بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 267

فأمسك) انتهى.

فانظر كيف أنطق اللّه هؤلاء بالحق؛ مع أن عمدة أصولهم العمل بالقياس و البراءة الأصلية.

و اعلم: أن حكم البراءة بعد ثبوت صحة أحاديثنا قليل الجدوى، لأن كل ما تعم به البلوى موجود فيها، و ترجيح العمل بالبراءة على ما لم يرده[1]الثقة الامامي منها؛ غفلة منشؤها عدم التأمل لاجماع «الأصوليين» على أن أصل البراءة إنما يفيد الظن لا غير و هذه الأخبار التي يطرحونها إذا عارضتها لا تقصر عن إفادة الظن بمجردها، فكيف إذا شهد لها مثل الكليني و الصدوق بالصحة، مع معرفتهما بحال رواتها في جرحهم و تعديلهم، فلو لم يجزموا بصدقهم فيها لما حكموا بصحتها.

فانظر بعقلك أي الظنين أحق بالاتباع، ظن يستند إلى قول المعصوم، أو ظن يستند إلى قول فلان و فلان؟!!.

و لقد ضيق على نفسه و على غيره من يطرح (أعني كالشهيد الثاني- ره-)[2]الاحاديث الحسان و الموثقات إذا خالفت الاصل، فان الحسن لوقوع مثل ابراهيم بن هاشم فى طريقه، و الموثق لوقوع مثل الحسن بن فضال في طريقة، لا يقصر عن إفادة الظن الذي يعتبره و يعمل به عند من عرف أحوال الرجال؛ بل الطعن فى رواية ابراهيم بن هاشم؛ يوجب الطعن في ولده، على أنه لم يرد عن غير أبيه إلا نادرا[3]، و روايته

[1]- في (ه) ما لم يروه.

[2]- ما بين القوسين عن (ه) فقط.

[3]- فى (ه) كما يلي: (يوجب الطعن في ولده على؛ لأنه لم يرو عن غير أبيه الا نادرا).


صفحه 268

عن أبيه دائما مع كونه غير معتمد يوجب تساهله في الرواية و عدم الاعتماد عليه، بل يوجب الطعن في الكليني أيضا لان أكثر رواياته عنه، و ما أظن أحدا من مقلدة الامامية- فضلا عن علمائهم- يرضى بذلك أو يجوزه.

فان قلت: إن الشهيد الاول صرح فى «الذكرى» بأن الاصل يفيد اليقين[1]فلا تعارضه أخبار المجروحين.

قلت: لو صح هذا لبطل التكليف؛ لان خبر العدل الامامي غاية ما يفيد الظن الغالب عندكم، و هو لا يعارض اليقين فيجب طرحه عند المعارضة أيضا، و أنتم لا تقولون بذلك، فعد هذا القول غفلة من الشهيد؛ أولى من جعله مذهبا له.

فان قلت: روى الصدوق عن الصادق(ع)أنه قال: «كل شيء مطلقا[2]حتى يرد فيه نهي» و هذا هو معنى البراءة الاصلية.

قلت: ظاهر الحديث و عمومه معارض بالأحاديث الكثيرة الدالة على وجوب التوقف و الاحتياط في ما لم يظهر لنا حكمه.

و النهي قسمان: عام و خاص، و العام قد بلغنا: و هو النهي عن القول بغير علم، و إيجاب التوقف و الاحتياط و السؤال من العلماء، و إنما معنى هذا الحديث الشريف أنه لا يتعلق بأحد حكم التكاليف الشرعية، و لا يؤاخذ بفعلها و لا تركها إلا بعد بلوغ الخطاب من الشارع، و هو يدل على الرخصة، و العفو عن فعل وجودي ليس فيه مفسدة توجب المنع منه و لم يصل إلينا فيه بخصوصه نهي، فاذا فعلنا لم نكن مؤاخذين.

[1]- في (ه) يفيد القطع.

[2]- فى (ه) مطلق.


صفحه 269

و قد ورد في هذا المعنى أحاديث أخر نحو قول الصادق(ع): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» و قول النبي(ص): «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما لا يعلمون ...

الحديث».

و كل ذلك يدل على العفو عن الغافل و الجاهل و عدم المؤاخذة، لا على ظن نفي الحكم الذي هو معنى البراءة الأصلية.

و يدل على أن معنى هذه الاحاديث ذلك، ما ذكره الشيخ المفيد في مسألة أملاها في تفسير الحديث المشهور: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، قال: (الممتحن بحادث يجب عليه أن يرجع فى ذلك إلى العلماء من شيعة الامام ليعلم ذلك من جهتهم ... ثم قال- ره-:

إن كان الحادث مما لا يعلم بالسمع إباحته من حظره فانه على الاباحة إلى أن يقوم دليل سمعي على حظره، و هذا الذي وصفناه، إنما جاز للمكلف الاعتماد عليه و الرجوع إليه عند الضرورة لفقد الامام المرشد، و لو كان الامام ظاهرا ما وسعه غير الرد إليه و العمل على قوله) انتهى كلامه.

و هو يدل على أن عادم العلم بالحكم الشرعي بعد التفحص عنه غير مؤاخذ في تركه و لا مكلف به من باب الرخصة، حيث أنه بذل جهده فهو معذور عند اللّه تعالى، و لا يدل على نفي نفس الحكم بل و لا على حصول الظن بنفيه في الواقع كما هو معنى البراءة عند من يقول بها، و هذا هو المفهوم من الاحاديث الشريفة، و اللّه الموفق، إذا عرفت هذا:

فاعلم أن الحيرة قد تكون فى وجوب فعل وجودي و عدم وجوبه، أو فى حرمة فعل وجودي و جوازه- مثلا- و قد تمسك العامة و المتأخرون من الخاصة فى المقامين بالبراءة الاصلية و بعد أن نطق الكتاب با كمال الدين و صرحت


صفحه 270

الاحاديث بأنه لا واقعة إلا و فيها حكم معين يجب طلبه من عند أهله، و ما لم يعلم من جهتهم يجب التوقف عن تعيينه، فلا يبقى للبراءة الأصلية حكم في نفي شيء من الاحكام فمن شاء أطاع الحق و من شاء أبى.

(المبحث الرابع)

في التمسك بأن عدم ظهور مدرك شرعي لحكم عند المجتهد بعد تفتيشه، مدرك شرعي لعدم ذلك الحكم في الواقع.

أقول: هذا إنما يتجه على مذهب العامة المجوزين لخلو بعض الوقائع عن حكم نقلي؛ لأن النبي(ص)أظهر جميع ما أوحي إليه و لم يخص أحدا بشيء من العلم، فان وجد المجتهد الحكم في الأدلة النقلية، و إلا استنبطه برأيه.

و أما على أصول الإمامية من أن على كل مسألة دليلا معينا يجب الرجوع فيه إلى الأيمة(ع)فلا يتجه.

و خالف المحقق (ره) فيه المتأخرين الا في صورة واحدة أشار إليها في «المعتبر» حيث قال عند ذكر الأدلة ما هذا لفظه: (الثاني: أن يقال عدم الدليل على كذا؛ فيجب انتفاؤه، و هذا يصح فيما يعلم أنه لو كان هناك دليل يظفر به، أما لا مع ذلك فانه يجب التوقف، و لا يكون ذلك الاستدلال حجة، و منه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب أو الحظر) انتهى.

و قال في «أصوله»: (اعلم: أن الأصل خلو الذمة من الشواغل الشرعية، فاذا ادعى مدع حكما شرعيا جاز لخصمه أن يتمسك فى انتفائه بالبراءة الاصلية، فيقول[1]: لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان

[1]- في (ه) فنقول.


صفحه 271

عليه دلالة شرعية لكن ليس كذلك فيجب نفيه، و لا يتم هذا الدليل إلا ببيان مقدمتين.

«أحدهما» أنه لا دلالة شرعا بأن يضبط طرق الاستدلال من الشرعية و يبين عدم دلالتها عليه.

«و الثانية» أن يبين أنه لو كان هذا الحكم ثابتا لدل عليه واحد من تلك الدلائل؛ لأنه لو لم يكن عليه دلالة، لزم التكليف بما لا طريق للمكلف إلى العلم به؛ و هو تكليف بما لا يطاق، و لو كان عليه دلالة غير تلك الأدلة لما كانت أدلة الشرع منحصرة فيها لكن بينا انحصار الأحكام فى تلك الطرق و عند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم و اللّه أعلم) انتهى كلامه.

و تحقيق الحق فيه أن المحدث الماهر إذا تتبع جميع الأحاديث المروية عنهم- ع- في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للأصل؛ لنقل و اشتهر بكون تلك المسألة مما يتكرر[1]و تعم به البلوى، و يكثر السؤال عنه، فلم يظفر به فينبغي أن يقطع بعدمه عادة، و بأن حكمها موافق للأصل؛ لأن العادة جرت بأن مثل هذه المسألة لو أورد فيها حكم يخالف الأصل لنقل لتوفر الدواعي على نقله، و حرص أصحاب الأيمة(ع)و القدماء على تحقيق ما لا بدّ منه من أمور الدين، و انحصار علمهم في النقل لا غير ففي مثل هذه الصورة يجوز التمسك؛ بأن عدم ظهور الدليل على حكم مخالف للاصل دليل على عدم ذلك الحكم في الواقع، و ذلك نحو؛ نجاسة الغسالة و غير ذلك مما لم يرد فيه نص بخصوصه، مع عموم[2]البلوى (به

[1]- في (ه) و اشتهر لكون تلك المسألة مما يذكر و تعم به البلوى.

[2]- فى (ه) مع عدم عموم.


صفحه 272

و شدة الحاجة إليه و أما غير ذلك مما لا يتكرر و لا تعم به البلوى)[1]فيجب التوقف فيه عن نفي الحكم و إثباته إلا بالنص.

(المبحث الخامس) (فى القياس و الاستحسان)

أما القياس فبطلانه من ضروريات مذهب الامامية، فلا حاجة إلى الكلام عليه، لكن قد استثنوا منه صورتين و عملوا بهما:

(أحدهما) منصوص العلة؛ كأن يقول الشارع: «حرمت الخمر لاسكارها» فانه يدل على تحريم كل مسكر بوجود علة تحريم الخمر فيه.

(و الثانية) دلالة المفهوم الموافق بأن يكون الحكم أو الحال في السكوت عنه[2]موافقا له في محل النطق إثباتا أو نفيا؛ نحو قوله تعالى:«فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ»[3]فالتأفف محل النطق؛ و علم منه حال الضرب و هو غير محل النطق مع الاتفاق فى الحكم، و هو إثبات الحرمة و يسمى «فحوى الخطاب» أي معناه لأنه يفهم منه غير المذكور على سبيل القطع، و يسمى أيضا «لحن الخطاب» أي مفهومه و معناه، و يسمى «القياس الجلي» عند من جعله من القياس، «و القياس بطريق الاولى» لانه أولى من المنطوق و لا خلاف فى كونه حجة.

و أما الاول ففيه خلاف بين المتأخرين و الحق أنهما ليسا من القياس في شيء بل الاول قاعدة كلية متلقاة من الشارع فهي من جملة الاصول

[1]- ما بين القوسين لا يوجد فى (ه).

[2]- في (ه) المسكوت عنه.

[3]- سورة الأسراء. آية/ 23.


صفحه 273

الحقة. و الثاني يفهم من فحوى اللفظ.

و أما الاستحسان فقالوا: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته، و قد ذهب إليه الحنفية و الحنابلة، و أنكره غيرهم، و يظهر من العلامة اعتباره لانه قال في «التهذيب»: (إن حصل للمجتهد شك فيه لم يجز العمل به إجماعا و إلا وجب العمل به اتفاقا) انتهى.

و الحق منع العمل به لعدم الاذن فيه شرعا لأنه من جملة الرأي المذموم و نحن مأمورون بالرجوع إلى أيمة الهدى(ع)عند الحيرة، و اللّه الهادي.

(الفصل الخامس) في مشتركات الكتاب و السنة، و فيه مباحث:

(المبحث الاول) في الأمر، و فيه سبع مسائل:

(الأولى) الأمر: و هو طلب الفعل بالقول[1]على جهة الاستعلاء،

و الصيغة الدالة عليه «افعل» أو ما فى معناها.

(الثانية) اختلف «الأصوليون» فى مدلول هذه الصيغة

على خمسة عشر قولا، و الأكثر على أنها- حقيقة- فى الايجاب،- مجاز- في غيره، و اختاره الفخر الرازي و العلامة في «التهذيب» و المحقق و ابن الحاجب و قال أبو هاشم و بعض المعتزلة و العامة: إنها حقيقة في الندب[2].

و قال قوم: إنها حقيقة فى الايجاب و الندب [مشتركة] بينهما اشتراكا لفظيا بحسب اللغة، و اختاره المرتضى لكن قال: إنها إذا وردت في كلام الشارع

[1]- في (ه) بالنور.

[2]- في (ه) انها حقيقة حقيقة.


صفحه 274

يجب حملها على الوجوب لأن عرف الشارع خصها بذلك حتى لا يتبادر إلى الفهم غيره، و لا تدل فى الكتاب و السنة على الندب إلا مع القرينة.

و قال قوم: هي حقيقة في الايجاب و الندب، مشتركة بينهما اشتراكا معنويا بمعنى أنها موضوعة للقدر المشترك بينهما.

و قال الأشعري و الباقلاني و الآمدي: بالوقف؛ بمعنى أنها موضوعة إما للوجوب أو للندب، أولهما بالاشتراك اللفظي، و لكن لا نعلم الواقع بعينه.

و قال قوم: بالوقف؛ بمعنى أنها حقيقة إما في الوجوب فقط أو في الندب فقط، أو مشتركة بينهما اشتراكا لفظيا أو معنويا، و لكن لا نعلم الواقع ما هو من الأقسام الأربعة، و هذا الوجه و ما قبله منقولان عن الغزالي.

و قال أبو بكر الابهري من المالكية: إنها إذا وردت في القرآن فهي للوجوب، و أما فى كلام الرسول(ص)فان كان عن وحي فهي للوجوب و الا فللندب.

و قال قوم: هي مشتركة بين الاحكام الخمسة؛ الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الاباحة.

و قال القاضي عبد الجبار: هي حقيقة فى إرادة الامتثال فقط، و الوجوب و غيره يعلم من القرآن.

و قال إمام الحرمين و السبكي و جماعة: إنها حقيقة فى الطلب الجازم من جهة اللغة و كون هذا الطلب متواعدا[1]عليه شيء آخر ثابت في أمر الشرع بدليل من خارج، و حينئذ فالوجوب مستفاد بهذا التركيب

[1]- في (ه) متوعدا عليه.