في «التهذيب» و جماعة. و قال الرازي: لا بدّ فى صحة إطلاق اللفظ على معناه المجازي في كل صورة إلى النقل عن أهل اللغة.
و الحقيقة إما لغوية أو عرفية و ثبوتهما معلوم أو شرعية و ثبوتها للمتشرعة معلوم، و للشارع محل خلاف فمنع ثبوتها له الباقلاني و قال: الصلاة و نحوها فى كلامه بمعناها لغة، و أثبتها غيره فقال: هي مجازات لغوية نقلها الشارع إلى معانيها الشرعية بوضع ثان.
و توقف شيخنا البهائي، و لا فائدة مهمة للبحث عن ذلك، إذ كل لفظ في كلام الشارع من هذه، فعليه قرينة تعين المراد منه، و الاستقراء شاهد عدل.
و أما المجاز فلا شك فى وقوعه في اللغة، و أنكر وقوعه[1]أبو على الفارسي و أبو اسحاق الأسفراني و جماعة، و هو واقع فى الكتاب و السنة أيضا خلافا للظاهرية[2].
(المطلب السابع) (فى تعارض احوال الالفاظ)
اعلم: أن الاختلاف في فهم معنى اللفظ إنما يكون لأمور خمسة الاشتراك و النقل شرعيا كان أو عرفيا، و المجاز، و الاضمار، و التخصيص و غير ذلك، لأن مع انتفاء الاشتراك و النقل يكون اللفظ موضوعا لمعنى واحد، و مع انتفاء المجاز و الاضمار يكون المراد ما وضع له و مع انتفاء التخصيص يكون المراد به جميع ما وضع له، فلا اشتباه.
[1]- في (ه) كما يلي: (و أما المجاز فلا شك فى وقوعه، و عليه ابو على الفارسى ...).
[2]- في (ه) للطاطرية.
و أنواع التعارض- عشرة- لحصول أربعة من المشترك، و الأربعة الباقية و ثلاثة من المنقول و الثلاثة، و اثنين من المجاز و الباقيين، و واحده من الباقيين[1].
و إذا تعارض الاشتراك و النقل فالحمل على الاشتراك أولى، خلافا للرازي. و كل من المجاز و الاضمار و التخصيص أولى من الاشتراك. و كذلك كل من هذه الثلاثة أولى من النقل.
و أما المجاز و الاضمار فهما سواء. و التخصيص أولى من المجاز و من الاضمار، و أدلة ذلك مذكورة في كتب الأصول المبسوطة.
(المطلب الثامن) (فى تفسير حروف يبحث عنها الفقهاء)
فمن ذلك «الواو» لمطلق الجمع من غير ترتيب، نقل الفارسي عليه الاجماع، و ذهب الفراء[2]إلى الترتيب فيما يستحيل فيه الجمع نحو- اركع و اسجد- و ذهب الكسائي و قطرب و ابن درستويه و الربعي: إلى أنها للترتيب. و قال ابن عصفور: الخلاف في أنها للترتيب محله إذا أمكن صدور الفعل من واحد فأما نحو- اختصم زيد و عمرو- فلا خلاف في أنها لا تقتضي الترتيب.
و من ذلك «الفاء» للترتيب و التعقيب و هو فى كل شيء بحسبه نحو
[1]- في (ه) كما يلي: (و أنواع التعارض- عشرة- لحصول أربعة من المشترك و الأربعة الباقية، و ثلاثة من المنقول، و اثنين من المجاز، و الباقيين، و واحده من الباقي). و الذي يستقيم به الكلام: (عشرة- لحصول أربعة من المشترك و ثلاثة من المنقول، و اثنين من المجاز، و واحد من الباقي) و اللّه اعلم (ر).
[2]- في (ه) و ذهب الغزالي.
- تزوجت فولدت- و قال الفراء: لا تفيد الترتيب. و قال السيد المرتضى لا تفيد التعقيب.
و من ذلك «الباء» و ترد للاستعانة نحو- كتبت بالقلم- و للتبعيض؛ ذهب إليه الأصمعي و الفارسي و ابن مالك، و أنكره سيبويه، و إنكاره معارض باصرار الاصمعي الذي هو أعرف منه بكلام العرب، و رواية زرارة عن الباقر- ع- صريحة في أن الباء في قوله تعالى(وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ»[1]للتبعيض.
و ميل العلامة إلى قول سيبويه في «التهذيب» من باب الغفلة؛ لأنه أورد الحديث في «المختلف» و حكم بصحته، و احتج به على أن المسح ببعض الرأس.
و من ذلك «إلى» و هي لانتهاء الغاية و لا إجمال فيها كما توهم من دخول الغاية تارة و خروجها أخرى لأنها موضوعة للانتهاء و الغاية[2]فلا تنفصل حسا- كالليل- فيجب خروجها، و قد لا يتميز- كالمرفق- فيجب دخولها من باب المقدمة.
(المطلب التاسع)
«المشتق» في- الاصطلاح- فرع وافق الاصل بأصول حروفه؛ و أنواعه خمسة عشر و هو عند وجود معنى المشتق منه- كضارب- لمباشر الضرب حقيقة اتفاقا، و قبل وجوده لمن يريد الضرب مجازا اتفاقا، و بعد وجوده منه و انقضائه- كالضارب أمس- قد اختلف فيه على أربعة أقوال:
[1]- سورة المائدة. آية/ 6.
[2]- فى (ه) و الغاية قد تنفصل.
(أحدها) لا يشترط بقاء المعنى فى كون المشتق حقيقة؛ و هو قول متكلمي الامامية و المعتزلة و اختاره ابن سيناء و النبقارابي[1].
(و ثانيها) يشترط؛ و اختاره الرازي و البيضاوي[2]و أكثر الأشاعرة.
(و ثالثها) إن كان مما يمكن بقاؤه اشترط؛ و إلا فلا.
(و رابعها) الوقف؛ و هو ظاهر ابن الحاجب.
و هل يصح إطلاق المشتق على الذات و إن لم يتصف بمبدإ الاشتقاق؟
منعه الأشاعرة، و أجازه الامامية و المعتزلة و الرازي في «المحصول».
و الحق أن الأغلب الاتصاف و لا قطع في شيء من أدلة الجواز و لا المنع، فالوقف متوجه؛ كما ذهب إليه شيخنا البهائي(رحمه اللّه).
(الفصل الثالث) في مبادي الأحكام و فيه خمسة مقاصد:
(المقصد الاول) (فى تعريف الحكم و ما يتعلق به و اقسامه)
الحكم الشرعي: هو خطاب اللّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين؛ بالاقتضاء أو التجبر أو الوضع. و الخطاب: هو توجيه الكلام نحو الغير للافهام، و هذا[3]التعريف يشتمل الأحكام الخمسة؛ لأن خطاب الشارع إذا تعلق بشيء؛ فأما أن يدل على طلب فعله أو طلب تركه أو يتساوى الأمران.
[1]- في (ه) و التفتازاني.
[2]- وجد فى الاصل: (خ- و التفتزاني).
[3]- في (ه) و هل التعريف.
و طلب الفعل إن كان جازما فالمطلوب به هو «الواجب» و إلا «فالمندوب»، و طلب الترك إن كان جازما فالمطلوب تركه هو «الحرام» و إلا «فالمكروه»، و التخيير تساوي الأمرين فى نظر الشارع و هو «الاباحة» و لا يشترط في خطاب الوضع- العلم و لا القدرة و لا التكليف- لأن معناه قول الشارع «اعلموا أنه متى وجد كذا وجب كذا أو ندب كذا أو أبيح- مثلا-».
و يكون بجعل الشيء سببا لتعلق الحكم- كجعل زوال الشمس موجبا لصلاة الظهر-، او شرطا- كجعل الطهارة شرطا لصحة الصلاة-، أو مانعا- كجعل النجاسة مانعة من صحتها-، و كل ذلك مستفاد من كلام الشارع، و لا طلب فيه و لا تخيير إذ ليس من أفعالنا حتى يطلب منا أو نخير فيه.
فظهر من هذا أن خطاب الشارع منه ما يتعلق أولا بالذات بالمكلف نفسه و ثانيا بالعرض بفعله، و هذا هو الخطاب الاقتضائي و التخييري، و قد يتعلق بفعل المكلف تبعا لفعل غيره- كضمان صاحب البهيمة إذا جنت أحيانا على شيء، و كأمر الولي يدفع ما أتلفه الصبي من مال الغير من ماله إن كان له مال-، و ربما تعلق بغير الفعل- كجعل زوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر-، و هذا هو الخطاب الوضعي.
و إذا تعلق خطاب الوضع بفعل صبي أو مجنون أو بهيمة، فقد يكون مقتضاه تعلق خطاب اقتضائي- بعاقلة الصبي و المجنون و صاحب البهيمة أو بمن يكون بيت مال المسلمين في يده-، و قد يكون مقتضاه تعلق خطاب اقتضائي بالصبي و المجنون إذا كملا- كغسل الجنابة- مثلا، و تعيين تلك المقتضيات منوط بالسماع من أيمة الهدى(ع)لا بالخيالات
الظنية التي تخطئ و تصيب مما أحدثه العامة.
و اختلفوا فى الخطاب الندبي، هل يتعلق بفعل الصبي المميز أم لا؟
المشهور أنه لا يتعلق به و المستفاد من كلام الايمة(ع)أنه يتعلق، إذا عرفت هذا:
فاعلم أن «الواجب»: هو ما يذم تاركه لا الى يدل و يرادفه الفرض و المحتوم و اللازم.
«و الحرام»: هو ما يذم تاركه[1]لا إلى بدل و يرادفه المحظور و المزجور عنه و المعصية و الذنب و القبيح.
«و المندوب»: هو الراجح فعله مع جواز تركه و يرادفه النافلة و المستحب و التطوع و السنة.
«و المكروه»: هو الراجح تركه مع جواز فعله و قد يطلق المكروه في الحديث على الحرام، و مكروه العبادات بمعنى الأقل ثوابا.
«و المباح»: هو ما تساوى فعله و تركه و قد يطلق عليه الحلال و الجائز و المطلق.
(المقصد الثاني) في حسن الأفعال و قبحها، هما عقليان أم لا؟.
اعلم: أن حسن بعض الأفعال- كالعدل- بمعنى استحقاق فاعله المدح و الثواب في نظر العقلاء. و قبح بعضها- كالظلم- بمعنى استحقاق فاعله الذم و العقاب، [فكذلك] مما تشهد به العقول عند من لا يعرف الشرائع، و لا يقر بالصانع مع قطع النظر عن كون تلك الافعال صفات كمال أو
[1]- في (ه) تاركه الى يدل.
نقص، و مشتملة على مصلحة أو مفسدة، و لم يخالف في ذلك غير الأشاعرة فقالوا: لا حسن و لا قبح، بهذا المعنى عقلا بل هما تابعان لأمر الشارع، فلو أمر بالظلم كان حسنا و لو نهى عن العدل صار قبيحا.
ثم القائلون بالحسن و القبح العقليين؛ اختلفوا على أربعة مذاهب.
(أولها) أن حسن الأفعال و قبحها لذواتها لا لصفات فيها تقتضي ذلك و هو قول قدماء المعتزلة.
(ثانيها): إن ذلك لصفة ذاتية حقيقة توجب ذلك، و اختاره المحقق و الطوسي[1].
(ثالثها) إن الفعل يتصف بالقبح لصفة توجب ذلك، و اتصافه بالحسن لا يحتاج إلى صفة تحسنه بل يكفيه انتفاء صفة القبح عنه، و أختاره أبو الحسين البصري[2].
(رابعها) إن ذلك ليس لذوات الأفعال و لا لصفات حقيقية[3]يقتضيها ذواتها، بل لوجوه و اعتبارات خارجة عن مقتضى ذواتها؛ كلطم اليتيم تأديبا أو ظلما، و اختاره أبو هاشم و شيخنا البهائي.
و الحق ما اختاره المحقق و الطوسي[4]، و أن القبيح لا يخرج عن قبحه- عقلا- و لكن يجوز ارتكاب أقل القبيحين لمصلحة توجبه؛ كقتل القاتل و الكذب لخلاص النبي(ص).
و اعلم: أنه كما أن الحسن و القبح عقليان، كذلك الحلّ و الحرمة
[1]- في (ه) و اختاره المحقق الطوسى.
[2]- فى (ه) ابو الحسن البصري.
[3]- في (ه) و لا الصفات حقيقة.
[4]- فى (ه) المحقق الطوسى.
و لكنهما ليسا ذاتين[1]بشيء بل لوجوه و اعتبارات؛ و لذلك جاز تبدلهما فيكون الشيء حلالا في شريعة، حراما في أخرى، و الشرع كاشف عمالا يستقل العقل بادراك حله و حرمته، و لو كانا ذاتيين لجرى ذلك فى أفعاله تعالى؛ و هو باطل اتفاقا، و الشبهة الواردة على الحسن و القبح الذاتيين أصلها اشتباه الأمر لأنها إنما ترد على من زعم أن الحلّ و الحرمة ذاتيان، و أن القبح العقلي ملزوم للحرمة.
و اعلم: أن من نفى الحسن و القبح عقلا لا يمكنه الجزم بشيء من أمور الدين، لتجويزه إجراء المعجزة على يد الكاذب و خلف الوعد منه تعالى، و يلزم منه عدم الوثوق بصدق الأنبياء و غير ذلك من المفاسد.
(المقصد الثالث)
اختلف في الأشياء التي لا يظهر للعقل حسنها و لا قبحها و لا مضرة فيها؛ كشم الورد- مثلا- ما حكمها قبل ورود الشرع؟.
فذهب بعض المعتزلة إلى إباحتها، و اختاره السيد المرتضى و العلامة و أتباعه، و ذهب بعض المعتزلة و بعض الشافعية و بعض الامامية؛ على ما نقله الشيخ في «العدة» إلى حظرها.
و ذهب الأشعري و الصيرفي و جماعة إلى [التوقف][2]إلى أن يرد الشرع بحكمها، و اختاره الشيخ الطوسي و أكثروا الكلام فى ذلك و طولوا فيه بلا طائل، و ذلك لأن المفهوم من الأحاديث الشريفة؛ أن الأشياء كلها الا ما يدرك العقل قبحه كانت قبل الشرع على الاباحة، و لكن لا فائدة لذلك عندنا الآن لورود النص بأنه لا شيء إلا و فيه حكم معين يجب طلبه
[1]- في (ه) و لكونهما ليسا ذاتيين، بل لوجوه و اعتبارات.
[2]- في الأصل «الأوقف». (ر).