(الباب السابع) (فى الكلام على علم الأصول)
قد عرفت مما تقدم أن أصحاب الأيمة(ع)و من تبعهم لم يكونوا يأخذون أصول دينهم و فروعه إلا عنهم(عليهم السلام)، (و كانوا يتلقون الأصول- ع-)[1]بطريق يوجب لهم القطع بها إما من اقترانها بالمنبهات على ضرورياتها، و الأدلة القاطعة على نظرياتها أو من اشراق الأنوار الالهية على قلوبهم بسبب إخلاصهم فى طلب الحق بحيث تندفع عنهم ظلم الشكوك و الشبهات و نظير النظريات ضرورية لهم ببركة الايمة(ع)و التسليم لهم.
و من تتبع كلامهم(ع)خصوصا «نهج البلاغة» و «أصول الكافى» و «كتاب التوحيد- للصدوق»، و أخلص النية في التوسل بهم؛ لادراك الهداية و طلب الحق للحق كما هو الحق؛ أدرك من ذلك ما يظهر له صدق ما قلناه، و انطبع في مرأة عقله، و انتقش في لوح بصيرته من المعارف الالهية ما لا يكدره الخواطر الوهمية و لا تمحوه الشبهة الخالية(وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ)[2].
و أما الفروع فكانوا يأخذونها عنهم(ع)على طريق التسليم، و ربما سألوهم عن وجه الحكمة فيها فبينوه لمن له اهلية ذلك، و منعوا من عرفوا منه التعنت أو الشك أو عدم الفهم لانهم خاطبوا كلا بما يليق بحاله
[1]- ما بين القوسين لا يوجد فى (ه).
[2]- سورة النور. آية/ 40.
و يحتمله عقله، و كانوا ينهون أصحابهم عامة عن العمل «بالرأي و القياس و الاجتهاد» فيما ليس فيه نص، و يأمرونهم بالوقوف عند ما لا يعلمون حكمه و الرد إليهم و سؤالهم عنه.
إلى أن وقعت «الغيبة الصغرى» فأمرهم صاحب الأمر(عليه السلام)بالرجوع إلى رواة أحاديثهم، و أخذ الأحكام عنهم كما نطق به «التوقيع الأشرف» الذي تقدم ذكره، و لم يكن للشيعة في «أصول الفقه» تأليف لعدم احتياجهم إليه؛ لوجود كل ما لا بدّ لهم منه من ضروريات الدين و نظرياته في «الأصول» المنقولة عن أيمة الهدى(ع).
إلى أن جاء ابن الجنيد فنظر فى «أصول العامة و فروعهم» و ألّف الكتب على ذلك المنوال حتى أنه عمل «بالقياس» فلذلك أعرض القدماء عن كتبه.
و لما وصلت النوبة إلى الشيخ المفيد و السيد المرتضى و الشيخ، و أكثروا البحث مع العامة و استدلوا على إثبات بعض «أصول المذهب و فروعه» بالأدلة العقلية الجدليّة الموافقة لطريق العامة؛ لان مرادهم إبطال الباطل و إحقاق الحق بما يعترف به الخصم و إن كان في نفسه باطلا فمهما ظننت فلا تظن بقدمائنا أنهم خرجوا عن طريق أصحاب الأيمة، أو تركوا الحديث و عملوا بغيره.
فان قلت: إن كثيرا من فتاوى الشيخين و المرتضى لا يوافق الحديث فلا بد أن يكون عملهم فيها «بالاجتهاد».
قلت: الأحاديث التي كانت عندهم لم تصل إلينا كلها، فربما اطلعوا على ما لم يطلع عليه فعملوا به مع أن ما ليس له مأخذ من أحاديثنا الموجودة في فتاوى المفيد و المرتضى؛ لا يكاد يوجد، و أما الشيخ فقد نص في أواخر
«الاستبصار» على أن كل ما في «النهاية» مأخوذ من الحديث، و أما «المبسوط» فحيث أنه لخصه من كتب العامة و رجّح ما اختاره من فتاواهم، فربما أرجع بعض الفروع الغريبة فيه إلى الكتاب و السنة على وجه بعيد فيظن أنه عمل فيه «بالاجتهاد» لا بالنص؛ و ليس كذلك فانه لم يخرج عن طريق القدماء؛ لكن لكثرة ارتكابه للوجوه البعيدة المتكلفة؛ ظن المتأخرون أنه منهم و ليس كذلك؛ بل كان قصده دفع تشنيع المخالفين بكل ما يمكنه، و المعصوم من عصمه اللّه، إذا عرفت هذا:
فاعلم أن «علم الاصول» ملفق من علوم عدة، و مسائل متفرقة بعضها حق و بعضها باطل وضعه العامة لقلة السنن الدالة على الاحكام عندهم، و بنوا عليه استنباط المسائل الشرعية النظرية، و لم يقع في علم من العلوم ما وقع فيه من الخبط و الخلاف، الذي أكثره أشبه شيء بالهذيان، يعلم ذلك من تتبع أقوال قدماء «الاصوليين» و نحن نذكر مقاصده و ما فيها من الاختلاف، مجردا عن الادلة إلا نادرا ليظهر لك أن اختلاف هؤلاء مع قوة أفهامهم يقتضي عدم الاعتماد في أمور الدين إلا على ما ورد عن الايمة الطاهرين(صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و قد رتبت هذا الباب على سبعة فصول:
(الفصل الأول) فيما يحتاج إلى تقديمه، قبل الشروع فى المقاصد و فيه ثلاثة مباحث:
(المبحث الاول) (فى حده)
قالوا: الاصول- جمع أصل-: و هو في اللغة ما يبنى عليه الشيء.
و الفقه: في اللغة الفهم، فى الاصطلاح: العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية فعلا أو قوة قريبة منه. هذا تفسيره من حيث مفرداته.
و أما حده من حيث كونه علما فهو: العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية، إذا عرفت هذا:
فاعلم أن الاصل يطلق في- الاصطلاح- على أربعة معان:
(أولها): الدليل، و منه قولهم الاصل في المسألة الكتاب.
(و ثانيها) الراجح، و مرادهم- بالرجحان هنا-: الحالة التي إذا خلي الشيء و نفسه، كان عليها، و منه قولهم «الاصل فى الكلام الحقيقة» لانه إذا خلي اللفظ و نفسه بأن لم تكن هناك قرينة صارفة، فان المخاطب يحمله على المعنى الحقيقي، لانه الراجح في هذه الصورة.
(و ثالثها) الاستصحاب بمعنى المستصحب- اسم مفعول-: و هو الحالة السابقة؛ و أما معناه المصدري فهو: التمسك بظن بقاء حكم الحالة السابقة في موضع طرأت فيه حالة لم نعلم شموله لها، و منه قولهم «تعارض الاصل و الظاهر»
(و رابعها) القاعدة، و منه قولهم «لنا أصل» و هو أن[1]الاصل مقدم على الظاهر، و قولهم «الاصل في البيع اللزوم»، و قولهم «الأصل في تصرفات المسلمين الصحة» أي- القاعدة- التي وضع عليها البيع بالذات اللزوم، و حكم المسلم بالذات صحة تصرفه؛ لان وضع البيع شرعا لنقل مال كل المتبايعين إلى الآخر، و بناء فعل المسلم من حيث هو مسلم على الصحة، إذا عرفت هذا:
[1]- في (ه) و منه أن «الاصل مقدم على الظاهر».
فنقول، إن الأصل في قولهم «الأصل براءة الذمة» بمعنى الراجح، و كذا في قولهم «الأصل في الماء الطهارة» و يمكن أن يراد به في الحالتين المستصحب، بمعنى الحالة السابقة. و قولهم «الأصل في الممكن العدم» يصح حمله على الحالة الراجحة و على الحالة السابقة.
و مثل تعارض الاصل و الظاهر؛ ثوب القصاب و أرض الحمام فان الأصل- أي الحالة السابقة- عدم عروض النجاسة لهما. و الظاهر أي المظنون عروضها، و يمكن حمل الاصل هنا على الحالة الراجحة، و هذه القاعدة موافقة للنص، لكنها إنما تجزي في الوقائع الجزئية؛ لا في نفس أحكامه تعالى لتواتر الاخبار بأن لكل واقعة حكما معينا، يجب طلبه من عند آل محمد(عليهم السلام)، و يتوقف الجاهل به و يحتاط حتى يطلع عليه.
و أما قولهم «الاصل في البيع اللزوم» فلا يصح كون- الاصل- فيه بمعنى الحالة الراجحة، إذا خلي و نفسه لثبوت- خيار المجلس- فلذلك حمل على القاعدة.
و كثيرا ما يتمسك بها الفقهاء في إثبات صحة بيع مشتمل على شرط اختلف في صحته؛ و هو خطأ لان الاحاديث الشريفة صريحة في بطلانها، حيث أن العقود المشتملة على الشروط و القيود، بعضها صحيح و بعضها فاسد و التمييز بينها منوط بالسماع عنهم(ع)لانهم هم العارفون بما يوافق كتاب اللّه تعالى و ما يخالفه.
و أما قولهم «الاصل فى تصرفات المسلم الصحة» فهي قاعدة موافقة لاحاديثهم(ع)في أبواب متفرقة فيجب العمل بها، لكن يفرق بين أخبار المسلم و أفعاله فيتوقف في الاخبار حتى يعلم صدقها بخلاف الافعال و أما قولهم «الاصل فى الاشياء الطهارة» فيصح حمله على الحالة
الراجحة شرعا إذا خلي الشيء و نفسه، و يصح كونه بمعنى القاعدة لموافقته[1]لقولهم(ع)«كل شيء طاهر حتى تستيقن أنه قذر».
(المبحث الثاني)
«الدليل» لغة: المرشد؛ و اصطلاحا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري، و قيد الامكان ليدخل المغفول عنه؛ فانه دليل و إن لم يخطر بالبال، و الخبري لاخراج الحد و ما يتوصل بالنظر فيه إلى الظن بالمطلوب يسمى- أمارة- و هي في اللغة العلامة.
«و النظر»: هو تأمل المعقول لكسب المجهول. «و العلم» يطلق على حصول صورة الشيء عند المدرك، أو نفس الصورة الحاصلة عنده، و يقابله «الجهل» و على الاعتقاد الجازم سواء جوّز العقل نقضيه أم لا، و تخصيصه بما لا يحتمل النقيض- اصطلاحا- و يقابله «الظن»: و هو اعتقاد راجح لا جزم معه.
«و الشك»: تساوي الطرفين «و الوهم»: اعتقاد مرجوح، هذا مقتضى اللغة. و للمتأخرين من «الاصوليين» هنا- تبعا لاهل المعقول- اصطلاحات و تدقيقات لا حاجة إليها.
(المبحث الثالث)
كثيرا ما نراهم يقولون «الشيء الفلاني موجود فى نفس الامر» و لم يفسروا معنى هذه العبارة، و المراد: أنه موجود في حد ذاته؛ لا بفرض فارض أو اعتبار معتبر؛ لان «الامر»: هو الشيء، فيكون الشيء في
[1]- في (ه) بمعنى القاعدة الموافقة لقولهم(ع).
نفس الامر يرجع إلى معنى سبي فلذلك كان نفس الامر ظرفا لنسب القضايا الصادقة سواء كانت إيجابية أو سلبية، و وجود الشيء في نفسه؛ إن ترتب عليه آثاره المعتد بها، فهو المسمى «بالوجود الاصيل و العيني و الخارجي» و ما ليس كذلك يسمى «الوجود الظني و الذهني و الادراكي».
و وجود الشيء لغيره، ان كان عروضه لذلك الغير في وجوده الخارجي، فيسمى «بالعروض الخارجي» و إن عرض له في وجوده الذهني سمي «بالعروض الذهني».
«و الصفة» إن كان لها وجود في نفسها و هو عين وجودها لموصوفها فتسمى «الصفة الحقيقية و الانضمامية و الخارجية». و إن لم يكن لها وجود في نفسها بل معنى الانصاف بها في نفس الامر هو صلاحية موصوفها لانتزاعها منه فتسمى «الصفة الانتزاعية، و الصفة الاعتبارية» و معنى اعتبار الذهن: فرضه؛ و هو ظرف للنسبة الجزئية الكاذبة، (و قد يكون وجود شيء فى الخارج لا وجود وجوده، و عروض شيء في الخارج لا وجود عروضه، و قد يكون نفس الامر ظرفا لوجود نسبته فى الذهن، لا لنفس تلك النسبة مثاله: النسبة الكاذبة)[1]الموجودة فى الذهن، «و الواسطة فى الثبوت»: هي علة وجود الشيء، «و الواسطة فى الاثبات» هي الدليل لاثبات المدعى «و الواسطة فى العروض»: هي المعروض الاول للعارض[2].
و الحيثية فى كلام القوم على وجوه ثلاثة:
(أولها) حيثية هي بيان للاطلاق؛ كقولنا «الوجود، من حيث
[1]- ما بين القوسين لا يوجد فى (ه).
[2]- في (ه) «و الواسطة فى العروض» هي العروض الأول و المعارض.
هو موجود، و الحيوان من حيث هو حيوان، أو من حيث هو هو»[1]قالوا: كم من قيد بحسب اللفظ هو بيان للاطلاق بحسب المعنى.
(و ثانيها) حيثية هي للتقييد كقولنا «الحيوان من حيث أنه ناطق نوع».
(و ثالثها) حيثية هي للتعليل؛ كقولنا «العالم من حيث أنه عالم يستحق التعظيم»
«و القيد» قسمان: قيد يخصص ما قيد به. و قيد يعينه فافهم هذه الفوائد فانها تنفعك إن شاء اللّه تعالى.
(الفصل الثاني) في مبادي اللغة و فيه تسعة مطالب:
(المطلب الاول) في أحوال تتعلق بالألفاظ اللغوية و فيه أربع مسائل:
(الأولى) اللغة لفظ وضع لمعنى و طريقها تواتر و آحاد؛
«فالمتواتر»:
هي المشهورة على الألسنة، «و الآحاد»: هي الغريبة.
(الثانية) هل تثبت اللغة قياسا؟
. القاضي أبو بكر الباقلاني و ابن شريح و فخر الدين الرازي و ابن جني و المازني و أبو علي الفارسي: نعم.
و إمام الحرمين و الغزالي و الآمدي و ابن الحاجب و شيخنا البهائي: لا.
و اعلم: أنه لا نزاع فى أن الأعلام و الصفات المطردة- كاسم الفاعل
[1]- في (ه) كما يلي: (أولها: حيثية هي بيان للاطلاق الموجود من حيث هو موجود و الحيوان من حيث هو حيوان، و من حيث هو هو).