بيان ما هو حكم اللّه في الواقع لاحتمال التقية.
فان قلت: البيان من باب التقية نوع من البيان.
قلت: نعم، لكنه بيان للحكم الضروري لا الواقعي.
و لو تأملت أماكن العمل بهذا الأصل في «كتب المتأخرين» لظهر لك أنهم يريدون به بيان الحكم الواقع[1]و نفس الأمر. فلهذا لا يعتمد عليه عندنا، لجواز أن يكون تأخير البيان للتقية، و علم الامام(ع)لعدم حاجة السائل ذلك الوقت إلى البيان.
(المبحث السابع) (فى الظاهر و المؤول)
الظاهر: ما دلالته مظنونة لرجحانها.
و المؤوّل: اللفظ المحمول على المعنى المحتمل الرجوع لأمر أوجب ذلك و التأويل إما قريب لا يأباه الطبع و لا اللغة؛ كتأويل اليد بالقدرة.
أو بعيد؛ كتأويل مسح الأرجل في آية الوضوء بالغسل الخفيف. أو أبعد كتأويله بالمسح على الخفين. و لا يجوز العدول إلى البعيد مع احتمال القريب؛ كما يفعل كثير من جهال العامة و غيرهم.
و إذا تأملت الأحاديث المنقولة عن أيمة الهدى(ع)لم تجد حديثا- مما يحتاج إليه- متشابها إلا و هناك حديث يفسره على أحسن وجه.
فلا حاجة في ذلك إلى العقول الناقصة و التأويلات المتكلفة، و أما ما لا يحتاج إليه فان ورد شيء يفسره أو أمكن تأويله بدون تكلف فذاك؛ و إلا فالسكوت أسلم، و الهداية من اللّه سبحانه.
[1]- في (ه) بيان الحكم في الواقع.
(المبحث الثامن) (فى المنطوق و المفهوم)
اعلم: أن المعنى إذا أعتبر بالنظر إلى دلالة اللفظ عليه فهو قسمان:
«منطوق و مفهوم».
و المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، و الصريح منه- مطابقي و تضمني-، و غيره- التزامي-، فان قصد غير الصريح و توقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به عليه فتسمى دلالة اللفظ عليه- دلالة الاقتضاء-، و هي ما كان المدلول فيها مضمرا؛ إما لضرورة صدق المتكلم كقوله(عليه السلام)«رفع عن أمتي الخطأ و النسيان»، و قوله(عليه السلام)«لا صلاة إلا بطهور» و قوله(عليه السلام)«لا عمل إلا بنية» فانه لا بدّ من اضمار حكم يرد النفي عليه؛ كالمؤاخذة في الأول، و الصحة في الثاني؛ و الفائدة في الثالث.
و إما لصحة الكلام عقلا نحو- اسأل القرية- فانه لا بدّ من إضمار «الأهل» لأن سؤال القرية غير معقول.
أو شرعا نحو- أعتق عني-[1]، فانه يستدعي إضمار «التمليك» [لتوقف][2]صحة العتق عليه شرعا.
و إن قصد اللازم و لم يتوقف صحة الكلام عليه و لا صدقه عليه لكنه يكون مفهوما في محل يتناوله اللفظ [نطقا][3]فتسمى دلالة اللفظ عليه- دلالة التنبيه و الايماء-؛ لأن فيه تنبيها و إيماء إلى علة الحكم، كقوله عليه
[1]- فى (ه) اعتق عبدك عني.
[2]- في الاصل: (و الا لتوقف) (ر).
[3]- فى الأصل «نقطا». (ر).
السلام «من أحيا أرضا ميتة فهي له».
و إن يكن غير الصريح مقصودا للمتكلم بحسب الظاهر و لكنه لازم نحو قوله تعالى:(وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً)[1]مع قوله:(وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ)[2]فانه يلزم من ذلك أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، و إن لم يكن يقصد من اللفظ؛ لأنه مسوق لبيان حق الوالدة و ما تقاسيه في الحمل و الفصال، فهذه الدلالة تسمى- دلالة الاشارة-.
و أما المفهوم: فهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق فان كان مفهوم الموافقة بأن يكون الحكم أو الحال[3]، فى المسكوت عنه موافقا لما في محل النطق إثباتا أو نفيا، و أولى منه نحو قوله تعالى:(فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ)[4]فالتأفيف محل النطق و يعلم منه حال الضرب و هو غير محل النطق مع الانفاق في الحكم و هو حرمة أذى الأبوين.
و الحكم هنا في محل السكوت الذي هو الضرب أولى منه في محل النطق الذي هو التأفيف فتسمى- فحوى الخطاب و لحن الخطاب- أي معناه و مفهومه لأنه يفهم منه غير المذكور قطعا لكونه أولى بالحكم من المنطوق و لذلك يسمى- القياس الجلي، و القياس بطريق أولى-، و هو حجة إجماعا لأنه قطعي الدلالة.
و إن كان مفهوم المخالفة و هو أن يكون حكم غير المذكور مخالفا للمذكور اثباتا أو نفيا، فيسمى- دليل الخطاب- أي مدلوله، أو الدال الذي هو من
[1]- سورة الاحقاف. آية/ 15.
[2]- سورة لقمان. آية/ 14.
[3]- فى (ه) و الحال.
[4]- سورة الاسراء. آية/ 23.
جنس الخطاب فالاضافة بيانية، و أقسامه عشرة:
(الأول) مفهوم الشرط، نحو قوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)[1]و هو حجة عند المحقق و العلامة و الرازي و أبي الحسين البصري و الكرخي.
و أنكر حجيته المرتضى و ابن السراج[2]و ابن زهرة. فالحق أنه حجة لأنه من اللوازم البينة فلا يعدل عنه إلا بدليل من خارج، و في كتاب الصوم من «التهذيب» حديث يدل على أنه حجة.
(الثاني) مفهوم الصفة: و هو تعليق الحكم على احد وصفي الحقيقة نحو «فى الغنم السائمة زكاة» فهل ينتفي بانتفاء ذلك الوصف؛ فيدل على انه ليس في المعلوفة زكاة أم لا؟.
قال بالأول: الشيخ الطوسي و الشهيد في «الذكرى» و الشافعي و أحمد و ابو عبيدة.
و أنكره المرتضى و المحقق و العلامة و أبو حنيفة و ابن سريح[3]و الباقلاني و الغزالي و الأخفش و الآمدي و الفخر الرازي.
(الثالث) مفهوم الغاية، و هو عبارة عن دلالة الحكم إلى غاية بصيغة «إلى او حتى» على نفي الحكم عما بعدها نحو قوله تعالى:(فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)[4]، و هو حجة عند الباقلاني و الغزالي و عبد الجبار و أبي الحسين و العلامة.
[1]- سورة البقرة. آية/ 185.
[2]- فى (ه) و ابن البراج.
[3]- فى (ه) و ابن شريح.
[4]- سورة البقرة. آية/ 230.
و انكره السيد المرتضى و الحنفية و الآمدي. و قال آخرون: ان انفصلت الغاية عن ذي الغاية حسا ك(أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ)[1]كان حكم ما بعدها بخلاف ما قبلها لانفصال احدهما عن الآخر- حسا-، و ان لم تكن كذلك مثل المرافق- حيث ان المرافق غير منفصلة عن اليد بمفصل محسوس، لم تجب المخالفة و جاز ان يكون ما بعدها داخلا فيما قبلها.
(الرابع) مفهوم اللقب: و هو تعليق الحكم على اسم جامد؛ كاسم الجنس و العلم، فالمراد به ما يعم- الاسم و اللقب و الكنية-، نحو «في الغنم زكاة» فمفهومه نفي الزكاة عن غير الغنم و الأكثر على انه ليس حجة؛ و انما ذكر للاخبار عنه لا لنفيه عن غيره، و ذهب المالكية و الحنابلة و الدقاق و الصيرفي: إلى انه حجة.
(الخامس) مفهوم الحصر نحو؛ العالم زيد، هذا إذا فسر بطريق تقديم الوصف على الموصوف، و قد يفسر بما يدل على حكمين؛ احدهما:
منطوق، و الآخر: مفهوم، و يراد به حينئذ مطلق التخصيص، و هذا هو الشائع فيشمل، نحو لا إله إلا اللّه، و لا صلاة إلا بطهور، و إنما الاعمال بالنيات و قد يفسر بما يكون الحصر فيه مستفادا من التقديم فيتناول جميع صور تقديم ما حقه التأخير، و هذا اعم من الأول، و اخص من الثاني.
(السادس) تعليق الحكم بعدد خاص نحو؛ ثمانين جلدة.
(السابع) مفهوم «إنما» و هو اثبات الحكم لما ذكر بعدها اجزاء في الكلام المصدر بها و نفيه عما عداه.
و ذهب إليه ابو اسحاق الشيرازي و الغزالي و الرازي قالوا: انها تفيد اثبات الحكم للمذكور و نفيه عن غيره بحسب المفهوم و قال جماعة: انها تفيد الحصر
[1]- سورة البقرة. آية/ 187.
بمنطوقها فلا فرق بينها و بين «ما، و إلا».
و قال الآمدي و أبو حيان: إنها لا يقيد الحصر اختلاف، إنما يقيد تأكيد الاثبات[1]. قال أبو حيان: إن فهم الحصر منها، فانما يفهم من سياق الكلام.
(الثامن) التخصيص بالوصف الذي يطرأ و يزول نحو- في السائمة زكاة-، و هذا قريب من مفهوم الصفة.
(التاسع) مفهوم المشتق الدال على الجنس نحو: لا تبيعوا الطعام بالطعام[2]و هو قريب من مفهوم اللقب.
(العاشر) مفهوم الاستثناء نحو: لا عالم إلا زيد.
(المبحث التاسع) (فى النسخ)
و هو رفع الحكم بدليل شرعي متراخ عنه، [و] وقوعه إجماعي لم ينكره إلا اليهود لعنهم اللّه، و أبو مسلم الاصبهاني، و هل يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقته المقدر له شرعا؟.
منعه السيد المرتضى و الشيخ الطوسي و العلامة، و جوزه المفيد و ابن الحاجب و أكثر الأشاعرة، و توقف شيخنا البهائي فى ذلك.
و جواز نسخ الكتاب بمثله؛ و وقوعه إجماعي، و أما نسخه بالسنة المتواترة، فالامامية و اكثر الأشاعرة و المعتزلة و الحنفية و مالك على جوازه و وقوعه، و منعه الشافعي و ابن حنبل.
[1]- فى (ه) انها لا يفيد الحصر اصلا، و انما يفيد تأكيد الاثبات.
[2]- فى (ه) لا تبيعوا الطعام.
و يجوز نسخ السنة بالكتاب، و لا يجوز نسخ الكتاب و لا السنة المتواترة بخير الآحاد عند القدماء، و اجازه المتأخرون.
و يجوز نسخ الثلاثة لا الحكم و عكسه و نسخهما معا و نسخ الأخف بالأشق و عكسه، و هل يجوز نسخ الفعل مع قيد التأييد، كأن يقول- صوموا ابدأ- ثم ينسخه، اجازه قوم و منعه آخرون.
(الفصل السادس) (فى الاجتهاد و التقليد)
قد تقدم ما فيه الكفاية، و لنذكر هنا مسائل خمسا لا تخلو من فوائد:
«الأولى» احكام النبي(ص)ليست عن اجتهاد باجماع الامامية و وافقهم على ذلك ابو علي الجبائي و ابنه أبو هاشم، و جوزه جمهور العامة لكن منهم من قال بوقوعه، و هم الأكثر، و اختاره الآمدي و ابن الحاجب، و منهم من توقف في وقوعه، و اختاره الغزالي و الفخر الرازي.
و خص بعض العامة محل النزاع بما يتعلق بأمر الحروف و نحو ذلك، دون الأحكام الشرعية، و نقل بعضهم الاجماع على جوازه و وقوعه مطلقا، و جوز السيد المرتضى عليه الاجتهاد عقلا و منع من وقوعه سمعا.
(الثانية) اتفق العلماء على ان المصيب فى العقليات التي وقع التكليف باعتقادها؛ كحدوث العالم و وجود الصانع و ارسال الرسل و نصب الايمة- ع- واحد و غيره مخطئ آثم.
فان اخطأ فيما يرجع الى الايمان باللّه و رسوله(ص)و ما علم ثبوته من الدين ضرورة كمسألة حدوث العالم و القول بالمعاد الجسماني و نحو ذلك، فهو كافر إجماعا لم يخالف فيه الا الجاحظ و العنبري: فانهما قالا:
كل مجتهد في العقليات مصيب، و ليس مرادهما من الاصابة مطابقة الاعتقادات المختلفة للواقع، لأن استحالة ذلك معلوم بديهة بل مرادهما نفي الاثم عن المخطئ فيها بعد بذل جهده.
(الثالثة) كل ما علم ثبوته من الدين ضرورة من فروع الشريعة؛ كوجوب الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم، و تحريم الزنا و السرقة و شرب الخمر، فالحق فيه واحد و من انكر شيئا منها سواء كان عن عناد او اجتهاد فهو كافر اجماعا.
(الرابعة) ما لا يعلم حكمه من الدين ضرورة من فروع الشريعة، اختلف فيه الأصوليون؛ فقال القاضي عبد الجبار و ابو علي الجبائي و الباقلاني و الأشعري و العلاف.
كل مجتهد فيه مصيب و معنى الاصابة عندهم إدراك مراد اللّه تعالى و حكمه، لأنهم زعموا انه ليس للّه تعالى في المسألة الاجتهادية حكم معين حتى يتصور فيه الخطأ، بل حكمه تابع لظن المجتهد فما ظنه، فهو حكم اللّه في حقه هو و حق مقلديه.
و قال ابو يوسف و محمد بن الحسين و ابن سريح[1]إن كل مجتهد مصيب؛ بمعنى انه و إن لم يكن في الواقعة حكم معين، إلا انه لو وجد ما لو حكم اللّه به فيها لم يحكم إلا به، و كل هؤلاء يسمون «المصوبة».
و ذهب جماعة كثيرة إلى ان للّه في كل مسألة حكما معينا، و المصيب واحد و غيره مخطئ و هؤلاء يسمّون «المخطّئة»، و اختلفوا فقال بعضهم:
إن الحكم معين لكن ليس عليه دليل و لا أمارة و المجتهد قد يقف عليه اتفاقا- كدفين يعثر عليه من غير قصد- فلمن ظفر به «اجران» و لمن
[1]- في في (ه) و ابن شريح.