و لم يرخصوا لأحد فى العمل بظواهر الكتاب و السنة من غير معرفة الناسخ و المنسوخ و العام و الخاص و المطلق و المقيد و المجمل و المفصل و غير ذلك من جهتهم(ع)بل نهوا عن ذلك و أنكروا على من عمل به بغير ما ورد عنهم(ع)لأنهم هم المخاطبون بالكتاب لا غيرهم و هم العارفون لسنة جدهم(ص)إذا عرفت هذا:
فأعلم أنه وقع للمتأخرين غفلات و أغاليط، لو ذكرناها لطال الكلام حتى أنهم ربما عملوا «بالقياس و الاستحسان و الرأي» من حيث لا يشعرون و ربما طرحوا الأخبار الصحيحة عندهم، أو ترددوا في العمل بها كذلك[1].
و نحن نذكر أنموذجا من ذلك يستدل به على غيره. و يعلم أنه لا نجاة من الحيرة إلا بالتمسك بكلام أيمة الهدى(عليهم السلام).
فمن ذلك: إن أفضل الحكماء و أعلم العلماء نصير الدين الطوسي (ره) حيث غفل عن الأحاديث و لم يراجعها: أنكر القول بالبداء فى «نقد المحصل» و ذهب في «التجريد» إلى أن النفس الناطقة حادثة مع حدوث البدن، و أنكر القول بالرجعة في بعض رسائله، فما الظن بمن لم يصل إلى عشر معشاره فى الفضل و الفهم.
و من ذلك: أن أكثر الالحاقات التي ذكرها المتأخرون داخلة فى القياس، نحو ما روي (أن الأرض تطهر أسفل النعل و القدم) فألحقوا به خشبة الأقطع و أسفل العصا و سكة الحرث و نحوها.
و كذلك ما روي (أن الشمس تطهر الارض و الحصر و البواري إذا جففت البول و نحوه عنها) فألحقوا بذلك ما لا ينقل و لا يحول نحو الابواب
[1]- في (ه) لذلك.
و الاخشاب و الاوتاد و الاشجار و الثمار التي على الشجر-، و كل ذلك قياس لا ينكره إلا من لا يعرف معنى القياس.
و من ذلك: ما ورد في الحديث من جواز فعل النافلة للجالس اختيارا و يحسب ركعتين بركعة، و جوز بعض المتأخرين فعلها اختيارا على باقي الكيفيات الاضطرارية؛ كالاضطجاع و الاستلقاء.
قال الشهيد الثاني فى «شرح الشرائع»: (و ليس ببعيد، فان قلنا به استحب تضعيف العدد فى الحالة التي صلى عليها على حسب مرتبتها من القيام؛ كما يحتسب الجالس ركعتين بركعة قائما يحتسب المضطجع على الايمن أربعا بركعة، و على الايسر ثمان و المستلقي ستة عشر) انتهى كلامه. و هل القياس الا هذا مع أنه مدخول.
و من ذلك: ما في كتاب الاجارة من «شرح الشرائع» أيضا أنه هل يكفي في الاجارة المعاينة إذا كان مما يكال أو يوزن؟.
قال الشارح: (الاقوى المنع لانها معارضة لازمة مبنية على المغالبة و المماكسة فلا بد فيها من نفي الغرر عند العوضين، و قد ثبت من الشارع اعتبار الكيل و الوزن في المكيل و الموزون في البيع و عدم الاكتفاء بالمشاهدة فكذلك في الاجارة لاتحاد طرق المسألتين) انتهى كلامه. و هل القياس إلا هذا و أشباهه.
و من ذلك: ما نقله في «شرح الشرائع» عن العلامة أنه منع في «التذكرة» من إخراج الرواشن و الاجنحة إلى الطرق النافذة اذا استلزم الاشراف على جاره و إن لم تضر بالمارة، و قال: لست أعرف في هذه المسألة بالخصوص نصا من الخاصة و لا من العامة، و إنما صرت إلى ما قلت عن اجتهاد.
و من ذلك: ما في كتاب النكاح من «شرح الشرائع» أيضا في مسألة التنازع بين الزوجين في المهر حيث فرض له أربع صور واحدة منصوصة:
و هي ما لو اختلفا فى قدره.
ثم تكلم على المسألة و قال: (إن كلام أكثر المتقدمين حتى الشيخ في «المبسوط» خال عن فرض المسألة، و انما ذكروا مسألة الاختلاف فى قدره خاصة تبعا للنص الوارد فيه، و المتعرضون لهذه المسألة ذكروها بطريق الاجتهاد، و اختلفت لذلك آراؤهم حتى من الواحد فى أزمنة مختلفة ... ثم قال: و المرجع فيها الى ما ساق إليه الدليل على الوجه الذي ذكروه أو غيره) انتهى.
و من ذلك: ما في كتاب الخلع من «الشرائع» في مسألة العوض اذا كان معينا ثم ظهر فيه عيب أو لم يكن كما وصف، كأن يكون عبدا على أنه حبشي فبان زنجيا ان شاء رده و طالب بالمثل أو القيمة، و ان شاء أمسكه مع الارش.
قال الشارح بعد أن ذكر الاعتبارات و التقريبات العقلية: (و للنظر في هذه المطالب مجال ان لم تكن اجماعية اذ لا نص فيها و انما هي أحكام اجتهادية ... ثم قال: و لو قيل في فوات الوصف يتعين أخذ بالارش كان حسنا) انتهى. و قد أفتى (ره) في هذه المسألة بالرأي و الاستحسان معا.
و من ذلك: ما ورد في الحديث «أن السكرى اذا زوجت نفسها في حال السكر، ثم أفاقت فرضيت جاز ذلك التزويج عليها».
و هذه الرواية صحيحة عند المتأخرين، و عمل بها الشيخ الطوسي، و مال إليها المحقق و جماعة، وردها الشهيد الثاني و حكم ببطلان العقد مستدلا بأن السكران لا قصد له.
و ليت شعري أي مانع من كون هذه الرواية مخصص لعموم تلك القاعدة و لنقتصر على هذا القدر ففيه كفاية إذ ليس قصدنا إظهار عيب أحد و لا تتبع عثراته.
و إنما أردنا تنبيه طالب الحق على طريق الحق، و تمييزه عن غيره فان كثيرا من المتفقهة يزعمون أن طريق القدماء و المتأخرين واحد لا اختلاف فيه، فان المتأخرين لم يخرجوا في عملهم عن النص و قد بينا لك حقيقة الأمر و لو أردنا جمع ما خالف فيه المتأخرون القدماء و عملوا فيه بغير النص لاجتمع من ذلك مجلد ضخم، و العاقل تكفيه الاشارة و اللّه الهادي.
(الخاتمة) (فى النصيحة الموعود بها)
اعلم أيها الطالب للحق السالك مسالك الصدق، أنا لم نأل جهدا فى النصيحة لاخوان الدين و لم نقصر في تبياننا في إرشاد المؤمنين.
فليكن سعيك للنجاة(يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ)[1]، و همتك في طلب الخلاص يوم يعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فالسلامة فى التسليم «لمن لايَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ» و الهدى في سلوك طريقه الذي من ضل عنه فقد غوى.
و كأني بمعاند لا يميز بين القشر و اللباب، يتعرض لما قصدته من مقاصد هذا الكتاب فيحرف الكلم عن مواضعه لزعمه الاصابة فهو كما قيل «أساء سمعا فأساء إجابة».
خصوصا من غلب عليه حب الرئاسة الدنيوية، و قصر خطاه عن مساعي ذوي الهمم العالية فلا يغرنك أيها الأخ، ما يزخرفه الحشوية من المقلدين
[1]- سورة الشعراء آية/ 88.
و لا يستفزنك الشيطان بما يوحي إلى أوليائه المعاندين.
و أعلم: أنك مخبر في حال فتواك عن ربك و ناطق بلسان شرعه، فما أسعدك إن أخذت بالجزم و ما أخيبك إن بنيت على الوهم، فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى:(وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ)*[1]و قوله تعالى:
(أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ الْكِتٰابِ أَنْ لٰا يَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ)[2].
و وجه وجه فكرك نحو قوله تعالى:(قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرٰاماً وَ حَلٰالًا قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ)[3].
فانظر كيف قسم سبحانه سند الحكم إلى قسمين فى كتابه المبين، فما لم يتحقق عندك الاذن فى مأخذ الحكم فأنت من المفترين و لا أذن إلا فيما ورد عن الأيمة الأطهار، و ما خالف طريقهم فهو بدعة «و كل بدعة ضلالة و صاحبها في النار».
و الحمد للّه على الهداية و له الشكر في البداية و النهاية و صلى اللّه على أشرف المرسلين محمد و عترته الطيبين الطاهرين.
*** تنبيه:
وجد في نسخة (ه) ما يلي:
(صورة خط المؤلف(رحمه اللّه): تم الكتاب بحمد اللّه و عونه، و كتبه مؤلفه العبد حسين العاملي، في شهر ربيع الثاني من شهور سنة ثلاث و سبعين و الألف من الهجرة النبوية على مهاجرها و آله أفضل الصلاة و السلام و التحية).
[1]- سورة البقرة. آية/ 169.
[2]- سورة الاعراف. آية/ 169.
[3]- سورة يونس. آية/ 59.