على آرائه، و عطف الحق على اهوائه، يؤمن الناس من العظائم و يهوّن كبير الجرائم يقول: اقف عند الشبهات؛ و فيها وقع، و يقول: اعتزل البدع و بينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان و القلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتبعه، و لا باب العمى فيصد عنه، و ذلك ميت الأحياء، فأين تذهبون و انى تؤفكون و الأعلام قائمة و الآيات واضحة، و المنار منصوبة، فأين يتاه بكم، و كيف تعمهون، و بينكم عترة نبيكم؛ و هم ازمة الحق، و اعلام الدين و السنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود إليهم العطاش.
ايها الناس خذوها عن خاتم النبيين- ص- «إنه يموت من مات منا؛ و ليس بميت و يبلى من بلي منا؛ و ليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فان اكثر الحق فيما تنكرون».
و من كلام له(ع)في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة، و ليس لذلك بأهل: (إن أبغض الخلائق إلى اللّه تعالى رجلان؛ رجل وكله اللّه الى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة و دعاء ضلالة؛ فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدي من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته و بعد وفاته حمال خطايا غيره رهن بخطيئته.
و رجل قمش جهلا موضع في جهال الأمة عاد في أغباش الفتنة عم بما فى عقد الهدنة، قد سماه اشباه الناس عالما و ليس به، بكر فاستكثر من جمع، ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماء آجن و اكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا، لتخليص ما التبس على غيره.
فان نزلت به احدى المبهمات هيأ لها حشوا رثا من رأيه ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدري اصاب أم
أخطأ فان أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، و إن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خباط جهالات، عاش ركاب عشوات، لم يعض على العلم بضرس قاطع يذري الروايات اذراء الريح الهشيم لا ملئ- و اللّه- باصدار ما ورد عليه و لا هو أهل لما فوض إليه لا يحسب العلم في شيء مما أنكره، و لا يرى أنّ من وراء ما بلغ منه مذهبا لغيره؛ و إن أظلم عليه أمر أكتم به لما يعلم به من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء و تعج منه المواريث.
إلى اللّه أشكو من معشر يعيشون جهالا و يموتون ضلالا، ليس فيهم سلعة ابور من الكتاب اذا تلي حق تلاوته، و لا سلعة انفق بيعا و لا اغلى ثمنا من الكتاب اذا حرف عن مواضعه و لا عندهم انكر من المعروف و لا اعرف من المنكر).
و من خطبة له(ع): (و ما كل ذي قلب بلبيب، و لا كل ذي سمع بسميع، و لا كل ذي ناظر ببصير، فيا عجبا؛ و ما لي لا اعجب من خطأ هذه الفرقة على اختلاف حججها في دينها، و لا يقصون اثر نبي و لا يقتدون بعمل وصي، و لا يؤمنون بغيب، و لا يعضون عن عيب. يعملون في الشبهات، و يسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما انكروا، مفزعهم فى المعضلات إلى انفسهم و تعويلهم فى المبهمات على آرائهم، كأن كل امرئ منهم إمام نفسه؛ قد اخذ منها فيما يرى بعرى ثقات و اسباب محكمات).
و من جملة عهده(ع)للأشتر (ره): «دع القول فيما لا تعرف، و الخطاب فيما لا تكلف و امسك عن طريق اذا خفت ضلالة، فان الكف عند الحيرة و الضلالة؛ خير من ركوب الأهوال».
«و في الكافي»- في البدع و الرأي و المقاييس- عن امير المؤمنين(ع)
قال: (إن من ابغض الخلق إلى اللّه عز و جل لرجلين: رجل وكله اللّه الى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة، قد لهج بالصوم و الصلاة فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته و بعد موته، حمال خطايا غيره رهن بخطيئته.
و رجل قمش جهلا في جهال الناس عان بأغباش الفتنة قد سماه اشباه الناس عالما، و لم يغن فيه يوما سالما، بكر فاستكثر، ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، و اكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا، لتخليص ما التبس على غيره، و ان خالف قاضيا سبقه، لم يأمن ان ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله و ان نزلت به احدى المبهمات المعضلات؛ هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات فى مثل غزل العنكبوت، لا يدري اصاب أم اخطأ، لا يحسب العلم فى شيء مما انكره، و لا يرى ان وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره، و ان اظلم عليه امر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكيلا يقال له لا يعلم، ثم جسر فقضى فهو مفتاح عشوات ركاب شبهات خباط جهالات لا يعتذر [مما] لا يعلم فيسلم و لا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث و تصرخ منه الدماء يستحل بقضائه الفرج الحرام، و يحرم بقضائه الفرج الحلال لا ملئ باصدار ما عليه ورد، و لا هو اهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق) انتهى.
و الأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة و هي صريحة في بطلان كل اجتهاد يسند الى العقل دون النص في المنع[1]من كل طريق يؤدي الى
[1]- فى (ه) كما يلي: (كل اجتهاد استند الى العقل دون النص و في المنع من كل ...).
الاختلاف في الفتاوى، و من العمل بظواهر الكتاب المظنونة الدلالة و حملها على الآراء و الأهواء[1]، و في انه لا يجوز العمل بشيء من امور الدين الا بما ورد عن أئمة الهدى(ع)و اللّه الهادي.
(الفصل السابع)
في سبب دخول الشبهة على المتأخرين، حتى غفلوا فعملوا ببعض اصول العامة و اعتقدوها ادلة شرعية.
اعلم: انه تمادى الزمان و لم يأت بعد الشيخين و السيد المرتضى و من يقاربهم الفضل و العلم الى اواخر الستمائة من الهجرة، و لم يكن للامامية في اكثر تلك المدة دولة لانقراض دولة آل بويه و آل حمدان و غيرهم من الشيعة.
الى ان تخلف الناصر العباسي؛ و كان يميل الى التشيع، فظهر فى ذلك الزمان جماعة من الامامية (يقاربون القدماء فى الفضل و العلم، و كانت بغداد مجمع الفضلاء و الدولة للعامة)[2]و المدارس لهم، و المدرسون منهم، و الكتب المتداولة فى العلوم من تصانيفهم. فلم يكن بد لاصحابنا من مخالطتهم و مداراتهم و قراءة كتبهم و تدريسها خصوصا «كتب الكلام و اصول الفقه»؛ فمالت طباعهم الى ما فيها من الدقة، و رأوا من تقدم من الامامية؛ كالشيخين و السيد المرتضى سلكوا فى الاستدلال على بعض المسائل الشرعية مسلك العامة بحسب الظاهر، للمماشاة معهم و الالزام لهم بما يعتقدون صحته لا لكونه صحيحا عندهم، و لكن من باب
[1]- «و الاهواء» لا توجد في (ه).
[2]- ما بين القوسين عن (ه) فقط. و به يستقيم الكلام- ر-.
الجدل و دفع الباطل بالباطل للضرورة، فغفلوا عن مقاصد القدماء و اعجبهم هذا الطريق لما رأوا فيه من الدقة و الوجوه الغريبة، فتوهموا صحته و عملوا به لا عن عمد بل لغفلة و شبهة دخلت عليهم بسبب الألفة بكتب العامة و مدارستها كما تراه فى زماننا من اكباب أكثر الطلبة على دراسة «شرح العضدي» لدقة مباحثه، و إعراضهم عما سواه من كتب الأصول حتى لا يعدون من لا يقرأه أصوليا و اشتغالهم «بالحاشية القديمة، و الشفاء و الاشارات» حتى لا يعدون من لا يحصّل ذلك عالما؛ مع ما تشتمل عليه هذه الكتب من مخالفة «الشرائع» في كثير من المسائل، و كون أكثر ما فيها دعاوى محضة و شبه، أوجب رسوخها في قلوب أهلها عدم التأمل لكلام الأنبياء و الأيمة(ع)حتى أولوا كثيرا من النقل على ما يوافق قواعدهم لغير ضرورة تدعو إليه.
و لمّا وصلت النوبة إلى شيخنا العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلي (ره) و انتهت إليه رئاسة الشيعة في زمانه؛ و كان واسع العلم ذكي الطبع كثير البحث مع العامة، ملازما للنظر في كتبهم و الرد عليهم فى «الأصول و الفروع» محبا للتصانيف راغبا في التفنن فيها.
و راى كتب من تقدمه من الامامية مشتملة على الأدلة العقلية و القواعد الأصولية في فروع الشريعة، اما لا لزام الخصم كما فعله الشيخان و المرتضى، أو من باب الغفلة كما فعله غيرهم، فأحسن الظن بهم و مال إلى ذلك الطريق لا عن عمد بل عن غفلة اوجبها كثرة ممارسة كتب العامة و البحث معهم.
و ميل الطباع إلى ما يدرك بالعقل، اكثر مما يؤخذ من باب التسليم، فأكثر من تأليف الكتب على ذلك النمط، و بسط الكلام في ذكر المسائل
النادرة الغربية، و العلل المستنبطة، و الأنظار العقلية.
و حيث كانت كثيرة الاختلاف؛ كثرت لذلك الترددات و الاشكالات في مؤلفاته و خاصة في «القواعد» التي هي أدق كتب الفقه، و المشهور أنه لخصها من كتاب «العزيز» للرافعي من علماء الشافعية، و كل من جاء بعد العلامة فهم أتباع له فى هذا الطريق، حيث لم يطلعوا على طريق القدماء كما بيناه سابقا.
إلى أن وصلت النوبة إلى الشيخ حسن بن الشهيد الثاني- ره- فاطلع على رسالة المحقق في الأصول و عرف مذهب الشيخ و المتقدمين في الأخبار منها و صوّبه؛ و قال: إنه هو الطريق الذي كان ينبغي حفظه و رعايته، كما نقلناه عنه[1]و تكلم مع والده و غيره من الفقهاء في كثير من المسائل التي ضيقوا الأمر فيها، و مال إلى ترجيح أخبار «من لا يحضره الفقيه» و العمل بها في كثير من المواضع، و إن لم تصل إلى حد الصحة عند المتأخرين، اعتمادا على ما ذكره الصدوق في أوله، و لم يخرج عن الحديث إلا نادرا، و لكن لم يجسر على إظهار المخالفة.
و كذلك السيد محمد بن أبي الحسن صرح في أول «المدارك» بأن الاجماع الذي يدعيه المتأخرون فى كثير من المسائل ليس حجة لأنه مجرد دعوى و قد نقلنا كلامه فيما تقدم.
و كذلك الشيخ بهاء الدين العاملي الذي هو أفضل المتأخرين و أعرفهم بالحديث؛ رد اعتراضات الشهيد الثاني على الشيخ و من تأخر عنه في العمل بأخبار الضعفاء و قد تقدم ذلك كله.
ثم جاء بعد هؤلاء جماعة من الفضلاء نحو؛ مولانا محمد أمين الأسترآبادي
[1]- في (ه) كما نقله عنه.
نزيل مكة المعظمة، و الشيخ زين الدين حفيد الشهيد الثاني، و مولانا خليل القزويني، و إمام أهل العربية في زمانه الشيخ محمد الحرفوشي العاملي، و الشيخ حسين بن الظهير العاملي، و الشيخ محمد بن جابر النجفي و غيرهم، فصرحوا بما لوح إليه غيرهم، و لم تأخذهم فى اللّه لومة لائم؛ لأنهم عرفوا الحق فلم يسعهم إلا القبول و التسليم (وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا[1]، لكن بعض هؤلاء بالغ في الانكار على المتأخرين، و منع إطلاق لفظ «الاجتهاد» على طريق القدماء و لو باصطلاح حادث، و لو جادلبِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، و دفع الشبهة بما لا يوجب عناد الخصم؛ لكان ادعى لقبول الحق منه، مع أنه اعترف بأن ما صدر عن المتأخرين من مخالفة القدماء كان عن غفلة، و الغافل لا يلام إلا إذا نبه فلم يقبل الحق بعد ظهوره له.
على أن الموجب للاختلاف بين الفريقين أمور لا تأبى الطباع السليمة قبول ما وافق الحق منها.
و العلامة (ره) و أتباعه ليسوا مؤاخذين بهذه الغفلة؛ بل لهم أجر السعي في حفظ تصانيف القدماء و أقوالهم، و كتب الحديث و آثار الأيمة(ع)حتى وصلت إلينا، و كل ما عرفناه من الحق؛ فمن بركات الأيمة(ع)، و الأمانة التي حفظها المتأخرون و من تقدمهم، و تناقلوها حتى أدوها إلينا فجزاهم اللّه عنا خير الجزاء و حشرنا و إياهم في زمرة الأيمة الطاهرين(صلوات اللّه عليهم أجمعين).
[1]- سورة العنكبوت. آية/ 69.
(الباب السادس) (فى الاحتياط)
و هو العمل بما يتقين معه براءة الذمة عند عدم وضوح الحكم الشرعي، و اختلف في وجوبه و عدمه.
فقال قوم: يجب مطلقا. و قال قوم: لا يجب مطلقا. و فصّل آخرون فقالوا: إذا علم اشتغال الذمة بشيء و لم يعلم بعينه وجب؛ و إلا فلا، و يعلم من المحقق الميل إليه.
و اعلم: أن الحيرة إن كانت في نفس حكم من أحكامه تعالى إثباتا أو نفيا لعدم النص الواضح فيه بخصوصه. أو لوجوده مع اختلافه و عدم الرجحان، فيجب التوقف عن القطع بتعيين الحكم، إذ ليس لأحد أن يحلل و لا يحرم غير اللّه سبحانه و رسوله(ص)بأمره و وحيه؛ كما إذا تحيرنا فى وجوب فعل شرعي[1]و عدم وجوبه؛ كوجوب التسليم و استحبابه- مثلا- و لم يتعين حكمه عندنا بخصوصه، فنفعله احتياطا لأن براءة الذمة لا تحصل يقينا إلا بذلك و لا يقطع بأحدهما لعدم العلم به.
و إن كانت الحيرة في حال حكم من أحكامه تعالى مما يتعلق بأفعالنا فيجب فيه الاجتهاد في تحصيل ما تبرأ به الذمة، فان أمكن تحصيل القطع به وجب؛ و إلا كفى الظن، و ذلك نحو؛ إضرار الصوم بالمريض، و كون القبلة في جهة معينة، و قيم المتلفات، و أروش الجنايات، و غير ذلك مما
[1]- في (ه) حكم شرعي.