و بعض[1]القدرية: [أنها][2]مجملة، و قوله تعالى:(فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا)[3]السيد المرتضى، مجملة في اليد؛ لاطلاقها على العضو و بعضه، و فى القطع أيضا؛ لاطلاقه على الجرح و الابانة.
و العلامة و الرازي (و الآمدي)[4]و ابن الحاجب: لا إجمال فيها، و اختلفوا في لفظ له مفهومان- لغة و شرعا-؛ إذا تكلم به الشارع على أربعة أقوال:
«أولها» إنه غير مجمل مطلقا، بل يحمل على- الشرعي- و اختاره العلامة، و منه قوله(عليه السلام)«الاثنان فما فوقهما جماعة» يحتمل أن يكون المراد أنه يسمى جماعة حقيقة شرعا، و إن لم يطلق عليه ذلك لغة، و أن يكون انعقاد الجماعة أو حصول فضيلتها به فيكون المراد- اللغوي-.
«و ثانيها» إنه مجمل مطلقا.
«و ثالثها» إنه غير مجمل في الاثبات لحمله على- الشرعي-، و مجمل في النهي.
«و رابعها» إنه غير مجمل لظهوره إذا وقع مثبتا فى- الشرعي-، و منهيا عنه في- اللغوي-.
و أما المبين فهو: ما دلالته واضحة، إما ابتداء من غير سبق إجمال:
نحو قوله تعالى:(وَ اللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)*[5]، أو بعد سبق الاجمال؛ كآية البقرة فانها كانت مجملة ثم صارت مبينة.
[1]- «بعض» لا توجد في (ه).
[2]- فى الاصل: (أنهما مجملة) (ر).
[3]- سورة المادة./ 38.
[4]- لا توجد فى (ه).
[5]- سورة التغابن. آية/ 19، و توجد أيضا في سور آخر.
و عرّفوا البيان بأنه: اخراج الشيء من الاشكال إلى الوضوح، و يكون بالقول- إجماعا-، و بالفعل عند الأكثر، و أنكره قوم.
و هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة؟ فيه ستة أقوال:
«أولها»: الجواز، و اختاره العلامة و الرازي و ابن الحاجب.
«و ثانيها»: امتناء، و اختاره الغزالي و الصيرفي و أبو اسحاق المروزي[1].
«و ثالثها»: يمتنع تأخير بيان ما يراد به غير ظاهره؛ كالعام، و أما تأخير بيان المجمل (كالفرق)[2]فجائز، و اختاره السيد المرتضى و الكرخي.
«و رابعها»: (يمتنع تأخير البيان الاجمالي نحو؛ هذا العام مخصوص، و هذا المطلق مقيد، و لا)[3]يمتنع تأخير البيان التفصيلي، و اختاره أبو الحسين البصري لكن خصه بماله ظاهر.
«و خامسها»: جواز تأخير بيان العام لما فيه من أصل الفائدة، و لا يجوز تأخير بيان المجمل؛ لأن وروده لا فائدة فيه.
«و سادسها»: يمتنع في غير النسخ و يجوز فيه، و اختاره الجبائيان و عبد الجبار.
و أما تأخير البيان عن وقت الحاجة فأجمع «الأصوليون» على عدم جوازه؛ و هو حق، لكن لا يصح على إطلاقه عندنا، إن أريد
[1]- فى (ه) أبو اسحاق المروزي.
[2]- لا توجد فى (ه).
[3]- ما بين القوسين لا يوجد فى (ه).
بيان ما هو حكم اللّه في الواقع لاحتمال التقية.
فان قلت: البيان من باب التقية نوع من البيان.
قلت: نعم، لكنه بيان للحكم الضروري لا الواقعي.
و لو تأملت أماكن العمل بهذا الأصل في «كتب المتأخرين» لظهر لك أنهم يريدون به بيان الحكم الواقع[1]و نفس الأمر. فلهذا لا يعتمد عليه عندنا، لجواز أن يكون تأخير البيان للتقية، و علم الامام(ع)لعدم حاجة السائل ذلك الوقت إلى البيان.
(المبحث السابع) (فى الظاهر و المؤول)
الظاهر: ما دلالته مظنونة لرجحانها.
و المؤوّل: اللفظ المحمول على المعنى المحتمل الرجوع لأمر أوجب ذلك و التأويل إما قريب لا يأباه الطبع و لا اللغة؛ كتأويل اليد بالقدرة.
أو بعيد؛ كتأويل مسح الأرجل في آية الوضوء بالغسل الخفيف. أو أبعد كتأويله بالمسح على الخفين. و لا يجوز العدول إلى البعيد مع احتمال القريب؛ كما يفعل كثير من جهال العامة و غيرهم.
و إذا تأملت الأحاديث المنقولة عن أيمة الهدى(ع)لم تجد حديثا- مما يحتاج إليه- متشابها إلا و هناك حديث يفسره على أحسن وجه.
فلا حاجة في ذلك إلى العقول الناقصة و التأويلات المتكلفة، و أما ما لا يحتاج إليه فان ورد شيء يفسره أو أمكن تأويله بدون تكلف فذاك؛ و إلا فالسكوت أسلم، و الهداية من اللّه سبحانه.
[1]- في (ه) بيان الحكم في الواقع.
(المبحث الثامن) (فى المنطوق و المفهوم)
اعلم: أن المعنى إذا أعتبر بالنظر إلى دلالة اللفظ عليه فهو قسمان:
«منطوق و مفهوم».
و المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، و الصريح منه- مطابقي و تضمني-، و غيره- التزامي-، فان قصد غير الصريح و توقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به عليه فتسمى دلالة اللفظ عليه- دلالة الاقتضاء-، و هي ما كان المدلول فيها مضمرا؛ إما لضرورة صدق المتكلم كقوله(عليه السلام)«رفع عن أمتي الخطأ و النسيان»، و قوله(عليه السلام)«لا صلاة إلا بطهور» و قوله(عليه السلام)«لا عمل إلا بنية» فانه لا بدّ من اضمار حكم يرد النفي عليه؛ كالمؤاخذة في الأول، و الصحة في الثاني؛ و الفائدة في الثالث.
و إما لصحة الكلام عقلا نحو- اسأل القرية- فانه لا بدّ من إضمار «الأهل» لأن سؤال القرية غير معقول.
أو شرعا نحو- أعتق عني-[1]، فانه يستدعي إضمار «التمليك» [لتوقف][2]صحة العتق عليه شرعا.
و إن قصد اللازم و لم يتوقف صحة الكلام عليه و لا صدقه عليه لكنه يكون مفهوما في محل يتناوله اللفظ [نطقا][3]فتسمى دلالة اللفظ عليه- دلالة التنبيه و الايماء-؛ لأن فيه تنبيها و إيماء إلى علة الحكم، كقوله عليه
[1]- فى (ه) اعتق عبدك عني.
[2]- في الاصل: (و الا لتوقف) (ر).
[3]- فى الأصل «نقطا». (ر).
السلام «من أحيا أرضا ميتة فهي له».
و إن يكن غير الصريح مقصودا للمتكلم بحسب الظاهر و لكنه لازم نحو قوله تعالى:(وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً)[1]مع قوله:(وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ)[2]فانه يلزم من ذلك أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، و إن لم يكن يقصد من اللفظ؛ لأنه مسوق لبيان حق الوالدة و ما تقاسيه في الحمل و الفصال، فهذه الدلالة تسمى- دلالة الاشارة-.
و أما المفهوم: فهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق فان كان مفهوم الموافقة بأن يكون الحكم أو الحال[3]، فى المسكوت عنه موافقا لما في محل النطق إثباتا أو نفيا، و أولى منه نحو قوله تعالى:(فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ)[4]فالتأفيف محل النطق و يعلم منه حال الضرب و هو غير محل النطق مع الانفاق في الحكم و هو حرمة أذى الأبوين.
و الحكم هنا في محل السكوت الذي هو الضرب أولى منه في محل النطق الذي هو التأفيف فتسمى- فحوى الخطاب و لحن الخطاب- أي معناه و مفهومه لأنه يفهم منه غير المذكور قطعا لكونه أولى بالحكم من المنطوق و لذلك يسمى- القياس الجلي، و القياس بطريق أولى-، و هو حجة إجماعا لأنه قطعي الدلالة.
و إن كان مفهوم المخالفة و هو أن يكون حكم غير المذكور مخالفا للمذكور اثباتا أو نفيا، فيسمى- دليل الخطاب- أي مدلوله، أو الدال الذي هو من
[1]- سورة الاحقاف. آية/ 15.
[2]- سورة لقمان. آية/ 14.
[3]- فى (ه) و الحال.
[4]- سورة الاسراء. آية/ 23.
جنس الخطاب فالاضافة بيانية، و أقسامه عشرة:
(الأول) مفهوم الشرط، نحو قوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)[1]و هو حجة عند المحقق و العلامة و الرازي و أبي الحسين البصري و الكرخي.
و أنكر حجيته المرتضى و ابن السراج[2]و ابن زهرة. فالحق أنه حجة لأنه من اللوازم البينة فلا يعدل عنه إلا بدليل من خارج، و في كتاب الصوم من «التهذيب» حديث يدل على أنه حجة.
(الثاني) مفهوم الصفة: و هو تعليق الحكم على احد وصفي الحقيقة نحو «فى الغنم السائمة زكاة» فهل ينتفي بانتفاء ذلك الوصف؛ فيدل على انه ليس في المعلوفة زكاة أم لا؟.
قال بالأول: الشيخ الطوسي و الشهيد في «الذكرى» و الشافعي و أحمد و ابو عبيدة.
و أنكره المرتضى و المحقق و العلامة و أبو حنيفة و ابن سريح[3]و الباقلاني و الغزالي و الأخفش و الآمدي و الفخر الرازي.
(الثالث) مفهوم الغاية، و هو عبارة عن دلالة الحكم إلى غاية بصيغة «إلى او حتى» على نفي الحكم عما بعدها نحو قوله تعالى:(فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)[4]، و هو حجة عند الباقلاني و الغزالي و عبد الجبار و أبي الحسين و العلامة.
[1]- سورة البقرة. آية/ 185.
[2]- فى (ه) و ابن البراج.
[3]- فى (ه) و ابن شريح.
[4]- سورة البقرة. آية/ 230.
و انكره السيد المرتضى و الحنفية و الآمدي. و قال آخرون: ان انفصلت الغاية عن ذي الغاية حسا ك(أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ)[1]كان حكم ما بعدها بخلاف ما قبلها لانفصال احدهما عن الآخر- حسا-، و ان لم تكن كذلك مثل المرافق- حيث ان المرافق غير منفصلة عن اليد بمفصل محسوس، لم تجب المخالفة و جاز ان يكون ما بعدها داخلا فيما قبلها.
(الرابع) مفهوم اللقب: و هو تعليق الحكم على اسم جامد؛ كاسم الجنس و العلم، فالمراد به ما يعم- الاسم و اللقب و الكنية-، نحو «في الغنم زكاة» فمفهومه نفي الزكاة عن غير الغنم و الأكثر على انه ليس حجة؛ و انما ذكر للاخبار عنه لا لنفيه عن غيره، و ذهب المالكية و الحنابلة و الدقاق و الصيرفي: إلى انه حجة.
(الخامس) مفهوم الحصر نحو؛ العالم زيد، هذا إذا فسر بطريق تقديم الوصف على الموصوف، و قد يفسر بما يدل على حكمين؛ احدهما:
منطوق، و الآخر: مفهوم، و يراد به حينئذ مطلق التخصيص، و هذا هو الشائع فيشمل، نحو لا إله إلا اللّه، و لا صلاة إلا بطهور، و إنما الاعمال بالنيات و قد يفسر بما يكون الحصر فيه مستفادا من التقديم فيتناول جميع صور تقديم ما حقه التأخير، و هذا اعم من الأول، و اخص من الثاني.
(السادس) تعليق الحكم بعدد خاص نحو؛ ثمانين جلدة.
(السابع) مفهوم «إنما» و هو اثبات الحكم لما ذكر بعدها اجزاء في الكلام المصدر بها و نفيه عما عداه.
و ذهب إليه ابو اسحاق الشيرازي و الغزالي و الرازي قالوا: انها تفيد اثبات الحكم للمذكور و نفيه عن غيره بحسب المفهوم و قال جماعة: انها تفيد الحصر
[1]- سورة البقرة. آية/ 187.
بمنطوقها فلا فرق بينها و بين «ما، و إلا».
و قال الآمدي و أبو حيان: إنها لا يقيد الحصر اختلاف، إنما يقيد تأكيد الاثبات[1]. قال أبو حيان: إن فهم الحصر منها، فانما يفهم من سياق الكلام.
(الثامن) التخصيص بالوصف الذي يطرأ و يزول نحو- في السائمة زكاة-، و هذا قريب من مفهوم الصفة.
(التاسع) مفهوم المشتق الدال على الجنس نحو: لا تبيعوا الطعام بالطعام[2]و هو قريب من مفهوم اللقب.
(العاشر) مفهوم الاستثناء نحو: لا عالم إلا زيد.
(المبحث التاسع) (فى النسخ)
و هو رفع الحكم بدليل شرعي متراخ عنه، [و] وقوعه إجماعي لم ينكره إلا اليهود لعنهم اللّه، و أبو مسلم الاصبهاني، و هل يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقته المقدر له شرعا؟.
منعه السيد المرتضى و الشيخ الطوسي و العلامة، و جوزه المفيد و ابن الحاجب و أكثر الأشاعرة، و توقف شيخنا البهائي فى ذلك.
و جواز نسخ الكتاب بمثله؛ و وقوعه إجماعي، و أما نسخه بالسنة المتواترة، فالامامية و اكثر الأشاعرة و المعتزلة و الحنفية و مالك على جوازه و وقوعه، و منعه الشافعي و ابن حنبل.
[1]- فى (ه) انها لا يفيد الحصر اصلا، و انما يفيد تأكيد الاثبات.
[2]- فى (ه) لا تبيعوا الطعام.