بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 226

و شبهات بين ذلك؛ يجب الوقوف عندها، و لا شك أن المظنون و المشكوك فيه غير بيّن.

و يستفاد من كلامهم(ع)أن الجاهل يطلق على الظان و المتردد، و على الغافل و الذاهل عن الحكم و الاحتياط يجب على الاول دون الثاني.

و مما يدل على ذلك ما في «الكافي» عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم(ع)قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أ هي ممن لا تحل أبدا؟ فقال: لا؛ اما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تقضي عدتها، و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك.

فقلت: بأي الجهالتين أعذر؛ بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه، أم بجهالته أنها في عدة؟ قال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بأن اللّه تعالى حرم عليه ذلك، و ذلك لانه لا يقدر على الاحتياط معها.

فقلت: فهو فى الاخرى معذور؟ قال: نعم؛ إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها. فقلت: و إن كان أحدهما متعمدا و الآخر بجهالة؟ فقال:

الذي تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبدا. انتهى.

و إنما قلنا أن المراد بالجاهل- في هذه الرواية الشريفة- الغافل، لا الظان [و المتردد]؛ لأنهما يقدران على الاحتياط دون الغافل.

و اعلم: أن الاحتياط في أحكامه تعالى بما تحصل به براءة الذمة بيقين يكون بحسب البضاعة في علم الفقه و الحديث و معرفة العادات[1].

فيجب على المتحير الرجوع إلى من هو أعلم منه إن أمكن، لان الاحتياط يكون بحسب الامكان، و مع العجز عن المراجعة و الغفلة عن ذلك، فهو موكول إلى ما يخطر بباله دفعا للحرج، و رحمة من اللّه سبحانه لعباده.

[1]- فى (ه) العبادات.


صفحه 227

و في الحديث إشارة إلى ذلك مثل؛ ظن ضرر الصوم بالمريض الموجب لجواز الافطار، فانه تارة يكفي فيه ظن صاحب المرض لما يجده من نفسه فهو موكول في ذلك إلى نفسه، و تارة يرجع إلى ظن الطبيب إذا لم يدرك المريض ذلك.

و من هذا القبيل حفظ الامانات، فانه يختلف باختلاف الاحوال و الامكنة، و العادات و التجارات، فيجب الرجوع فيه إلى أهل الخبرة مع الامكان، و الا فهو موكول إلى ما يخطر بباله من وجوه الحفظ بحسب مقدوره، و كثير ما يجب ضمان الامانة التالفة مع عدم الاثم لعدم معرفة الامين بوجوه الحفظ و الاحتياط فيه.

و كلما يجب علينا اجتنابه احتياطا لا يجب علينا النهي عنه و لا الانكار على فاعله؛ لان العالم إنما يجب عليه تبليغ ما علمه، لا ما تردد فيه، و انكار المنكر انما يجب مع العلم بكونه منكرا لا مع الشك فيه، و ربما كان فاعله غافلا عن كونه بشبهة، أو عالما بجوازه دوننا.

نعم يجب علينا سؤاله إذا ظننا أن عنده منه علما يزيل عنا الشبهة؛ كأن يكون الفاعل من أهل العلم و التقوى و لنذكر أمثلة يظهر منها طريق الاحتياط و العمل به؛ و ذلك فى اثنتي عشرة مسألة تبركا بهذا العدد فنقول:

(المسألة الأولى): ما قولكم في حيوان لم نعلم حكم اللّه تعالى فيه، و لم يظهر عليه دلائل الحل و لا الحرمة؟

«الجواب» التوقف عن الحكم بحله و حرمته، و اجتناب أكله احتياطا و عدم وجوب الانكار على آكله.

(المسألة الثانية) ما قولكم فيمن شك في حرمة عبادة و وجوبها عليه؛ كفاقد الطهورين في وقت الفريضة مثلا؟.


صفحه 228

«الجواب» ترك فعلها و الاتيان بها قضاء إذا زال العذر مع خروج وقتها.

(المسألة الثالثة) ما قولكم فيمن خرج منه رطوبة لا يدري مني أم بول مع علمه بأنها أحدهما و لم يجد فقيها يسأله عن ذلك؟

«الجواب» تجب عليه الطهارتان احتياطا.

(المسألة الرابعة) ما قولكم في فاقد الماء إذا وجده و قد بقي من الوقت ما يسع التيمم و ركعة، و كان إذا توضأ فاته وقت الركعة فما يصنع؟.

«الجواب» يقطع بأن وجود الماء في هذه الصورة كعدمه؛ لفوات وقت الصلاة بالوضوء، فيوجب عليه التيمم و الصلاة ثم الوضوء و القضاء.

(المسألة الخامسة) ما قولكم في الأماكن التي يعلم حكم اللّه تعالى فيها بوجوب الفعل، و يجهل الكيفية؛ كالصلاة- مثلا- إذا لم يتعين القصر فيها و الاتمام للشك في بلوغ المسافة و عدمه و تعذر الاعتبار؟.

«الجواب» التوقف عن الحكم بأحد الأمرين مع وجوب الجمع بينهما.

(المسألة السادسة) ما قولكم في الصلاة في الحرير المنسوج بالفضة، هل تجوز أم لا؟.

«الجواب» المفهوم من النص حرمة الصلاة في الحرير المحض، و جوازها فيه إذا خالطه؛ نحو القطن و الصوف و الكتان، و أما غيره كالخيوط المصنوعة من الفضة، أو خيوط الحرير الملبّسة بها، فلا نص فيها بخصوصه و ليس داخلا تحت قاعدة كليّة وردت عنهم- ع- فالأحوط التوقف و مصادقة الترك.


صفحه 229

(المسألة السابعة) ما قولكم فيمن احتلم فى أحد المسجدين و أمكنه الغسل من دون إزالة النجاسة في المسجد، و عدم زيادة زمانه على زمان التيمم؛ كأن ينتبه من النوم فيجد نفسه في وسط السبيل- مثلا-، هل يتعين عليه الغسل لامكانه و ارتفاع الحدث به و كون الأمر بالتيمم إنما ورد بناء على ما هو الظاهر من تعذر الغسل أم لا بدّ من التيمم وقوفا مع ظاهر النص؟.

«الجواب» الجمع بين الغسل و التيمم احتياطا و إعادة الغسل بعد خروجه من المسجد إذ لا تحصل براءة الذمة يقينا إلا بذلك.

(المسألة الثامنة) ما قولكم فيمن توضأ و غسل رجليه للتقية و صلى ثم زالت التقية و حضر وقت صلاة أخرى هل يكتفي بتلك الطهارة أو يستأنف الوضوء؟.

«الجواب» الأحوط استيناف الوضوء.

(المسألة التاسعة) ما قولكم لو ولغ الكلب فى الاناء، و لم يوجد التراب لتعفيره هل يكفي ما يقوم مقامه؛ كالأشنان و غيره؟

«الجواب» الأحوط اجتنابه حتى يحصل التراب فيعفر و يطهر.

(المسألة العاشرة) ما قولكم في كتابه[1]القرآن للمحدث فان المشهور بين الفقهاء تحريم مسه، و لم يذكروا حكم الكتابة فى هذه الكتب المتداولة؟.

«الجواب» يجب الاحتراز عن كتابته لغير المتطهر من باب الأولى مع أنه ورد حديث في النهي عن كتابته لغير المتطهر، و لو لم يرد لكان الاحتياط يقتضي ذلك.

[1]- فى (ه) ما قولكم فى مس كتابة القرآن.


صفحه 230

(المسألة الحادية عشرة): ما قولكم في العقود المحتملة للصحة و البطلان و العمل بها، إذا وقعت و لا ترجيح لاحدهما؟.

«الجواب» التوقف؛ فان كان الواقع عقد نكاح- مثلا- فتوجب على الزوج احتياطا ترك الاستمتاع بها و ترك التزوج بخامسة، و على الزوجة عدم التمكين و عدم التزوج بغيره و تلزم الزوج[1]بالطلاق أو تجديد العقد أو الانفاق عليها دائما إن رضيت به فقط، و لو امتنع الزوج من قبول أحد هذه الأمور مع طلب الزوجة لذلك؛ أجبر عليه و حبس من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؛ حتى يفعله، فان هرب جاز للحاكم طلاقها من باب الحسبة، عملا بقوله(عليه السلام):

«لا ضرر و لا إضرار»، و بالحديث المتضمن لجواز أن يطلق الحاكم زوجة المفقود خبره؛ بعد الاستخبار عنه لأن حكمه هنا جار بطريق أولى عملا بمفهوم الموافقة، و هو حجة لأنه قطعي الدلالة.

و إن كان الواقع بيع بستان- مثلا-، و وقع الشك فى صحة البيع و بطلانه، فيمنع البائع و المشتري من التصرف فيه، و يقوم بضبطه و اصلاحه غيره من باب الحسبة حتى يظهر الأمر، و لو طلب أحدهما الاقالة أو تجديد الصيغة وجب على الآخر القبول، فان أبى أجبر، فان هرب فعل الحاكم ذلك.

(المسألة الثانية عشرة) ما قولكم في ماء وردت عليه نجاسة و شك فى بلوغه الكر، و تعذر الاعتبار و انحصر الماء فيه؟.

«الجواب» يجب اجتنابه و التيمم، فان قلت: هذا ينافي الحديث المشهور «إن كل شيء طاهر حتى تستيقن أنه قذر».

[1]- فى (ه) و يلزم الزوج.


صفحه 231

قلت: لا منافاة؛ و ذلك لأن المفهوم من الأحاديث الواردة في الكر؛ تعليق الحكم بنجاسة الماء بملاقاة النجس على العلم بعدم بلوغه كرا؛ و تعليق الحكم بعدم انفعاله على العلم ببلوغه كرا و مقتضى التعليقين و الروايات الواردة في وجوب التوقف في كل ما لم يعلم حكمه بعينه؛ و وجوب التوقف عن الحكم بالطهارة و النجاسة، و يلزم ذلك الاجتناب عنه و الاكتفاء بالتيمم لعدم وجود الماء المتيقن الطهارة، و التمسك بالحديث المشهور؛ إنما يصح إذا لم تعلم طرو تلك الحالة.

و ذلك أن هنا أقساما ثلاثة: معلوم الطهارة، و معلوم النجاسة، و مشكوك فيه. و حكم الملاقي لكل واحد حكمه، و لما كان حكم هذا الماء و الاشتباه للشك[1]في طهارته؛ وجب الاحتياط بالاحتراز عنه و التيمم و اللّه أعلم.

[1]- فى (ه) و لما كان هذا الماء لاشتباه الشك فى طهارته.


صفحه 232

(الباب السابع) (فى الكلام على علم الأصول)

قد عرفت مما تقدم أن أصحاب الأيمة(ع)و من تبعهم لم يكونوا يأخذون أصول دينهم و فروعه إلا عنهم(عليهم السلام)، (و كانوا يتلقون الأصول- ع-)[1]بطريق يوجب لهم القطع بها إما من اقترانها بالمنبهات على ضرورياتها، و الأدلة القاطعة على نظرياتها أو من اشراق الأنوار الالهية على قلوبهم بسبب إخلاصهم فى طلب الحق بحيث تندفع عنهم ظلم الشكوك و الشبهات و نظير النظريات ضرورية لهم ببركة الايمة(ع)و التسليم لهم.

و من تتبع كلامهم(ع)خصوصا «نهج البلاغة» و «أصول الكافى» و «كتاب التوحيد- للصدوق»، و أخلص النية في التوسل بهم؛ لادراك الهداية و طلب الحق للحق كما هو الحق؛ أدرك من ذلك ما يظهر له صدق ما قلناه، و انطبع في مرأة عقله، و انتقش في لوح بصيرته من المعارف الالهية ما لا يكدره الخواطر الوهمية و لا تمحوه الشبهة الخالية(وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ)[2].

و أما الفروع فكانوا يأخذونها عنهم(ع)على طريق التسليم، و ربما سألوهم عن وجه الحكمة فيها فبينوه لمن له اهلية ذلك، و منعوا من عرفوا منه التعنت أو الشك أو عدم الفهم لانهم خاطبوا كلا بما يليق بحاله

[1]- ما بين القوسين لا يوجد فى (ه).

[2]- سورة النور. آية/ 40.


صفحه 233

و يحتمله عقله، و كانوا ينهون أصحابهم عامة عن العمل «بالرأي و القياس و الاجتهاد» فيما ليس فيه نص، و يأمرونهم بالوقوف عند ما لا يعلمون حكمه و الرد إليهم و سؤالهم عنه.

إلى أن وقعت «الغيبة الصغرى» فأمرهم صاحب الأمر(عليه السلام)بالرجوع إلى رواة أحاديثهم، و أخذ الأحكام عنهم كما نطق به «التوقيع الأشرف» الذي تقدم ذكره، و لم يكن للشيعة في «أصول الفقه» تأليف لعدم احتياجهم إليه؛ لوجود كل ما لا بدّ لهم منه من ضروريات الدين و نظرياته في «الأصول» المنقولة عن أيمة الهدى(ع).

إلى أن جاء ابن الجنيد فنظر فى «أصول العامة و فروعهم» و ألّف الكتب على ذلك المنوال حتى أنه عمل «بالقياس» فلذلك أعرض القدماء عن كتبه.

و لما وصلت النوبة إلى الشيخ المفيد و السيد المرتضى و الشيخ، و أكثروا البحث مع العامة و استدلوا على إثبات بعض «أصول المذهب و فروعه» بالأدلة العقلية الجدليّة الموافقة لطريق العامة؛ لان مرادهم إبطال الباطل و إحقاق الحق بما يعترف به الخصم و إن كان في نفسه باطلا فمهما ظننت فلا تظن بقدمائنا أنهم خرجوا عن طريق أصحاب الأيمة، أو تركوا الحديث و عملوا بغيره.

فان قلت: إن كثيرا من فتاوى الشيخين و المرتضى لا يوافق الحديث فلا بد أن يكون عملهم فيها «بالاجتهاد».

قلت: الأحاديث التي كانت عندهم لم تصل إلينا كلها، فربما اطلعوا على ما لم يطلع عليه فعملوا به مع أن ما ليس له مأخذ من أحاديثنا الموجودة في فتاوى المفيد و المرتضى؛ لا يكاد يوجد، و أما الشيخ فقد نص في أواخر