ع)قال: كان أمير المؤمنين- ع- «يقول:

يا طالب العلم إن للعالم ثلاث علامات؛ العلم و الحلم و الصمت. و للمتكلف ثلاث علامات؛ ينازع من فوقه بالمعصية و يظلم من دونه بالغلبة و يظاهر الظلمة».

و عن ابي عبد اللّه(ع)قال رسول اللّه- ص-: «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا فى الدنيا، قيل: يا رسول و ما دخولهم في الدنيا؟ قال:

اتباع السلطان، فاذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم» انتهى ما نقلته من «الكافي».

و روى أيمة الحديث الثلاثة(قدس اللّه أرواحهم)، عن ابي عبد اللّه(ع):

فى رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما فى حكم وقع فيه خلاف فرضيا بالعدلين؛ و اختلف العدلان بينهما عن قول ايهما يمضي الحكم؟ قال:

«ينظر الى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و اورعهما فينفذ حكمه و لا يلتفت الى الآخر»، و عن ابي خديجة قال: بعثني ابو عبد اللّه(ع)الى اصحابنا فقال:

قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة او تدارى بينكم في شيء من الأخذ و العطاء، ان تحاكموا إلى احد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا منكم ممن عرف حلالنا و حرامنا فاني قد جعلته عليكم قاضيا، و إياكم ان يحاكم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر».

و عن ابي خديجة قال: قال لي ابو عبد اللّه(ع)؛ إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم حاكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فتحاكموا إليه» انتهى.

اقول: من غفلات المتأخرين انهم حملوا الرجل المذكور في هذه


صفحه 213

الأحاديث على «المجتهد» باصطلاحهم، و كيف يصح ما يزعمونه و الخطاب فيها أصالة لأصحاب الأيمة(ع)، و هم كانوا ينكرون هذا الاجتهاد حتى أنهم ألفوا في إبطاله الكتب، و ممن ألف في إبطاله أبو اسحاق بن نوبخت[1]، بل الحق أن المراد به؛ من روى أحاديثهم و عمل بها؛ كما أمروا به(ع)و يدل على ذلك ما رواه الصدوق في كتاب «إكمال الدين و إتمام النعمة» قال؛ حدثنا محمد بن محمد بن عصام (ره) قال:

حدثنا محمد بن يعقوب الكليني- ره- عن إسحاق بن يعقوب قال:

سألت محمد بن عثمان العمري (ره) أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان(ع):

أما ما سألت عنه أرشدك اللّه؛ ثم ساق الحديث إلى قوله- ع-:

«و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه عليهم».

و في «محاسن البرقي» قال الشيخ(ع)[2]: خذوا الحق من أهل الباطل و لا تأخذوا الباطل من أهل الحق، كونوا نقّاد الكلام فكم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب اللّه، كما زخرف الدرهم من نقاش بالفضة[3]المموهة، النظر الى ذلك سراء و البصر به ضراء».

و فيه أيضا قال رسول اللّه(ص): «إذا ظهرت البدعة في امتي فليظهر العالم علمه فان لم يفعل فعليه لعنة اللّه».

و في «نهج البلاغة» من جملة العهد الذي كتبه(ع)للأشتر (ره) لما ولاه مصر قال(ع): «ثم اختر الحكم بين الناس افضل رعيتك في

[1]- فى (ه) أبو اسحاق نوبخت.

[2]- هو الكاظم(ع)- ر-.

[3]- في (ه) من نقاش الفضة.


صفحه 214

نفسك ممن لا تضيق به الأمور و لا تمحكه الخصوم و لا يتمادى في الزلة و لا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه و لا تشرف نفسه على طمع و لا يكتفي بأدنى فهم دون اقصاء، و اوقفهم في الشبهات، و آخذهم بالحجج و اقلهم تبرما بمراجعة الخصم و اصبرهم على تكشف الأمور، و اصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه اطراء، و لا يستميله إغراء، و اولئك قليل» انتهى.

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة و ما ذكرناه كاف.

و اعلم: ان من صرف عمره على تحصيل غير العلوم الشرعية؛ ندم حيث لا ينفعه الندم، و مما عذب اللّه اهل الجدل و المماراة و التفاخر بالعلوم الفلسفية، ان احدهم اذا مهر فيها غلب عليه حب الرئاسة و نخوة الداعية؛ فسلط اللّه عليه من لا يصلح ان يكون من اتباعه ممن يظهر الصلاح و التقوى فعارضه و ناقضه و اقبل على العبادة و ملازمة المساجد و التدريس و الوعظ و اظهار الزهد فمالت إليه القلوب و انقادت له العوام و عظمته الملوك و الحكام، فلا يزال ذلك الفيلسوف يتجرع الغصة طول عمره و ان ساعدته الدنيا ففي آخر العمر حيث لا يلتذ بها بل يكون عليه وبالا و حسرة، إذ نالها حين لا يقدر على قضاء أوطاره و لذاته.

و مما انعم اللّه به على طالب علم الدين العامل به؛ ان يكون معظما مكرما فان كان علمه للّه سبحانه، فانه بسعادة الدارين، و ان كان للدنيا نال مراده منها ببركة علم الدين، و ربما ادركته العناية الالهية فأخلص للّه و نال سعادة الآخرة أيضا. و هذا امر مشاهد لا ينكر و لا يجحد،فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ.


صفحه 215

(الفصل السادس)

في ذم كل طريق يؤدي إلى اختلاف الفتاوى لغير ضرورة التقية، و ذم من يعتمد على رأيه و ظنه في نفس أحكامه تعالى، و يحمل متشابهات الكتاب و ظواهره على ما يقتضيه رأيه، و يطرح الأحاديث لذلك.

فمن ذلك ما في «نهج البلاغة» من كلام له(عليه السلام)فى ذم اختلاف العلماء في الفتيا: (ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه؛ ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ثم يجتمع القضاة بذلك عند إمامهم الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، و إلههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد، أ فأمرهم اللّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؛ أم نهاهم عنه فعصوه؛ أم انزل اللّه سبحانه دينا تاما فقصر الرسول(ص)عن تبليغه و أدائه و اللّه سبحانه يقول:«مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ[1]»فيه تبيان لكل شيء و ذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا و أنه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه:«وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً»[2].

و في «نهج البلاغة» أيضا من جملة كلام له(ع)يذم فيه من يعمل برأيه و يحمل الكتاب على أهوائه و يعرض عما ورد عنهم(ع)يقول فيه (و آخر قد تسمى عالما و ليس به، فاقتبس جهائل من جهال، و أضاليل من ضلال و نصب للناس اشراكا من حبائل غرور، و قول زور، قد حمل الكتاب

[1]- سورة الانعام آية/ 38.

[2]- سورة النساء آية/ 82.


صفحه 216

على آرائه، و عطف الحق على اهوائه، يؤمن الناس من العظائم و يهوّن كبير الجرائم يقول: اقف عند الشبهات؛ و فيها وقع، و يقول: اعتزل البدع و بينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان و القلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتبعه، و لا باب العمى فيصد عنه، و ذلك ميت الأحياء، فأين تذهبون و انى تؤفكون و الأعلام قائمة و الآيات واضحة، و المنار منصوبة، فأين يتاه بكم، و كيف تعمهون، و بينكم عترة نبيكم؛ و هم ازمة الحق، و اعلام الدين و السنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود إليهم العطاش.

ايها الناس خذوها عن خاتم النبيين- ص- «إنه يموت من مات منا؛ و ليس بميت و يبلى من بلي منا؛ و ليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فان اكثر الحق فيما تنكرون».

و من كلام له(ع)في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة، و ليس لذلك بأهل: (إن أبغض الخلائق إلى اللّه تعالى رجلان؛ رجل وكله اللّه الى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة؛ فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدي من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته و بعد وفاته حمال خطايا غيره رهن بخطيئته.

و رجل قمش جهلا موضع في جهال الأمة عاد في أغباش الفتنة عم بما فى عقد الهدنة، قد سماه اشباه الناس عالما و ليس به، بكر فاستكثر من جمع، ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماء آجن و اكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا، لتخليص ما التبس على غيره.

فان نزلت به احدى المبهمات هيأ لها حشوا رثا من رأيه ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدري اصاب أم