الإحتكاك القوي لِجسمين مع بَعضهِما، و هى أمرٌ طبيعي، ليس له علاقة بحافر الخيول ولا الظّلمة، و تحليلُها العِلمي واضحٌ أيضاً، أو إنّنا نعلم أنّ بعض المواد الكيمياويّة تكون سبباً لِلحرائق، و التي تشتعل بدون سببٍ و في ظروفٍ خاصّةٍ، فإذا إقتربتْ منها بعض الأشياء قَسراً او تلقائيّاً إحترقت.
في ظِلّ الإكتشافات الفيزيائيّة أو الكيمياوية، فإنّ هذه الظّاهرة خرجت عن كونها خُرافةً سابقةً. طبعاً نحن لا ننكر وجود كائنات بإسم الجِنّ، (الجِنّ في الأصل بِمعنى كائِن مُختَفٍ)، لكنّ الجنّ بمعناه الصّحيح و الذي يُؤيِّده العِلم، و الفلسفة و أيضاً، جاء في القُرآن اكريم، يختلف كثيراً عن الجِنّ ذي الذّيل و ذي الحافِر، الذي خلقته أفكار العامّة و نَسجهُ خيالهم، و لَسنا بِصدد التّعرض لِهذا الموضوع.
مسألة التّناسخ و عودَة الأرواح هى أيضاً من هذا النَّسج، لأنّه:
في الماضي كان كثير من الناس يَرون، أنّ في المُجتمع أفراداً معلولين و أفراداً ناقِصي الخِلقة من الولادة، و يرون
أنّ بعض الأفراد يتعذّبون طِوال عُمرهم، بعكس الآخرين فإنّهم مُرفّهين تَماماً، و شَخصاً ذا ثروةٍ لا يستطيع أن يحسِبُها، الآخر لا يملك قوتَ يومه، و يحن الى رغيفِ الخُبز، و شخصاً موفّقاً في كلّ أعماله الحياتيّة، و آخَراً يواجِه الفشل في أغلب الأحيان.
و لِأنّهم لم يكونوا مطّلعين على الأسباب الجسميّة و النفسيّة و الإجتماعيّة لهذه الأمور، و لم يكونوا متمكنّين من تفسير هذه اللّاعدالة بالطرق الواقعيّة، فإنّهم يذهبون إلى «تناسخ الأرواح» و ال «كارما» بسرعة، و يقولون: إنّ هؤلاء الأفراد المَعلولين و النّاقصين و المحرومين و المظلومين، كانوا قد جاءوا في الماضي إلى هذا العالم، و لابدّ أنّهم في حياتهم السّابقة كانوا قد إرتكبوا جرائم، و يجب أن يرَوا كلّ هذا العَذاب، جزاء تلك الجرائم و ليتطهّروا، و هذه هى عَينُ العَدالة!
(و يل ديورانت) في المجلد الثاني، الصفحة 735 من تأريخه: «مشرق الأرض تاريخ الحضارة»، يقول:
أنّ أساس «الكارما» يفسر لِلشعوب الهنديّة كثيراً من
الحقائق المُبهمة، أو الأمور غير العادلة ... أنواع المصائب التي تظلم الكرة الأرضيّة و تلطخ التأريخ.
كلّ ذلك العذاب و تلك الآلام، التي تسير في دم و لحم الإنسان منذ ولادته و حتّى مثواه الأخير، كلّ هذا يهوّنه و يُيسِّره أصل «الكارما»، للهندوس الذين يعتقدون به.
هذه المصائب و الجور، و هذا الإختلاف بين النّبوغ و البلاهة، و الفقر و الغِنى، كلّ ذلك نتائج الحياة السّابقة و وَليد ذلك القانون القديم، كان يُرى ظُلماً و جَوراً في ميزان عمر الإنسان القصير، أو اللّحظة من الأزَل. أمّا في النهاية فقد ظهر أنّه هو عين العدالة و الإنصاف.
ال «كارما» من جملة الإبداعات الكثيرة، التي أراد الإنسان أن يتحمّل و بمساعدتها المصيبة و الشّر بكلّ صبرٍ و حلمٍ.[1]
إذا كانت الشّعوب الهنديّة أو باقي الشّعوب القديمة، قد أنشأت فرضيّة عودة الأرواح لتفسير هذه الظّواهر، فاليوم و
[1]. تأريخ (ويل دورانت،) ج 2، ص 735.
في ظِلّ تقدم «علم الطّب» و «علم النفس» و «العلوم الإجتماعية» الأخرى، لم تعد حاجة لتلك الفرضيّات الخُرافيّة، لتفسير هكذا ظواهر؛ لأِنّنا نعلم:
لو إلتزم الإنسان بالتّعليمات الصحيّة لسَلامة جِسمه، و راعى الأب و الأم التعليمات الصحيّة و النّصائح الطبيّة الخاصّة بالجَنين، فسوف لا يأتي إلى الدنيا طِفل ناقِص.
و بعبارةٍ أخرى إنّ وجود الأفراد المُشوّهين و النّاقصين ليس أمراً حَتِميّاً، فإنّ جهاز خلق الإنسان دقيق إلى الحدّ الذي، لو التُزم بالمراقبة الكاملة و استخدمت القوانين الخاصّة به، لكان الناتج سالماً مائة بالمائة.
و علاوةً على ما سبق، فإنّ كثيراً من الفلاحين كانوا يتصوّرون، أنّ قسماً من محصولاتهم الزراعيّة أو فاكهة الأشجار، ستكون حتماً ناقصة و مصابة بالدّيدان، و هذا من لوازم وجودها، و كانوا يقولون: (آفة الشّجرة هى من الشّجرة نفسها)، ولكنّ الدراسات العلميّة أظهرت أنّه ليس كذلك؛ و إنّ الفلاح النّموذجي بإستخدام القوانين الزراعية الصحيحة، سيكون كلّ محصوله سالماً، ولن يكون هناك تفاحةٌ واحدةٌ
مصابةً بالآفة في كلّ محصوله.
بناءاً على هذا فإنّه امّا أن يكون الأب و الأم مقصّرين، أو المجتمع الذي يعيشان فيه، لأنّه يزودهما على الأقل بالتعليمات الصحيحة أو الصحيّة أو لوازمهما الحياتيّة، حتّى لا يقع أولادهما بهذه المصيبة، و كما لو أنّ إنساناً ضرب آخر وفقأ عينه، فالإنسان هو المقصّر لا جهاز الخَلق و، أصل الخِلقة، و هذا هو المعيار و الضّابط في من يُولَد من بطن أُمّه مكفوف البصر، و يستَند التّقصير في ذلك الى نفس الفرد أو المجتمع.
و أمّا في موارد ثراء البعض، و فقر البعض الآخر؛ فإنّ هذا الموضوع اليوم مَردود إلى: أنّ الأنظمة الإجتماعيّة الخاطِئة و الأنظمة الإقتصادية الفاسدة، هى التي ينبع منها هذا الإفراط و التّفريط، و ليست مسألة عودة الأرواح و الكارما. و منه المُحتَمل أن يكون إستنباط الهندوس القُدماء سائِغاً؛ لعدم علمهم بأصول «العلوم الإجتماعيّة»، و «الإقتصاد الحديث».
لكن اليوم فإنّه لا قيمة لكلّ هذه الإستنباطات.
العامل الأساسي للفشل الإجتماعي:
إنّ ملاحظة الوضع النّفسي لِلأفراد، و كذلك طريقة تربيتهم العائليّة و الإجتماعيّة، تستطيع أن تكشف السّتار عن أسباب الموفَّقيّة و عَدمها للأفراد، و توضِّح نقاط ضعفهم النّفسي و التّربوي، الذي هو مصدر لهذا الفشل، و بعدها لا تعود حاجة لِلِّجوء إلى الخُرافات و عودة الأرواح.
كاتب بحث: «أسرار الرّوح و الحياة»، في مجلة «إطلاعات هفتكي»، يقول: (الموفقيّة أو عدمها في أثرٍ علمي أو أدبي أو فنّي أو إختراع صناعي، هو نوع من الثّواب و العقاب لِأعمال الإنسان في الحياة السّابقة، و تدخّل الأرواح في هكذا حوادث، أمرُ قطعي ... (هذه الأمور) ظاهراً غير منصفة ...).
الحل الوحيد لِهذا اللّغز هو ما كُشف ببركة أصحاب الإعتقاد بعودة الأرواح، يعني هو نوع من الثّواب و العِقاب و تدخّل الأرواح إلى حدّ مّا!. (العدد 1493).
و بالإستناد الى الحقائق أعلاه، يتّضح بِجلاء أنّه لا الأرواح تتدخّل بلا سبب في أعمال خلق اللَّه تعالى، و لا
الحياة السابقة جزاؤها هذا، بل لكلّ هذا أسباب نفسيّة و إجتماعيّة و تربويّة و جسميّة خاصّة، و لا تحتاج لهذه الفرضيّات الفاسدة.
هذا عجيب، أنّ الكاتب المذكور أعلاه، بقوله إنّ هذه الحوادث هى نوع من الثّواب و العِقاب، و في تصريح له في الأعداد السّابقة، (مثلًا في العدد 1461)، يقول: (أنتم أيّها الآباء و الأمّهات إعلموا أنّ التفرقة بين الأبناء هى جريمة عُظمى، سيكون جزاؤها في أعناقكم، امّا في هذه الدنيا و أمّا بعد الموت في عالم الأرواح، و حتّى في حياتكم القادمة التي تعود بها إلى هذا العالم).
يقول هذا الكاتب: لِماذا «السيّد مكارم» ينسِب إليَّ هذا الأمر الآتي: (الرّوح و بعد الإنفصال عن البدن، إذا كانت بحاجة إلى التّكامل فستعود إلى بدنٍ آخر، و تشرع بدورةٍ جديدةٍ من الحياة أحياناً، تكون هذه الدّورة الجديدة يشوبها العذاب و الهُموم، حتّى تُلاقي أعمالها السّيئة السّابقة، و أحياناً يشوبها النّجاح و الموفَّقية لِتُعوِّض حرمانها السابق).
ثم يقول: أيّ موضوع كتبته يتناسب (واحد بالألف) مع
هذا الكلام الخاطىء الذي نسبته إلَيّ ...، عملك هذا يسمّى عُرفاً و شَرعاً و قانوناً: تَحريفاً. نعم تَحريفاً!!. (العدد 1497).
بضمائركم هل أنّ هذا الحديث الذي نسبناه إليه لم يكن عَين ما نقلناه أعلاه، فلو كان هذا تحريفاً لكانت الحقائق كلّها تَحريفاً، لماذا ينسى هذا الكاتب بهذه السّرعة ما قاله. (إذا أَرَتك المِرآة عيوبك فإكسر نفسك، فإنّ كسر المرآة خطأ)!.
ما الذي حرّفناه؟!:
والألطف من ذلك ما قاله في (العدد 1498)، في مجلة مكتب إسلام في (العدد 113)، الصفحة الرابعة: الأرض التي نمشي عليها هى اللَّه!، المحيطات و الأمطار هى اللَّه!، هذه النّجوم و المجرات التي أمام أعيننا هى اللَّه، أنا لم أُحرِّف ذلك، إنّما هذا هو نصّ عبارته!.
حقّاً إنّ الإنسان لا يعلم ماذا يسمّي هذا العمل: هل أنا- (مكارم)- قلت إنّ الأرض التي نمشي عليها هى اللَّه؟،