بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 219

الاختلاف في الفتاوى، و من العمل بظواهر الكتاب المظنونة الدلالة و حملها على الآراء و الأهواء[1]، و في انه لا يجوز العمل بشيء من امور الدين الا بما ورد عن أئمة الهدى(ع)و اللّه الهادي.

(الفصل السابع)

في سبب دخول الشبهة على المتأخرين، حتى غفلوا فعملوا ببعض اصول العامة و اعتقدوها ادلة شرعية.

اعلم: انه تمادى الزمان و لم يأت بعد الشيخين و السيد المرتضى و من يقاربهم الفضل و العلم الى اواخر الستمائة من الهجرة، و لم يكن للامامية في اكثر تلك المدة دولة لانقراض دولة آل بويه و آل حمدان و غيرهم من الشيعة.

الى ان تخلف الناصر العباسي؛ و كان يميل الى التشيع، فظهر فى ذلك الزمان جماعة من الامامية (يقاربون القدماء فى الفضل و العلم، و كانت بغداد مجمع الفضلاء و الدولة للعامة)[2]و المدارس لهم، و المدرسون منهم، و الكتب المتداولة فى العلوم من تصانيفهم. فلم يكن بد لاصحابنا من مخالطتهم و مداراتهم و قراءة كتبهم و تدريسها خصوصا «كتب الكلام و اصول الفقه»؛ فمالت طباعهم الى ما فيها من الدقة، و رأوا من تقدم من الامامية؛ كالشيخين و السيد المرتضى سلكوا فى الاستدلال على بعض المسائل الشرعية مسلك العامة بحسب الظاهر، للمماشاة معهم و الالزام لهم بما يعتقدون صحته لا لكونه صحيحا عندهم، و لكن من باب

[1]- «و الاهواء» لا توجد في (ه).

[2]- ما بين القوسين عن (ه) فقط. و به يستقيم الكلام- ر-.


صفحه 220

الجدل و دفع الباطل بالباطل للضرورة، فغفلوا عن مقاصد القدماء و اعجبهم هذا الطريق لما رأوا فيه من الدقة و الوجوه الغريبة، فتوهموا صحته و عملوا به لا عن عمد بل لغفلة و شبهة دخلت عليهم بسبب الألفة بكتب العامة و مدارستها كما تراه فى زماننا من اكباب أكثر الطلبة على دراسة «شرح العضدي» لدقة مباحثه، و إعراضهم عما سواه من كتب الأصول حتى لا يعدون من لا يقرأه أصوليا و اشتغالهم «بالحاشية القديمة، و الشفاء و الاشارات» حتى لا يعدون من لا يحصّل ذلك عالما؛ مع ما تشتمل عليه هذه الكتب من مخالفة «الشرائع» في كثير من المسائل، و كون أكثر ما فيها دعاوى محضة و شبه، أوجب رسوخها في قلوب أهلها عدم التأمل لكلام الأنبياء و الأيمة(ع)حتى أولوا كثيرا من النقل على ما يوافق قواعدهم لغير ضرورة تدعو إليه.

و لمّا وصلت النوبة إلى شيخنا العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلي (ره) و انتهت إليه رئاسة الشيعة في زمانه؛ و كان واسع العلم ذكي الطبع كثير البحث مع العامة، ملازما للنظر في كتبهم و الرد عليهم فى «الأصول و الفروع» محبا للتصانيف راغبا في التفنن فيها.

و راى كتب من تقدمه من الامامية مشتملة على الأدلة العقلية و القواعد الأصولية في فروع الشريعة، اما لا لزام الخصم كما فعله الشيخان و المرتضى، أو من باب الغفلة كما فعله غيرهم، فأحسن الظن بهم و مال إلى ذلك الطريق لا عن عمد بل عن غفلة اوجبها كثرة ممارسة كتب العامة و البحث معهم.

و ميل الطباع إلى ما يدرك بالعقل، اكثر مما يؤخذ من باب التسليم، فأكثر من تأليف الكتب على ذلك النمط، و بسط الكلام في ذكر المسائل


صفحه 221

النادرة الغربية، و العلل المستنبطة، و الأنظار العقلية.

و حيث كانت كثيرة الاختلاف؛ كثرت لذلك الترددات و الاشكالات في مؤلفاته و خاصة في «القواعد» التي هي أدق كتب الفقه، و المشهور أنه لخصها من كتاب «العزيز» للرافعي من علماء الشافعية، و كل من جاء بعد العلامة فهم أتباع له فى هذا الطريق، حيث لم يطلعوا على طريق القدماء كما بيناه سابقا.

إلى أن وصلت النوبة إلى الشيخ حسن بن الشهيد الثاني- ره- فاطلع على رسالة المحقق في الأصول و عرف مذهب الشيخ و المتقدمين في الأخبار منها و صوّبه؛ و قال: إنه هو الطريق الذي كان ينبغي حفظه و رعايته، كما نقلناه عنه[1]و تكلم مع والده و غيره من الفقهاء في كثير من المسائل التي ضيقوا الأمر فيها، و مال إلى ترجيح أخبار «من لا يحضره الفقيه» و العمل بها في كثير من المواضع، و إن لم تصل إلى حد الصحة عند المتأخرين، اعتمادا على ما ذكره الصدوق في أوله، و لم يخرج عن الحديث إلا نادرا، و لكن لم يجسر على إظهار المخالفة.

و كذلك السيد محمد بن أبي الحسن صرح في أول «المدارك» بأن الاجماع الذي يدعيه المتأخرون فى كثير من المسائل ليس حجة لأنه مجرد دعوى و قد نقلنا كلامه فيما تقدم.

و كذلك الشيخ بهاء الدين العاملي الذي هو أفضل المتأخرين و أعرفهم بالحديث؛ رد اعتراضات الشهيد الثاني على الشيخ و من تأخر عنه في العمل بأخبار الضعفاء و قد تقدم ذلك كله.

ثم جاء بعد هؤلاء جماعة من الفضلاء نحو؛ مولانا محمد أمين الأسترآبادي

[1]- في (ه) كما نقله عنه.


صفحه 222

نزيل مكة المعظمة، و الشيخ زين الدين حفيد الشهيد الثاني، و مولانا خليل القزويني، و إمام أهل العربية في زمانه الشيخ محمد الحرفوشي العاملي، و الشيخ حسين بن الظهير العاملي، و الشيخ محمد بن جابر النجفي و غيرهم، فصرحوا بما لوح إليه غيرهم، و لم تأخذهم فى اللّه لومة لائم؛ لأنهم عرفوا الحق فلم يسعهم إلا القبول و التسليم (وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا[1]، لكن بعض هؤلاء بالغ في الانكار على المتأخرين، و منع إطلاق لفظ «الاجتهاد» على طريق القدماء و لو باصطلاح حادث، و لو جادلبِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، و دفع الشبهة بما لا يوجب عناد الخصم؛ لكان ادعى لقبول الحق منه، مع أنه اعترف بأن ما صدر عن المتأخرين من مخالفة القدماء كان عن غفلة، و الغافل لا يلام إلا إذا نبه فلم يقبل الحق بعد ظهوره له.

على أن الموجب للاختلاف بين الفريقين أمور لا تأبى الطباع السليمة قبول ما وافق الحق منها.

و العلامة (ره) و أتباعه ليسوا مؤاخذين بهذه الغفلة؛ بل لهم أجر السعي في حفظ تصانيف القدماء و أقوالهم، و كتب الحديث و آثار الأيمة(ع)حتى وصلت إلينا، و كل ما عرفناه من الحق؛ فمن بركات الأيمة(ع)، و الأمانة التي حفظها المتأخرون و من تقدمهم، و تناقلوها حتى أدوها إلينا فجزاهم اللّه عنا خير الجزاء و حشرنا و إياهم في زمرة الأيمة الطاهرين(صلوات اللّه عليهم أجمعين).

[1]- سورة العنكبوت. آية/ 69.


صفحه 223

(الباب السادس) (فى الاحتياط)

و هو العمل بما يتقين معه براءة الذمة عند عدم وضوح الحكم الشرعي، و اختلف في وجوبه و عدمه.

فقال قوم: يجب مطلقا. و قال قوم: لا يجب مطلقا. و فصّل آخرون فقالوا: إذا علم اشتغال الذمة بشيء و لم يعلم بعينه وجب؛ و إلا فلا، و يعلم من المحقق الميل إليه.

و اعلم: أن الحيرة إن كانت في نفس حكم من أحكامه تعالى إثباتا أو نفيا لعدم النص الواضح فيه بخصوصه. أو لوجوده مع اختلافه و عدم الرجحان، فيجب التوقف عن القطع بتعيين الحكم، إذ ليس لأحد أن يحلل و لا يحرم غير اللّه سبحانه و رسوله(ص)بأمره و وحيه؛ كما إذا تحيرنا فى وجوب فعل شرعي[1]و عدم وجوبه؛ كوجوب التسليم و استحبابه- مثلا- و لم يتعين حكمه عندنا بخصوصه، فنفعله احتياطا لأن براءة الذمة لا تحصل يقينا إلا بذلك و لا يقطع بأحدهما لعدم العلم به.

و إن كانت الحيرة في حال حكم من أحكامه تعالى مما يتعلق بأفعالنا فيجب فيه الاجتهاد في تحصيل ما تبرأ به الذمة، فان أمكن تحصيل القطع به وجب؛ و إلا كفى الظن، و ذلك نحو؛ إضرار الصوم بالمريض، و كون القبلة في جهة معينة، و قيم المتلفات، و أروش الجنايات، و غير ذلك مما

[1]- في (ه) حكم شرعي.


صفحه 224

يتعلق بأفعالنا من أحوال الأحكام و صفاتها فان حصل علم أو ظن عمل به، و إلا احتاط، فيصوم المريض- مثلا- إذا لم يشعر بضرر الصوم، و لم يجبره به الطبيب الحاذق، و يصلي المتحير إلى أربع جهات إذا لم يغلب على ظنه ترجيح أحدها، إذا تقرر هذا؛ فاعلم:

أن وجوب الاحتياط يطابق عليه العقل و النقل. أما العقل فلدفع الضرر المتوقع من تركه. و أما النقل فما أجمع عليه العامة و الخاصة على نقله من قوله(ص)«دع ما يريبك».

و قوله(ص)«إنما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع، و أمر بيّن غيه فيجتنب، و شبهات بين ذلك، و الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، و من ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم».

و في كتاب الحج من «الكافي» عن عبد الرحمن بن الحجاج قال:

سألت أبا الحسن(ع)عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء؟ فقال: لا؛ بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد. قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك، فلم أدر ما عليه. قال: إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط، حتى تسألوا عنه فتعملوا انتهى.

و هذه الرواية صحيحة عند المتأخرين أيضا فتكون حجة في هذا الباب إجماعا.

و روى الشيخ في «التهذيب» عن خراش عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه(ع)قال: قلت جعلت فداك، إن هؤلاء المخالفين علينا؛ يقولون إذا أطبقت السماء أو أظلمت فلم تعرف السماء؛ كنا و أنتم سواء في


صفحه 225

الاجتهاد فقال: «ليس كما تقولون إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه»[1].

قال بعض المتأخرين: هذه الرواية متروكة من حيث تضمنها سقوط الاجتهاد بالكلية.

أقول: الحق أنها تدل على سقوط الاجتهاد في استنباط أحكامه تعالى و اخذها من غير النص، و تدل على تعليم الاحتياط للجاهل بحكمه سبحانه فى مسألة[2]، بأنه لا يحتاج أن يجتهد بل يعمل بما تبرأ به ذمته بيقين؛ و هو الصلاة إلى الأربع جهات، و كذلك في كل ما لم يكن حال الحكم الشرعي فيه بيّنا واضحا.

و في «التهذيب» أيضا عن عبد اللّه بن ضاح[3]قال: كتبت إلى العبد الصالح(ع)[4]يتوارى القرص و يقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا و يستتر عنا الشمس و يرتفع فوق الجبل حمرة، و يؤذن عندنا المؤذن، فأصلي حينئذ و أفطر- إن كنت صائما- أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟

فكتب إليّ: «أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، و تأخذ بالحائطة لدينك».

و هذه الرواية تدل على أن الظان و المتردد فيما يمكن فيه تحصيل العلم ينبغي لهما التوقف احتياطا حتى يحصل. و يدل عليه أيضا حصر الأمور فى الحديث الشريف في ثلاثة: أمر بيّن رشده، و أمر بيّن غيه،

[1]- فى (ه) كما بلي: (و روى الشيخ فى «التهذيب» عن خراش عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه- ع- قال: قلت جعلت فداك، ان هؤلاء المخالفين يقولون:

اذا أطبقت و أظلمت فلم تعرف السماء؛ كنا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال: ليس كما يقولون اذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه).

[2]- فى (ه) في مسألة الاطباق.

[3]- فى (ه) عبد اللّه بن وضاح.

[4]- هو الكاظم(ع)(ر).


صفحه 226

و شبهات بين ذلك؛ يجب الوقوف عندها، و لا شك أن المظنون و المشكوك فيه غير بيّن.

و يستفاد من كلامهم(ع)أن الجاهل يطلق على الظان و المتردد، و على الغافل و الذاهل عن الحكم و الاحتياط يجب على الاول دون الثاني.

و مما يدل على ذلك ما في «الكافي» عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم(ع)قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أ هي ممن لا تحل أبدا؟ فقال: لا؛ اما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تقضي عدتها، و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك.

فقلت: بأي الجهالتين أعذر؛ بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه، أم بجهالته أنها في عدة؟ قال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بأن اللّه تعالى حرم عليه ذلك، و ذلك لانه لا يقدر على الاحتياط معها.

فقلت: فهو فى الاخرى معذور؟ قال: نعم؛ إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها. فقلت: و إن كان أحدهما متعمدا و الآخر بجهالة؟ فقال:

الذي تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبدا. انتهى.

و إنما قلنا أن المراد بالجاهل- في هذه الرواية الشريفة- الغافل، لا الظان [و المتردد]؛ لأنهما يقدران على الاحتياط دون الغافل.

و اعلم: أن الاحتياط في أحكامه تعالى بما تحصل به براءة الذمة بيقين يكون بحسب البضاعة في علم الفقه و الحديث و معرفة العادات[1].

فيجب على المتحير الرجوع إلى من هو أعلم منه إن أمكن، لان الاحتياط يكون بحسب الامكان، و مع العجز عن المراجعة و الغفلة عن ذلك، فهو موكول إلى ما يخطر بباله دفعا للحرج، و رحمة من اللّه سبحانه لعباده.

[1]- فى (ه) العبادات.