الاحاديث بأنه لا واقعة إلا و فيها حكم معين يجب طلبه من عند أهله، و ما لم يعلم من جهتهم يجب التوقف عن تعيينه، فلا يبقى للبراءة الأصلية حكم في نفي شيء من الاحكام فمن شاء أطاع الحق و من شاء أبى.
(المبحث الرابع)
في التمسك بأن عدم ظهور مدرك شرعي لحكم عند المجتهد بعد تفتيشه، مدرك شرعي لعدم ذلك الحكم في الواقع.
أقول: هذا إنما يتجه على مذهب العامة المجوزين لخلو بعض الوقائع عن حكم نقلي؛ لأن النبي(ص)أظهر جميع ما أوحي إليه و لم يخص أحدا بشيء من العلم، فان وجد المجتهد الحكم في الأدلة النقلية، و إلا استنبطه برأيه.
و أما على أصول الإمامية من أن على كل مسألة دليلا معينا يجب الرجوع فيه إلى الأيمة(ع)فلا يتجه.
و خالف المحقق (ره) فيه المتأخرين الا في صورة واحدة أشار إليها في «المعتبر» حيث قال عند ذكر الأدلة ما هذا لفظه: (الثاني: أن يقال عدم الدليل على كذا؛ فيجب انتفاؤه، و هذا يصح فيما يعلم أنه لو كان هناك دليل يظفر به، أما لا مع ذلك فانه يجب التوقف، و لا يكون ذلك الاستدلال حجة، و منه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب أو الحظر) انتهى.
و قال في «أصوله»: (اعلم: أن الأصل خلو الذمة من الشواغل الشرعية، فاذا ادعى مدع حكما شرعيا جاز لخصمه أن يتمسك فى انتفائه بالبراءة الاصلية، فيقول[1]: لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان
[1]- في (ه) فنقول.
عليه دلالة شرعية لكن ليس كذلك فيجب نفيه، و لا يتم هذا الدليل إلا ببيان مقدمتين.
«أحدهما» أنه لا دلالة شرعا بأن يضبط طرق الاستدلال من الشرعية و يبين عدم دلالتها عليه.
«و الثانية» أن يبين أنه لو كان هذا الحكم ثابتا لدل عليه واحد من تلك الدلائل؛ لأنه لو لم يكن عليه دلالة، لزم التكليف بما لا طريق للمكلف إلى العلم به؛ و هو تكليف بما لا يطاق، و لو كان عليه دلالة غير تلك الأدلة لما كانت أدلة الشرع منحصرة فيها لكن بينا انحصار الأحكام فى تلك الطرق و عند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم و اللّه أعلم) انتهى كلامه.
و تحقيق الحق فيه أن المحدث الماهر إذا تتبع جميع الأحاديث المروية عنهم- ع- في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للأصل؛ لنقل و اشتهر بكون تلك المسألة مما يتكرر[1]و تعم به البلوى، و يكثر السؤال عنه، فلم يظفر به فينبغي أن يقطع بعدمه عادة، و بأن حكمها موافق للأصل؛ لأن العادة جرت بأن مثل هذه المسألة لو أورد فيها حكم يخالف الأصل لنقل لتوفر الدواعي على نقله، و حرص أصحاب الأيمة(ع)و القدماء على تحقيق ما لا بدّ منه من أمور الدين، و انحصار علمهم في النقل لا غير ففي مثل هذه الصورة يجوز التمسك؛ بأن عدم ظهور الدليل على حكم مخالف للاصل دليل على عدم ذلك الحكم في الواقع، و ذلك نحو؛ نجاسة الغسالة و غير ذلك مما لم يرد فيه نص بخصوصه، مع عموم[2]البلوى (به
[1]- في (ه) و اشتهر لكون تلك المسألة مما يذكر و تعم به البلوى.
[2]- فى (ه) مع عدم عموم.
و شدة الحاجة إليه و أما غير ذلك مما لا يتكرر و لا تعم به البلوى)[1]فيجب التوقف فيه عن نفي الحكم و إثباته إلا بالنص.
(المبحث الخامس) (فى القياس و الاستحسان)
أما القياس فبطلانه من ضروريات مذهب الامامية، فلا حاجة إلى الكلام عليه، لكن قد استثنوا منه صورتين و عملوا بهما:
(أحدهما) منصوص العلة؛ كأن يقول الشارع: «حرمت الخمر لاسكارها» فانه يدل على تحريم كل مسكر بوجود علة تحريم الخمر فيه.
(و الثانية) دلالة المفهوم الموافق بأن يكون الحكم أو الحال في السكوت عنه[2]موافقا له في محل النطق إثباتا أو نفيا؛ نحو قوله تعالى:«فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ»[3]فالتأفف محل النطق؛ و علم منه حال الضرب و هو غير محل النطق مع الاتفاق فى الحكم، و هو إثبات الحرمة و يسمى «فحوى الخطاب» أي معناه لأنه يفهم منه غير المذكور على سبيل القطع، و يسمى أيضا «لحن الخطاب» أي مفهومه و معناه، و يسمى «القياس الجلي» عند من جعله من القياس، «و القياس بطريق الاولى» لانه أولى من المنطوق و لا خلاف فى كونه حجة.
و أما الاول ففيه خلاف بين المتأخرين و الحق أنهما ليسا من القياس في شيء بل الاول قاعدة كلية متلقاة من الشارع فهي من جملة الاصول
[1]- ما بين القوسين لا يوجد فى (ه).
[2]- في (ه) المسكوت عنه.
[3]- سورة الأسراء. آية/ 23.
الحقة. و الثاني يفهم من فحوى اللفظ.
و أما الاستحسان فقالوا: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته، و قد ذهب إليه الحنفية و الحنابلة، و أنكره غيرهم، و يظهر من العلامة اعتباره لانه قال في «التهذيب»: (إن حصل للمجتهد شك فيه لم يجز العمل به إجماعا و إلا وجب العمل به اتفاقا) انتهى.
و الحق منع العمل به لعدم الاذن فيه شرعا لأنه من جملة الرأي المذموم و نحن مأمورون بالرجوع إلى أيمة الهدى(ع)عند الحيرة، و اللّه الهادي.
(الفصل الخامس) في مشتركات الكتاب و السنة، و فيه مباحث:
(المبحث الاول) في الأمر، و فيه سبع مسائل:
(الأولى) الأمر: و هو طلب الفعل بالقول[1]على جهة الاستعلاء،
و الصيغة الدالة عليه «افعل» أو ما فى معناها.
(الثانية) اختلف «الأصوليون» فى مدلول هذه الصيغة
على خمسة عشر قولا، و الأكثر على أنها- حقيقة- فى الايجاب،- مجاز- في غيره، و اختاره الفخر الرازي و العلامة في «التهذيب» و المحقق و ابن الحاجب و قال أبو هاشم و بعض المعتزلة و العامة: إنها حقيقة في الندب[2].
و قال قوم: إنها حقيقة فى الايجاب و الندب [مشتركة] بينهما اشتراكا لفظيا بحسب اللغة، و اختاره المرتضى لكن قال: إنها إذا وردت في كلام الشارع
[1]- في (ه) بالنور.
[2]- في (ه) انها حقيقة حقيقة.
يجب حملها على الوجوب لأن عرف الشارع خصها بذلك حتى لا يتبادر إلى الفهم غيره، و لا تدل فى الكتاب و السنة على الندب إلا مع القرينة.
و قال قوم: هي حقيقة في الايجاب و الندب، مشتركة بينهما اشتراكا معنويا بمعنى أنها موضوعة للقدر المشترك بينهما.
و قال الأشعري و الباقلاني و الآمدي: بالوقف؛ بمعنى أنها موضوعة إما للوجوب أو للندب، أولهما بالاشتراك اللفظي، و لكن لا نعلم الواقع بعينه.
و قال قوم: بالوقف؛ بمعنى أنها حقيقة إما في الوجوب فقط أو في الندب فقط، أو مشتركة بينهما اشتراكا لفظيا أو معنويا، و لكن لا نعلم الواقع ما هو من الأقسام الأربعة، و هذا الوجه و ما قبله منقولان عن الغزالي.
و قال أبو بكر الابهري من المالكية: إنها إذا وردت في القرآن فهي للوجوب، و أما فى كلام الرسول(ص)فان كان عن وحي فهي للوجوب و الا فللندب.
و قال قوم: هي مشتركة بين الاحكام الخمسة؛ الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الاباحة.
و قال القاضي عبد الجبار: هي حقيقة فى إرادة الامتثال فقط، و الوجوب و غيره يعلم من القرآن.
و قال إمام الحرمين و السبكي و جماعة: إنها حقيقة فى الطلب الجازم من جهة اللغة و كون هذا الطلب متواعدا[1]عليه شيء آخر ثابت في أمر الشرع بدليل من خارج، و حينئذ فالوجوب مستفاد بهذا التركيب
[1]- في (ه) متوعدا عليه.
من الشرع و اللغة فقد وافق القائلين بالوجوب، و لكن خالفوهم في هذا التركيب.
أقول: أنظر إلى هذه الكلمة المتداولة على الالسن و إختلاف هؤلاء العقلاء في حقيقة مدلولها حيث اعتمدوا على ما تدركه عقولهم فكيف يصح الاعتماد في استنباط الاحكام المنوطة بالحكم حقيقة على غير المعصوم.
و لو راجع ذو الطبع السليم وجدانه لوجد الامر المجرد عن القرائن يدل لغة على الطلب الجازم، و يلزم منه توجه اللوم على المخالفة، و هو في كل شيء بحسبه، و لا معنى لتوجه اللوم شرعا، إلا استحقاق العقاب، و هو علامة الوجوب؛ كما قال امام الحرمين، و أما الندب و غيره فلا يفهم الا مع القرينة، هذا حكم السليقة. و من أراد اثبات ذلك بالجدل و البحث تعذر عليه.
(الثالثة): اختلف في الامر الوارد بعد الحظر،
فقال قوم: انه للاباحة؛ لان كل ما ورد منه في القرآن أ موافق لذلك؟ و كذلك في العرف؛ كما اذا نهى السيد عبده عن أمر ثم قال له بعد ذلك: افعله.
و قال العلامة و البيضاوي و الرازي: انه للوجوب؛ و لا يدل على غيره الا بقرينة.
و قال قوم: انه للندب. و قال امام الحرمين: بالوقف. و قال السيد المرتضى: انه من حيث هو لا يفيد وجوبا و لا ندبا، بل ان كان الحظر بعد أمر سابق يدل على الوجوب؛ فهو للوجوب، أو على الندب؛ فللندب، أو مترددا بين الوجوب و الندب فكذلك، أو إباحة فكذلك و اختاره العضدي.
(الرابعة) لا اشعار في صيغة الامر بحسب الوضع
بوحدة و لا تكرار
و انما يفهم ذلك من القرينة؛ لانها موضوعة لطلب الماهية من حيث هي، و فهم المرة منها لا لانها موضوعة لها؛ بل لأن ادخال الماهية فى الوجود لا يتأتى بأقل منها، فلا بد من المرة، و اختاره المرتضى و العلامة و الرازي و ابن الحاجب و الشيخ حسن و شيخنا البهائي.
و قال أبو الحسن البصري[1]: بالوحدة فقط. و قال الأسفراني:
بالتكرار؛ بحيث يستوعب مدة العمر إن أمكن.
و قال امام الحرمين: بالوحدة مع التوقف في الزائد بحيث لا يقتضي فيه بنفي و لا اثبات، و اختاره ابن زهرة.
(الخامسة) الامر لطلب نفس الفعل من غير دلالة على فور أو تراخ
لعدم دلالته على تعين أحدهما الا بالقرينة، و الفورية المستفادة في بعض الاوامر؛ كالمبادرة الى إخراج الزكاة و الحج عند وجوبهما، فمن دليل خارج؛ و اختاره المحقق و العلامة و الشافعي و الرازي و البيضاوي و ابن الحاجب. و قال الشيخ الطوسي و الحنفية و المالكية و الحنابلة: بالفورية.
و قال الجبائيان و أبو الحسين البصري و جماعة: بالتراخي؛ بمعنى جواز تأخيره عن أول أوقات الامكان.
و قال قوم: بالوقف؛ بمعنى أنه يحتمل الفور و التراخي، و متى لم تدل قرينة على جواز التراخي نقطع بالفورية، و اختاره السيد المرتضى، و هو مبني على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
(السادسة) الامر بالشيء في وقت معين إذا لم يفعل فيه؛
هل يحتاج إيقاعه في غيره إلى أمر آخر أم لا؟
الشيخ الطوسي و أكثر المحققين على أنه لا بدّ في وجوب القضاء من أمر
[1]- في (ه) أبو الحسين البصري.
جديد. و قال قوم: الاول كاف في وجوب القضاء.
(السابعة) الامر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده أم لا؟
السيد المرتضى و الغزالي و أكثر المعتزلة: أنه لا يقتضي ذلك أصلا، لا عن ضده العام و لا عن الخاص.
و قال المحقق: إنه ليس نهيا عن ضده من حيث اللفظ؛ بل من حيث المعنى، فان الامر بالوجوب يدل على إرادته و كراهة ضده.
و قال الباقلاني: إن الامر بالشيء نهي عن ضده، لا بمعنى أنه عينه؛ بل الامر به و النهي عن ضده حصلا بجعل واحد، كما أن الامر بالشيء أمر بمقدمته و المراد أنه يستلزمه.
و قال جماعة من العامة: إنه عين النهي عن ضده. و قال العلامة و الشيخ حسن و الشيخ البهائي: إنه يقتضي النهي عن ضده العام؛ بمعنى تركه، لان الضد له معنيان؛ خاص: و هو جزئي معين من الجزئيات التي لا تجامع المأمور به، كالقعود بالنسبة إلى القيام، و عام: و هو قسمان؛ أحدهما:
تركه، و الآخر: أحد أضداده الوجودية لا بعينه، و هذا أيضا يرجع الى الضد الخاص.
و توقف شيخنا البهائي في استلزام الامر بالشيء؛ النهي عن ضده الخاص، لتعارض الادلة و ضعفها، إلا ما دل على الترك.
و هذه المسألة من أمهات مسائل «الاصول» و ترى اختلاف العقلاء فيها، فكيف يوثق بها و بامثالها بان تجعل مدركا لاحكامه تعالى، بل لا مخلص من الحيرة الا التمسك بأئمة الهدى(عليهم السلام).