بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 256

(المقصد الخامس) (فى مقدمة الواجب)

اختلف الناس فيما يتوقف الواجب عليه إذا كان مقدورا؛ هل هو واجب بنفس الخطاب الدال على ذلك الواجب، من غير إيجاب على حدة أم لا؟ و لا بدّ من تحرير محل النزاع.

فنقول: الواجب على قسمين:

(أحدهما) ما يكون وجوبه مشروطا بأمر زائد على الشروط المعتبرة في التكليف «كالزكاة» المتوقف وجوبها على حصول النصاب، «و الحج» المتوقف وجوبه على الاستطاعة، و يسمى- الواجب المقيد-، و هذا لا نزاع في عدم وجوب تحصيل شرط وجوبه.

(و ثانيهما) ما ليس كذلك «كالصلاة الواجبة» في حالتي الطهارة و الحدث؛ إلا أن[1]فعلها على الوجه المأمور به مشروطا بالطهارة شرعا، «و الحج الواجب» على المستطيع إلا أن التمكن من إيقاعه مشروط بقطع المسافة للنائي عقلا، و هذا يسمى- الواجب المطلق-، و هو محل النزاع فى وجوب ما يتوقف عليه و عدمه، و هذه المسألة من أمهات مسائل الاصول و المذاهب فيها أربعة:

«أحدها» وجوب المقدمة سواء كانت سببا- كالصعود للكون على السطح-، أو شرطا عقليا- كنصب السلم للصعود-، أو شرعيا

[1]- في (ه) على أن.


صفحه 257

- كالوضوء للصلاة-، أو عاديا- كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه-، و هو مذهب الأكثر و اختاره العلامة و المحقق الطوسي و الجلال الدوالي[1].

«و ثانيها» عدم وجوبها مطلقا، و قائله مجهول.

«و ثانيها» وجوب السبب فقط، و اختاره السيد المرتضى و السيد الشريف و الشيخ حسن.

«و رابعها» وجوب الشرط الشرعي فقط، و اختاره إمام الحرمين.

و فسر السيد المرتضى السبب بالعلة التامة و الشرط بما يلزم من عدمه عدم للشروط و لا يلزم من وجوده و لا عدمه[2].

قال في «الشافي، و الذريعة» ما حاصله: إن الامر بالشيء يدل على وجوب نفسه و لا يدل على وجوب شرطه و لا عدم وجوبه إلا بدليل من خارج، لان أمر الشارع تارة يقتضي إيجاب الفعل بعد حصول مقدماته من دون أن يكون أوجب تحصيلها بل إن حصلت وجب و إلا فلا؛ كالزكاة و الحج، و تارة يوجب مقدمات الافعال بدليل على حدة كما يوجب الفعل نفسه؛ كالطهارة للصلاة انتهى.

و اعلم: أنه ليس المراد «بوجوب المقدمة» لزوم فعلها و أنها مما لا بدّ منه إذ لا نزاع لأحد في ذلك؛ بل المراد أنه هل يرتب على فعلها ثواب على حدة غير ثواب «ذي المقدمة» و على تركها عقاب غير عقاب تركه أم لا؟.

و لو تأملت لوجدت الأدلة على ذلك كلها مدخولة إلا ما دل على وجوب السبب، نعم العمل بمقتضاها يوافق الاحتياط فيما لا نص فيه مما يتفرع عليها.

[1]- في (ه) و الجلال الدواني.

[2]- في (ه) و من وجوده وجوده و لا عدمه.


صفحه 258

(الفصل الرابع) (فى الادلة)

و هي عندنا «الكتاب و السنة» لا غير، و عند المتأخرين، هما مع الاجماع و دليل العقل. أما الكتاب و السنة فقد تقدم الكلام على كيفية العمل بهما، و أما غيرهما فالكلام عليه يستدعي خمسة مباحث:

(المبحث الاول) (فى الاجماع)

و عرفه ابن الحاجب: بأنه اجتماع المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر.

و قال شيخنا البهائي: الأنسب بمذهبنا من عدم قول المعصوم عن الاجتهاد بتبديل المجتهدين برؤساء الدين، و نفس الاجماع ليس حجة عندنا، بل هو كاشف عن قول المعصوم الذي هو الحجة.

قال المحقق في «المعتبر»: (أما الاجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة و لو حصل فى اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما؛ بل باعتبار قوله فلا تغتر إذن بمن يتحكم فيدعي الاجماع باتفاق الخمسة أو العشرة من الأصحاب، مع جهالة الباقين لا مع العلم القطعي بدخول الامام في الجملة، و لنفرض صورا ثلاثا:

«أحدها» أن يفتي جماعة، ثم لا نعلم من الباقين مخالفا فالوجه أنه ليس حجة؛ لأنا كما لا نعلم مخالفا؛ لا نعلم أن لا مخالف، و مع الجواز


صفحه 259

لا يتحقق دخول المعصوم في المفتين.

«الثانية» أن يختلف الأصحاب على قولين ففي إحداث قول ثالث تردد، أصحه أنه لا يجوز بشرط أن يعلم أن لا قائل منهم إلا بأحدهما.

«الثالثة» أن يفترقوا فرقتين و يعلم أن الامام ليس في أحدهما، فتعين الحق مع المجهولة. و هذه الفروض تعقل[1]لكن قلّ أن تتفق) انتهى كلامه.

و اعلم: أن إجماع الامامية إن تحقق ثبوته فهو حجة للقطع بدخول قول المعصوم في جملة أقوالهم، لكن قل أن يتحقق في غير ضروريات الدين أو ضروريات المذهب.

و أما غيرها فالخلاف فيه أشهر من أن يذكر و لذلك لا يعتد بأكثر [هذه] الاجماعات التي يدعيها المتأخرون لعدم القطع بدخول قول المعصوم فيها و قد تنبه لذلك السيد محمد بن أبي الحسن فى «المدارك» حيث قال في أوله (الاجماع انما يكون حجة مع- العلم القطعي- بدخول قول المعصوم فى جملة أقوال المجمعين، و لو أريد بالاجماع المعنى المشهور لم يكن حجة) انتهى كلامه.

و قال في «أوائل كتاب الطهارة»: (الاجماع إنما يكون حجة مع- العلم القطعي- بدخول قول المعصوم فى جملة أقوال المجمعين، و هذا مما يقطع بتعذره في زمن ابن إدريس و ما شاكله بل بعد انتشار الاسلام مطلقا).

و قال الشيخ حسن في «المعالم»: (الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الاجماع في زماننا هذا و ما ضاهاه من غير جهة النقل إذ لا سبيل

[1]- في (ه) تقبل.


صفحه 260

إلى العلم بقول الامام) انتهى.

ثم ذكر أن: (كل اجماع يدعى في كلام الأصحاب مما يقرب من عصر الشيخ إلى زماننا هذا و ليس مستندا إلى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر، أو مع القرائن المفيدة للعلم، فلا بد من أن يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة).

ثم ذكر بعد ذلك: (أنه يمكن الاطلاع على الاجماع في الزمان المقارب لعصر ظهور الأيمة- ع- و إمكان العلم بأقوالهم فيمكن فيه حصول الاجماع و العلم به بطريق التتبع) انتهى كلامه.

أقول: يمكن أن يحصل لنا ما هو في حكم الاجماع و ذلك في ثلاث صور:

«أحدها» أن يرد حديث و يتكرر في الكتب المشهورة الآن و لا معارض له؛ فيجب العمل به لأنه مجمع على قبوله:

«و الثانية» أن يرد حديثان و نرى القدماء كلهم أو أكثرهم عملوا بأحدهما دون الآخر؛ فيجب العمل به لان عملهم كاشف عن كونه ورد من باب بيان ما هو الحق في الواقع، و الآخر ورد للتقية و هذا مصرح به في رواية عمر بن حنظلة.

«و الثالثة» أن نرى فتوى الصدوقين و المفيد و المرتضى و الشيخ في حكم، فهذا أيضا حجة و إن لم نجد به نصا لما بيناه من طريقهم، فاتفاقهم لا يكون إلا عن نص قاطع.

و قد تحير المتأخرون في الاجماعات الواقعة في كلام بعض القدماء؛ كالمرتضى و الشيخ لأنهم ربما نقلوا الاجماع على الشيء و على ضده في مكان آخر.

و اعتذر الشهيد الاول عن ذلك بأن مرادهم بالاجماع الشهرة في ذلك


صفحه 261

الوقت، أو عدم اطلاعهم فيه على مخالف صوتا لكلامهم عن التهافت.

و قال الشهيد الثاني بعد أن نقل المسائل التي ادعى الشيخ الاجماع عليها ثم ناقض نفسه في مكان آخر فادعاه على خلافها: (قد أفردنا هذه المسائل للتنبيه على أن لا يغتر[1]الفقيه بدعوى الاجماع، فقد وقع فيه الخطأ و المجازفة كثيرا من كل واحد من الفقهاء سيما من الشيخ و المرتضى) انتهى.

أقول: ما تكلفه الشهيد الاول (ره) من العذر لا يحتاج إليه، و كيف كان فقد أحسن الادب معهم. و أما الشهيد الثاني فما زاد على أن خطأ السيد و الشيخ و غيرهما و نسبهم إلى المجازفة، لظنه أن طريق القدماء و المتأخرين واحدة و أن من خالفه مخطئ، و عدم اطلاعه على أن عمل القدماء بالاصول التي أحدثها العامة ظاهر للالزام لهم بما لم ينكروه، لا أن ذلك دليل عندهم كما يزعمه المتأخرون، و خصوصا الاجماع فانه أشهر أدلة العامة، بل هو أساس ضلالهم، و مع ذلك فقد ناقض الشهيد الثاني نفسه فى أماكن عديدة.

منها ما نقله السيد محمد في «المدارك» فى مسألة وجوب، غسل القطعة إذا كان فيها عظم، قال ما هذا لفظه: (هذا الحكم ذكره الشيخان و أتباعهما، و احتج عليه في «الخلاف» باجماع الفرقة و اعترف جمع من الاصحاب بعدم الوقوف في ذلك على نص؛ لكن قال جدي:

ان نقل الاجماع من الشيخ كاف في ثبوت الحكم؛ بل ربما كان أقوى من النص، و هو مناف لما صرح به- ره- في عدة مواضع من التشنيع على مثل هذا الاجماع و المبالغة في انكاره) انتهى كلامه.

[1]- في (د) على أن لا يغتي.


صفحه 262

و الحق أن دعوى الاجماع من القدماء على الشيء و ضده انما يكون في قولين للطائفة يستندان[1]الى خبرين مختلفين؛ حكموا بصحتهما و جواز العمل بهما من باب التسليم و الرخصة؛ كما هو طريقهم في التخيير في العمل بالخبرين اذا لم يترجح أحدهما على الآخر فصحّ ادعاء الاجماع على كل من القولين المستندين إليهما، و ليس هذا من التضاد في شيء كما تقدم تحقيقه، و يدل على ما قلناه أنك لا تراهم ادعوا الاجماع على شيء و ضده الا و هناك خبران مختلفان دالان على القولين.

و أما الاجماعات المنقولة في كتب المتأخرين فان دلت القرائن على ثبوتها بأن كانت على حكم ضروري الثبوت، أو وافقت إحدى الصور الثلاث التي ذكرناها فهي حق، و ان كانت نقلا عن القدماء؛ و لم يكن هناك مخالف فحجة أيضا، و مع وجود المخالف ننظر فيها، و كثيرا ما نرى من المتأخرين يخطئ بعضهم بعضا فى نقل الاجماع و ينقلون خلافه.

و من غفلات المتأخرين أنهم يطرحون الخبر إذا عارض اجماعهم الذي يدعونه مع أن نسبة الاجماع الى قول المعصوم اجمالية و الخبر ينسب إليه تفصيلا فبينهما بون.

فان قلت: نسبة الخبر إليه في ضمن الاجماع قطعي؛ و لا في ضمنه ظني.

قلت: هذا انما يصح لو قطع باشتمال الاجماع على قول المعصوم، و قد بينا أن اجماعاتهم هذه دعاوى لا تثبت مع وجود المخالف و ظهور النص بخلافها و لو استندت الى نص لظهر لتوفر الدعاوى على نقله، و لو صحت لزم تفسيق المخالف لها و هم لا يقولون به.

[1]- في (ه) يستند.


صفحه 263

و بالجملة تحقق أكثر إجماعات المتأخرين غير ثابت على الوجه المعتبر في الاجماع عند الامامية؛ فينبغي الاعراض عما لم يثبت منها و العمل بالنص الثابت.

و مما يدل على أن أصل الاجماع من مخترعات العامة، ما رواه في «الكافي» من جملة رسالة كتبها الصادق(ع)إلى أصحابه يقول فيها:

(و قد عهد رسول اللّه- ص- قبل موته، فقالوا: نحن بعد ما قبض اللّه عز و جل رسوله يسعنا أن نأخذ بما أجمع عليه رأي الناس. ثم قال- ع- فما أحد [أجرأ] على اللّه و لا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك) انتهى.

(المبحث الثاني) (فى الاستصحاب)

و هو يطلق على ثلاثة معان:

«أحدها» استصحاب نفي الحكم الشرعي إلى أن يرد ما يدل عليه؛ و هو المعبر عنه بالبراءة الأصلية، و يأتي الكلام عليه.

«و ثانيها» استصحاب حكم العموم إلى أن يرد المخصص أو الناسخ.

«و ثالثها» استصحاب الحكم الشرعي وجوديا كان أو عدميا فى الزمن الثاني تعويلا على ثبوته في الأول من غير نظر إلى شيء آخر.

و توضيحه: أن يثبت حكم بدليل شرعي في حالة، ثم تطرأ حالة أخرى لا نعلم تناول الحكم لها إذ لو تناولها لتساوتا فيه، و لم يكن استصحاب و كذلك لا نعلم ما يدل على انتفائه أيضا فيها، فهل يحكم ببقاء ذلك الحكم؟ و هو المراد بالاستصحاب هنا أم لا بدّ للحكم ببقائه في الوقت