القاضي أبو بكر: بالوقف؛ بمعنى أنّا لا ندري أوضعت للعموم وحده فتكون له، أو وضعت له و للخصوص فتكون مشتركة؟.
(الثالثة) أقل مراتب صيغ الجمع ما هو؟
فيه أربعة أقوال:
«أولها» ثلاثة- حقيقة- و تطلق على الاثنين- مجازا- نقل ذلك عن ابن عباس، و اختاره المعتزلة و أبو حنيفة و الشافعي و الفخر الرازي و ابن الحاجب و العلامة.
«و ثانيها» أنها للثلاثة- حقيقة- و تطلق على الاثنين و على الواحد- مجازا-، و اختاره إمام الحرمين.
«و ثالثها» أنها للاثنين حقيقة.
«و رابعها» أنها للثلاثة- حقيقة-، و لا تطلق على الاثنين حقيقة و لا مجازا.
(الرابعة) اسم الجنس ما دل على ذات صالحة.
لأن تصدق على كثيرين، و هو على قسمين: جمعي و أفرادي، «فالأول» ما خص في الاستعمال بالصدق على ثلاثة فما فوقها و هو على ثلاثة أقسام:
أولها: ما يفرق بينه و بين واحده بالتاء و هي في واحده؛ كتمر و تمرة.
و ثانيها: ما تكون التاء فيه دون الواحد نحو؛ كمأ و كمأة.
و ثالثها: ما يفرق بينه و بين واحده بياء النسب و هي في واحده؛ كروم و رومي.
«و الثاني» على قسمين:
أولهما: ما يكون صادقا على الكل و البعض؛ أي بعض كان؛ كالماء.
و ثانيها: ما لا يكون كذلك، كالانسان و رجل، فان الانسان- مثلا- إنما يصدق على أفراده؛ و أفراد النوع أشخاص، فلو صدق على مجموع
الأفراد أو على جملة منها لكان المصدوق عليه فردا من أفراده و جزئيا من جزئياته، و هو باطل لما قدمنا، إذا عرفت هذا:
فأعلم أن القول بأن- اسم الجنس- يصدق على القليل و الكثير، من باب خلط أحد قسمي- اسم الجنس الافرادي- بالآخر.
(المبحث الرابع) (فى الخاص)
(التخصيص): هو قصر العام على بعض مسمياته؛ كعشرة، و هو أعم من الأول لصدقة عليه[1].
و هو إما «متصل»: و هو ما لا يستقل بنفسه؛ و أقسامه خمسة:
الشرط و الصفة و الغاية و بدل البعض و الاستثناء المتصل.
و إما «منفصل»: و هو ما يستقل بنفسه في التخصيص من غير انضمام إلى ضميمة، و هو ما سوى الأقسام الخمسة، و هو ثلاثة: العقل و الحس و السمع، و منع بعض المتكلمين من تخصيص العلم بالعقل، و أختلف القوم فى منتهى التخصيص إلى كم هو؟ فذهب السيد المرتضى و الشيخ إلى جوازه حتى يبقى واحد.
و قال قوم: حتى يبقى ثلاثة. و قيل: حتى يبقى أثنان. و قال المحقق و جماعة: حتى يبقى جمع يقرب مدلوله من مدلول العام، إلا أن يستعمل فى حق الواحد على سبيل التعظيم، و اختاره الشيخ حسن و هاهنا مسائل
[1]- فى (ه) كما يلي: (التخصيص: هو قصر العام على بعض مسمياته، و قد يطلق على قصر غير العام و هو قصر اللفظ على بعض مسمياته؛ كعشرة، و هو أعم من الاول لصدقه عليه).
اثنتا عشرة:
«الأولى» العام المخصص بمبين نحو؛ أكرم العلماء إلا زيدا، حجة في الباقي؛ بمعنى أنه يجوز أن يستدل به في بعض أفراده، و هو مذهب الرازي و الآمدي و ابن الحاجب و البيضاوي و العلامة و أكثر الامامية، أما المخصص بغير مبين فلا نحو؛ صل فى هذه الأثواب إلا واحدا، فيجب الاجتناب عن الكل، و من هذا القبيل اشتباه المحلّلة بالمحرمات، و هو يعطي عدم الفرق بين المحصور و غيره و القليل و الكثير[1].
و الفقهاء يفرقون فلا يوجبون الاجتناب في غير المحصور إلا لواحد مستدلين بلزوم الجرح، و عرفوا المحصور: بأنه ما يمكن عده في بادئ النظر و أحالوا القليل على العرف، و قال البلخي: إن خص العام بمتصل فحجة، و إلا فلا.
و قال أبو الحسين و أبو عبد اللّه البصري: إن كان لتعلق الحكم بالعام شرط لا ينبئ؟؟؟ العام عنه لم يكن حجة؛ كما في آية السرقة، فانه لا يفهم من لفظ- السارق-، اشتراط النصاب و كونه مخرجا من حرز، و إن كان ليس كذلك كان حجة في الباقي نحو«فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ»[2].
و قال عبد الجبار: إن كان قبل التخصيص لا يحتاج إلى بيان نحو«فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ»3 فانه بيّن في المراد قبل اخراج الذمي، فهو حجة، و إلا فلا نحو- أقيموا الصلاة-، فانه يفتقر إلى البيان قبل إخراج- الحائض-، و لذلك بينه(عليه السلام)بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
[1]- في (ه) و القليل بالكثير.
[2]- 3- سورة التوبة. آية/ 5.
و قال أبو ثور و عيسى بن أبان و جماعة من أصحاب الرأي: إنه ليس حجة مطلقا. و قال آخرون: إنه حجة في أقل الجمع.
«الثانية» خصوص السبب- أعني السؤال- لا يوجب تخصيص الجواب إذا كان عاما مثاله- ماء بثر بضاعة- بضم الباء و كسرها، و هو بثر في المدينة المشرفة، كان قريبا من المزابل سئل النبي(ص)عنه، فقال: «خلق الماء[1]طهورا لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» فان الماء عام غير مختص بماء بئر بضاعة فلا يخصصه السؤال بل يحكم بطهورية كل ماء، و هذا قول أكثر الأصوليين و أحد قولي الشافعي، و اختاره العلامة. و قال المزني و ابن ثور[2]و الشافعي في قوله، الآخر:
يخصصه.
«الثالثة» تخصيص السنة بالاجماع مطلقا، و المتواتر بالمتواتر، و الآحاد بالآحاد و بالمتواتر و في المتواتر بالآحاد خلاف، مبناه اختلاف طريقي القدماء و المتأخرين.
«الرابعة» يخصص الكتاب به و بالسنة المتواترة و بالاجماع، لا بخبر الواحد عند القدماء، و أجازه المتأخرون و أكثر العامة.
و قال عيسى بن أبان: إن خص قبل خبر الواحد بقاطع متصل جاز، و إلا فلا. و قال الباقلاني: بالوقف فيما عارض الخاص من أفراد العام، و بالعمل فيما سواء و قال الكرخي: إن خص قبله بدليل منفصل سواء كان قطعيا أو ظنيا جاز، و إلا فلا.
«الخامسة» إذا تنافى العام و الخاص بأن يشتمل أحدهما على حكم
[1]- (ه) خلق اللّه الماء.
[2]- في (ه) المازني و ابو ثور.
إيجابي، و الآخر على حكم سلبي و تقارناه بأن صدرا معا، و يتصور ذلك في فعل خاص بالنبي(ص)مع قول عام كان ينهي(ص)عن صوم الوصال و هو يتلبس به فيبنى العام على الخاص و يخص به(عليه السلام).
و قال قوم: يعمل بالعام في غير مورد الخاص و إن تقدم العام، فان ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام، فالعام مخصص به، و قيل منسوخ في ما تناوله، و قيل في الكل.
و قال السيد المرتضى: إن غير رفع البعض حكم الباقي، بحيث لو فعل لم يكن له حكم فى الشريعة، و لم يجر مجرى فعله قبل الرفع؛ كنقص الركعتين من أربع، فانه غير حكم الركعتين الأوليين لورود التسليم بعدهما[1]، فالكل منسوخ، و إلا فالبعض فقط؛ كاسقاط عشرة من الثمانين في حد القذف- مثلا-، و المراد بحضور وقت العمل بالعام انتفاء ما يمنع منه، و لا ينظر إلى وجود الأفراد كلا أو بعضا، و إن ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام فهو: مخصص.
و قيل ناسخ، و إن تأخر العام فيبنى عليه؛ كالمقارن، و اختاره المحقق و العلامة و الشافعي و أبو الحسين البصري و الفخر الرازي.
و قال المرتضى و الشيخ و ابن زهرة: هو ناسخ. و قال أبو حنيفة و القاضي عبد الجبار: بالوقف إذا جهل التأريخ. و قال غيرهم: يبنى العام على الخاص.
«السادسة» العام المخصص مجاز فى الباقي، و اختاره المحقق و ابن الحاجب و العلامة فى أحد قوليه، و في «التهذيب»: إن خص بما لا يستقل فحقيقة في الباقي، و ان خص بمستقل فمجاز. و قالت الحنابلة:
[1]- في (ه) فانه يغير حكم الركعتين لورود التسليم بهما.
بل هو حقيقة مطلقا.
«السابعة» لا يبادر إلى العمل بالعام قبل البحث عن المخصص حتى يحصل الظن بعدمه، و هو قول الاكثر. و قال الصيرفى: يجوز التمسك به ابتداء و اختاره العلامة في «التهذيب».
و قال الباقلاني: يجب البحث عن المخصص حتى يحصل القطع بعدمه.
و قال الغزالي: يكتفى بسكون النفس و الجزم بانتفائه.
«الثامنة» الاستثناء حقيقة في المتصل؛ مجاز في المنقطع، و هو قول الاكثر و يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه عرفا، فلا يضر بالسؤال[1]و طول الكلام الذي لا يعد به منفصلا عرفا، و جوز بعض المالكية تأخير المستثنى لفظا مع إضماره متصلا بالمستثنى منه، و حملوا على ذلك ما روي عن ابن عباس من جواز تأخير الاستثناء إلى شهر.
«التاسعة» الاستثناء المستغرق لغو اتفاقا، و الأكثر على جواز المساوي و الأكثر.
و قال قوم: بالمنع فيهما في العدد خاصة، فلا يجوز له عشرة إلا خمسة، و قال آخرون: بالمنع مطلقا.
«العاشرة» الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى الكل، قاله الشيخ الطوسي و الشافعي. و قال أبو حنيفة: يرجع الى الأخيرة.
و قال السيد المرتضى: بالاشتراك بين الكل و الأخيرة، فيتوقف فيه إلى ظهور القرينة. و قال الغزالي و الباقلاني و ابن الحاجب: بالوقف؛ بمعنى أنا لا ندري كونه مشتركا بينهما أو مختصا باحدهما.
«الحادية عشرة» قال جمهور أهل العربية و الأصول إن الاستثناء من
[1]- في (ه) فلا يضر السعال.
الاثبات نفي و بالعكس. و قال أبو حنيفة: المستثنى مسكوت عن نفيه و إثباته.
«الثانية عشرة» إذا يعقب العام ضمير يعود إلى بعض ما يتناوله ذلك العام؛ نحو قوله تعالى:(وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ)[1]بعد قوله تعالى:(وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ)2 فان المطلقات فى الآية الشريفة شامل للبائنات و الرجعيات؛ لأنه جمع معرّف باللام، و قد أوجب عليهن العدة بطريق العموم،- و ضمير بعولتهن- للرجعيات فقط، فلو حمل العام على عمومه لزم مخالفة الضمير لمرجعه، فهل يخصص به، بأن يخصّ المطلقات بالرجعيات لذلك أم لا؟.
قال الشافعي: يخص، و اختاره العلامة في «النهاية» و منعه الشيخ الطوسي و ابن الحاجب و الغزالي و الآمدي و البيضاوي.
و قال المرتضى و المحقق و العلامة في «التهذيب» و إمام الحرمين و أبو الحسين البصري: بالوقف.
و لهذه الآية الشريفة فى القرآن نظائر، و لا يدفع الحيرة فى ذلك و غيره إلا الرجوع إلى كلام أيمة الهدى(عليهم السلام).
(المبحث الخامس) (فى المطلق و المقيد)
المطلق: ما دل على فرد شائع فى جنسه سواء كانت دلالته عليها بأصل الوضع؛ كالأعلام و نحوها، أو بضم ضميمة؛ نحو«رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ».
و أعلم: أن جميع ما يجري في تخصيص العام من متفق عليه و مختلف
[1]-، 2- سورة البقرة. آية/ 228.
فيه، يجري في تقييد المطلق، و ينقسمان بالنظر إلى الحكم؛ أي المسند، و الموجب؛ أي سبب الحكم، و الكيف؛ أي نفي الحكم و إثباته، إلى أربعة أقسام:
(أحدها) أن يختلف الحكم نحو؛ جالس عالما، أكرم عالما صالحا فلا يحمل المطلق على المقيد، اتفاقا في اتحاد السبب و الكيف أم لا؟.
و فى «النهاية»: أنه إجماعي، لكن في «قواعد الشهيد»: أن أكثر الشافعية يوجب الحمل اذا اتحد السبب، فحملوا اليد في- آية التيمم- على ما آخرها المرفق؛ لتقييدها به في- آية الوضوء- لاتحاد موجبهما و هو الحدث.
نعم أن يتوقف العمل بالمطلق على المقيد؛ كأن يقول في الظّهار- أعتق رقبة-، ثم يقول- لا تملك رقبة كافرة-، فانه يجب تقييد الرقبة بالمؤمنة، و إن كان الحكمان- أي العتق و الملك- مختلفين؛ لتوقف الاعتاق على الملك.
(و ثانيها) أن يتفق الحكمان فان اتحد موجبهما و كانا مثبتين؛ كما لو قال فى الظهار- أعتق رقبة مؤمنة- حمل المطلق على المقيد إجماعا و كان المقيد بيانا للمطلق سواء تقدم عليه أو تأخر عنه.
و قال قوم: إن تأخر المقيد كان نسخا.
(و ثالثها) أن يتفقا في الكيف و يتحد الموجب؛ كما لو قال في الظّهار- لا تعتق المكاتب، لا تعتق المكاتب الكافر- فيعمل بهما إجماعا و لا يجزي إعتاق المكاتب فيها أصلا، و كذا ذكره شيخنا البهائي، و كلام الفخر الرازي في «المحصول» و غيره يقتضي حمل المقيد على المطلق في هذه الصورة و يكون المنفي هو إعتاق المكاتب الكافر.