جنس الخطاب فالاضافة بيانية، و أقسامه عشرة:
(الأول) مفهوم الشرط، نحو قوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)[1]و هو حجة عند المحقق و العلامة و الرازي و أبي الحسين البصري و الكرخي.
و أنكر حجيته المرتضى و ابن السراج[2]و ابن زهرة. فالحق أنه حجة لأنه من اللوازم البينة فلا يعدل عنه إلا بدليل من خارج، و في كتاب الصوم من «التهذيب» حديث يدل على أنه حجة.
(الثاني) مفهوم الصفة: و هو تعليق الحكم على احد وصفي الحقيقة نحو «فى الغنم السائمة زكاة» فهل ينتفي بانتفاء ذلك الوصف؛ فيدل على انه ليس في المعلوفة زكاة أم لا؟.
قال بالأول: الشيخ الطوسي و الشهيد في «الذكرى» و الشافعي و أحمد و ابو عبيدة.
و أنكره المرتضى و المحقق و العلامة و أبو حنيفة و ابن سريح[3]و الباقلاني و الغزالي و الأخفش و الآمدي و الفخر الرازي.
(الثالث) مفهوم الغاية، و هو عبارة عن دلالة الحكم إلى غاية بصيغة «إلى او حتى» على نفي الحكم عما بعدها نحو قوله تعالى:(فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)[4]، و هو حجة عند الباقلاني و الغزالي و عبد الجبار و أبي الحسين و العلامة.
[1]- سورة البقرة. آية/ 185.
[2]- فى (ه) و ابن البراج.
[3]- فى (ه) و ابن شريح.
[4]- سورة البقرة. آية/ 230.
و انكره السيد المرتضى و الحنفية و الآمدي. و قال آخرون: ان انفصلت الغاية عن ذي الغاية حسا ك(أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ)[1]كان حكم ما بعدها بخلاف ما قبلها لانفصال احدهما عن الآخر- حسا-، و ان لم تكن كذلك مثل المرافق- حيث ان المرافق غير منفصلة عن اليد بمفصل محسوس، لم تجب المخالفة و جاز ان يكون ما بعدها داخلا فيما قبلها.
(الرابع) مفهوم اللقب: و هو تعليق الحكم على اسم جامد؛ كاسم الجنس و العلم، فالمراد به ما يعم- الاسم و اللقب و الكنية-، نحو «في الغنم زكاة» فمفهومه نفي الزكاة عن غير الغنم و الأكثر على انه ليس حجة؛ و انما ذكر للاخبار عنه لا لنفيه عن غيره، و ذهب المالكية و الحنابلة و الدقاق و الصيرفي: إلى انه حجة.
(الخامس) مفهوم الحصر نحو؛ العالم زيد، هذا إذا فسر بطريق تقديم الوصف على الموصوف، و قد يفسر بما يدل على حكمين؛ احدهما:
منطوق، و الآخر: مفهوم، و يراد به حينئذ مطلق التخصيص، و هذا هو الشائع فيشمل، نحو لا إله إلا اللّه، و لا صلاة إلا بطهور، و إنما الاعمال بالنيات و قد يفسر بما يكون الحصر فيه مستفادا من التقديم فيتناول جميع صور تقديم ما حقه التأخير، و هذا اعم من الأول، و اخص من الثاني.
(السادس) تعليق الحكم بعدد خاص نحو؛ ثمانين جلدة.
(السابع) مفهوم «إنما» و هو اثبات الحكم لما ذكر بعدها اجزاء في الكلام المصدر بها و نفيه عما عداه.
و ذهب إليه ابو اسحاق الشيرازي و الغزالي و الرازي قالوا: انها تفيد اثبات الحكم للمذكور و نفيه عن غيره بحسب المفهوم و قال جماعة: انها تفيد الحصر
[1]- سورة البقرة. آية/ 187.
بمنطوقها فلا فرق بينها و بين «ما، و إلا».
و قال الآمدي و أبو حيان: إنها لا يقيد الحصر اختلاف، إنما يقيد تأكيد الاثبات[1]. قال أبو حيان: إن فهم الحصر منها، فانما يفهم من سياق الكلام.
(الثامن) التخصيص بالوصف الذي يطرأ و يزول نحو- في السائمة زكاة-، و هذا قريب من مفهوم الصفة.
(التاسع) مفهوم المشتق الدال على الجنس نحو: لا تبيعوا الطعام بالطعام[2]و هو قريب من مفهوم اللقب.
(العاشر) مفهوم الاستثناء نحو: لا عالم إلا زيد.
(المبحث التاسع) (فى النسخ)
و هو رفع الحكم بدليل شرعي متراخ عنه، [و] وقوعه إجماعي لم ينكره إلا اليهود لعنهم اللّه، و أبو مسلم الاصبهاني، و هل يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقته المقدر له شرعا؟.
منعه السيد المرتضى و الشيخ الطوسي و العلامة، و جوزه المفيد و ابن الحاجب و أكثر الأشاعرة، و توقف شيخنا البهائي فى ذلك.
و جواز نسخ الكتاب بمثله؛ و وقوعه إجماعي، و أما نسخه بالسنة المتواترة، فالامامية و اكثر الأشاعرة و المعتزلة و الحنفية و مالك على جوازه و وقوعه، و منعه الشافعي و ابن حنبل.
[1]- فى (ه) انها لا يفيد الحصر اصلا، و انما يفيد تأكيد الاثبات.
[2]- فى (ه) لا تبيعوا الطعام.
و يجوز نسخ السنة بالكتاب، و لا يجوز نسخ الكتاب و لا السنة المتواترة بخير الآحاد عند القدماء، و اجازه المتأخرون.
و يجوز نسخ الثلاثة لا الحكم و عكسه و نسخهما معا و نسخ الأخف بالأشق و عكسه، و هل يجوز نسخ الفعل مع قيد التأييد، كأن يقول- صوموا ابدأ- ثم ينسخه، اجازه قوم و منعه آخرون.
(الفصل السادس) (فى الاجتهاد و التقليد)
قد تقدم ما فيه الكفاية، و لنذكر هنا مسائل خمسا لا تخلو من فوائد:
«الأولى» احكام النبي(ص)ليست عن اجتهاد باجماع الامامية و وافقهم على ذلك ابو علي الجبائي و ابنه أبو هاشم، و جوزه جمهور العامة لكن منهم من قال بوقوعه، و هم الأكثر، و اختاره الآمدي و ابن الحاجب، و منهم من توقف في وقوعه، و اختاره الغزالي و الفخر الرازي.
و خص بعض العامة محل النزاع بما يتعلق بأمر الحروف و نحو ذلك، دون الأحكام الشرعية، و نقل بعضهم الاجماع على جوازه و وقوعه مطلقا، و جوز السيد المرتضى عليه الاجتهاد عقلا و منع من وقوعه سمعا.
(الثانية) اتفق العلماء على ان المصيب فى العقليات التي وقع التكليف باعتقادها؛ كحدوث العالم و وجود الصانع و ارسال الرسل و نصب الايمة- ع- واحد و غيره مخطئ آثم.
فان اخطأ فيما يرجع الى الايمان باللّه و رسوله(ص)و ما علم ثبوته من الدين ضرورة كمسألة حدوث العالم و القول بالمعاد الجسماني و نحو ذلك، فهو كافر إجماعا لم يخالف فيه الا الجاحظ و العنبري: فانهما قالا:
كل مجتهد في العقليات مصيب، و ليس مرادهما من الاصابة مطابقة الاعتقادات المختلفة للواقع، لأن استحالة ذلك معلوم بديهة بل مرادهما نفي الاثم عن المخطئ فيها بعد بذل جهده.
(الثالثة) كل ما علم ثبوته من الدين ضرورة من فروع الشريعة؛ كوجوب الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم، و تحريم الزنا و السرقة و شرب الخمر، فالحق فيه واحد و من انكر شيئا منها سواء كان عن عناد او اجتهاد فهو كافر اجماعا.
(الرابعة) ما لا يعلم حكمه من الدين ضرورة من فروع الشريعة، اختلف فيه الأصوليون؛ فقال القاضي عبد الجبار و ابو علي الجبائي و الباقلاني و الأشعري و العلاف.
كل مجتهد فيه مصيب و معنى الاصابة عندهم إدراك مراد اللّه تعالى و حكمه، لأنهم زعموا انه ليس للّه تعالى في المسألة الاجتهادية حكم معين حتى يتصور فيه الخطأ، بل حكمه تابع لظن المجتهد فما ظنه، فهو حكم اللّه في حقه هو و حق مقلديه.
و قال ابو يوسف و محمد بن الحسين و ابن سريح[1]إن كل مجتهد مصيب؛ بمعنى انه و إن لم يكن في الواقعة حكم معين، إلا انه لو وجد ما لو حكم اللّه به فيها لم يحكم إلا به، و كل هؤلاء يسمون «المصوبة».
و ذهب جماعة كثيرة إلى ان للّه في كل مسألة حكما معينا، و المصيب واحد و غيره مخطئ و هؤلاء يسمّون «المخطّئة»، و اختلفوا فقال بعضهم:
إن الحكم معين لكن ليس عليه دليل و لا أمارة و المجتهد قد يقف عليه اتفاقا- كدفين يعثر عليه من غير قصد- فلمن ظفر به «اجران» و لمن
[1]- في في (ه) و ابن شريح.
أخطأه «أجر واحد» لما تحمله من الكد.
و قال آخرون: بل عليه دليل ظني، و المخطئ غير آثم لأنه لم يكلّف إصابته حتما لغموضه، بل له أجر الكد و إن أخطأه، و اختار هذا أكثر العامة، و كل المتأخرين من الخاصة.
و قال قوم: إن المجتهد مكلف بطلبه و إصابته، فان أخطأه و غلب على ظنه شيء آخر تغير التكليف و صار مأمورا بالعمل بظنه، و لم يكن له أجر و سقط عنه الاثم تخفيفا.
و قال بشر المريسي و الأصم: دليله قطعي و المخطئ آثم، و اختاره المفيد و المرتضى و الشيخ الطوسي بل كل قدماء الامامية؛ كما نقلناه في اوّل الكتاب؛ و نقل عن أئمة العامة الأربعة «التصويب و التخطئة».
(الخامسة) التقليد عند المتأخرين من الامامية: هو عمل العامي بقول المجتهد فيما يرجحه ظنه من فروع الشريعة، و عند قدمائهم:
هو رجوع العامي إلى قول المعصوم في امور دينه و لو بواسطة يوثق بنقله، فمن نفى التقليد من القدماء اراد الأول، و من قال به اراد الثاني.
قال الحلبيون من اصحابنا كابن حمزة و ابن زهرة و ابي الصلاح و غيرهم لا يجوز التقليد في اصول الدين و لا في فروعه، بل يجب الاجتهاد في ذلك على كل مكلف، و مرادهم بهذا انه لا يجوز العمل إلا بما ورد عن المعصوم- ع- دون غيره مما يستند إلى رأي او اجتهاد، و يجب على كل مكلف الاجتهاد و السعي في تحصيل ذلك، فلا تقليد في الواقع إلا له، و المجتهد ناقل لفتواه[1].
[1]- فى (ه) لفتواه(عليه السلام).
و قال اكثر العامة و المتأخرون من الخاصة: بالمنع من التقليد في اصول الدين، و أجازوه في الفروع.
قال السيد المرتضى: لا يجوز التقليد فى إثبات «ذات واجب الوجود تعالى و توحيده» و يجوز إثبات ما يصح عليه تعالى، و يمتنع نحو- العلم و القدرة و نفي الجسم و الصورة-، بالنقل عن المعصوم(ع).
و اعلم: ان تحرير محل النزاع في هذه المسألة، هو ان الكل اجمعوا على انه يكفي في الفروع حصول ما تطمئن إليه النفس سواء اطلق عليه اسم العلم او الظن لكن قدماء الامامية لا يجوزون من ذلك الا ما استند الى قول المعصوم، و المتأخرون جوزوا العمل بما يرجع الى ظن المجتهد بحسب ما ظهر له من ادلة العقل او النقل.
و اما «الاصول» فهل يكفي ما تطمئن إليه النفس أم لا بدّ من القطع؟
فالعامة و الخاصة اختلفوا فى ذلك، فمنهم من قال:
يكفي في ذلك ما يحصل به الاطمئنان، و هو لا يلزمهم جواز تقليد من يوثق بفهمه و علمه و عدالته.
و منهم من قال: لا بدّ من القطع و اليقين الجازم الثابت المطابق للواقع و هؤلاء يلزمهم جواز تقليد المعصوم بل وجوبه، إذ لا يجوز عليه الخطأ فهو اقوى مما يدركونه بأفكارهم.
و قال قوم: بالوقف لتعارض الأدلة و كون تحصيل اليقين في الالهيات من الأدلة النظرية صعب جدا، فمن قال بذلك من العامة: البيضاوي و من الخاصة: شيخنا البهائي، فى «الزبدة».
و الحق انه لا مخلص من الحيرة إلا التمسك بكلام أئمة الهدى(ع)إما من باب التسليم لمنقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ، او يجعل كلامهم اصلا
تبنى عليه الافكار الموصولة إلى الحق.
و من تأمل «نهج البلاغة، و الصحيفة الكاملة، و اصول الكافي، و توحيد الصدوق» بعين البصيرة ظهر له من أسرار التوحيد و المعارف الالهية، ما لا يحتاج معه إلى دليل، و اشرق في قلبه من نور الهداية ما يستغنى به عن تكلف القال و القيل.
و رأيت فى كلام بعض المحققين ما حاصله: إن المعارف الالهية تفاض على القلب إما من باب الكشف و الالهام، أو بالبحث و النظر أو بتعليم المرشد الكامل و تقليده، و البحث و النظر يرجع إلى حكم العقل و صاحبه مقلد لعقله الذي يجوز عليه الخطأ، فانحصر طريق الوصول إلى الحق في الكشف الالهامي و التقليد، و الكشف إن وجد فلأفراد معدودين و مادة علومهم مقتبسة من مشكاة النبوة، لا من عقولهم فلم يبق طريق إلى الحق يسهل سلوكه الا التقليد، فليكن ذلك «لمن لايَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ» و لا يجوز عليه الخطأ و هم الأنبياء و الأيمة(عليهم السلام).
(الفصل السابع)
قد شرحنا لك طريق الاجتهاد عند الخاصة و العامة و بينا طريق القدماء و أصحاب الأيمة(ع)بحيث لا يمكن انكار التباين بين الطرفين و ذكرنا أصول «مسائل الأصول» التي اعتبرها المتأخرون و اختلاف العقلاء فيها، فهل يجوز من الحكيم أن يتعبد بها خلقه، مع ما تؤدي إليه من الخلاف الموجب للفتنة و الفساد؟.
و قد دبر العامة تدبيرا سياسيا لدفع المنازعات، فأجمعوا على وجوب تقليد أربعة من مجتهديهم الموتى لا غير، و أن لا يعترض على أحد من مقلديهم،