العامل الأساسي للفشل الإجتماعي:
إنّ ملاحظة الوضع النّفسي لِلأفراد، و كذلك طريقة تربيتهم العائليّة و الإجتماعيّة، تستطيع أن تكشف السّتار عن أسباب الموفَّقيّة و عَدمها للأفراد، و توضِّح نقاط ضعفهم النّفسي و التّربوي، الذي هو مصدر لهذا الفشل، و بعدها لا تعود حاجة لِلِّجوء إلى الخُرافات و عودة الأرواح.
كاتب بحث: «أسرار الرّوح و الحياة»، في مجلة «إطلاعات هفتكي»، يقول: (الموفقيّة أو عدمها في أثرٍ علمي أو أدبي أو فنّي أو إختراع صناعي، هو نوع من الثّواب و العقاب لِأعمال الإنسان في الحياة السّابقة، و تدخّل الأرواح في هكذا حوادث، أمرُ قطعي ... (هذه الأمور) ظاهراً غير منصفة ...).
الحل الوحيد لِهذا اللّغز هو ما كُشف ببركة أصحاب الإعتقاد بعودة الأرواح، يعني هو نوع من الثّواب و العِقاب و تدخّل الأرواح إلى حدّ مّا!. (العدد 1493).
و بالإستناد الى الحقائق أعلاه، يتّضح بِجلاء أنّه لا الأرواح تتدخّل بلا سبب في أعمال خلق اللَّه تعالى، و لا
الحياة السابقة جزاؤها هذا، بل لكلّ هذا أسباب نفسيّة و إجتماعيّة و تربويّة و جسميّة خاصّة، و لا تحتاج لهذه الفرضيّات الفاسدة.
هذا عجيب، أنّ الكاتب المذكور أعلاه، بقوله إنّ هذه الحوادث هى نوع من الثّواب و العِقاب، و في تصريح له في الأعداد السّابقة، (مثلًا في العدد 1461)، يقول: (أنتم أيّها الآباء و الأمّهات إعلموا أنّ التفرقة بين الأبناء هى جريمة عُظمى، سيكون جزاؤها في أعناقكم، امّا في هذه الدنيا و أمّا بعد الموت في عالم الأرواح، و حتّى في حياتكم القادمة التي تعود بها إلى هذا العالم).
يقول هذا الكاتب: لِماذا «السيّد مكارم» ينسِب إليَّ هذا الأمر الآتي: (الرّوح و بعد الإنفصال عن البدن، إذا كانت بحاجة إلى التّكامل فستعود إلى بدنٍ آخر، و تشرع بدورةٍ جديدةٍ من الحياة أحياناً، تكون هذه الدّورة الجديدة يشوبها العذاب و الهُموم، حتّى تُلاقي أعمالها السّيئة السّابقة، و أحياناً يشوبها النّجاح و الموفَّقية لِتُعوِّض حرمانها السابق).
ثم يقول: أيّ موضوع كتبته يتناسب (واحد بالألف) مع
هذا الكلام الخاطىء الذي نسبته إلَيّ ...، عملك هذا يسمّى عُرفاً و شَرعاً و قانوناً: تَحريفاً. نعم تَحريفاً!!. (العدد 1497).
بضمائركم هل أنّ هذا الحديث الذي نسبناه إليه لم يكن عَين ما نقلناه أعلاه، فلو كان هذا تحريفاً لكانت الحقائق كلّها تَحريفاً، لماذا ينسى هذا الكاتب بهذه السّرعة ما قاله. (إذا أَرَتك المِرآة عيوبك فإكسر نفسك، فإنّ كسر المرآة خطأ)!.
ما الذي حرّفناه؟!:
والألطف من ذلك ما قاله في (العدد 1498)، في مجلة مكتب إسلام في (العدد 113)، الصفحة الرابعة: الأرض التي نمشي عليها هى اللَّه!، المحيطات و الأمطار هى اللَّه!، هذه النّجوم و المجرات التي أمام أعيننا هى اللَّه، أنا لم أُحرِّف ذلك، إنّما هذا هو نصّ عبارته!.
حقّاً إنّ الإنسان لا يعلم ماذا يسمّي هذا العمل: هل أنا- (مكارم)- قلت إنّ الأرض التي نمشي عليها هى اللَّه؟،
المحيطات و الأمطار هى اللَّه؟ ...، هل أنت صادق في أنّ هذا هو نصّ عبارتي؟، إذَن إسمحوا لي أن أكتب في هذه الصفحة نصّ عبارتي، و أترك تعيين إسم عملك هذا إلى ضمائر القراء اليَقِظة:
(إنّ ما نفهمه من كلمة الطبيعة في الموارد الأخرى هو هذه النّواة و الإلكترونات، هذه الموجودات البسيطة التي تتألف منها تركيبات مختلفة، ما هى إلّاهذه الأرض التي نمشي عليها، و هذا الهواء الذي نستنشقه، و هذا الماء الذي نشربه، و هذه العواصف، و بالنّهاية هذه السّيارات و الكواكب و المجرّات؟. هل هذه بهذا القدر من الإدراك و العقل و التدبير؟
طبعاً لا!، إذن مُراد أولئك (الماديّين الذين يقولون إنّ ذلك من آثار الطبيعة)، من كلمة الطبيعة: هو في الحقيقة أنّها قوّةٌ فوق كلّ ذلك، تلك القوّة التي يُسمّيها البعض «اللَّه»، و بعضٌ آخر (الرّب)، و هؤلاء يسمّونها «الطّبيعة»!
لاحظوا أنّ الشّيء الذي نسبه إليَّ هو نَقيض ما قلته، و الشّيء الذي نسبته إليه هو عَين ما قالَه، ولكم الآن أن تقولوا:
أيّنا محرِّف؟.
لماذا تجدَّدت الفرضيَّة القديمة لِعودة الأرواح؟
سؤال:هناك سُؤالٌ يطرح نفسه: لماذا تُصرّ بعض محافل الغرب الرّوحيّة في القرنين الأخيرين، على تجديد الفَرضيّة القديمة و الخُرافيّة لعودة الأرواح و التّناسخ، و ينفخون روحاً جديدة في جِسمها؟، و هل أنّ أولئك يميلون إلى الخُرافات!؟.
عندما نرى في أوساط علماء الغَرب، العلماء الذين وصلوا القَمر أوّل مرّة و التّكنيك و الصّناعات الباهرة، و التّقدم العجيب في كلّ المجالات، نرى أفراداً من أتباع ال «كارما» و «عودة الأرواح». فهل يُمكننا أن نَحدس أنّ هناك أسرار في هذا الموضوع، و أُموراً إنكشفت لهم و بقيت خافيةً علينا؟.
ماذا تقولون في هذا؟.
الجواب:في الإجابة عن مثل هذا السّؤال يجب القول بكلّ صراحةٍ:
أوّلًا:مِمّا لا عجب فيه أنّ الخُرافات في أوساط الغرب، إن لم تكن أوسع مما هى عليه في الشّرق، فليست بأقلّ منه، فأعدادٌ كبيرةٌ من المنجِّمين و القوّالين، بِمُنتهى الخفّة الحديثة و بصيغَةٍ جديدَةٍ. منتشرون في العواصم، «كباريس»، و ليس التّكنيك و الصّناعات المتقدِّمة دليلًا على عدم وجود الخُرافات، و لا تمنع من وُجودها، و حتّى الصّناعة و الفلسفة فإنّهما مستقلّان تماماً عن بعضهما.
ثانياً:إنّ مسألة الإعتقاد بعودة الأرواح لها طابع إستعماري من جهةٍ، و من جهةٍ أُخرى فإنّ روح الإستعمار إمتزجت بحياة و أفكار العديد من الغربيين، بالحدّ الذي جعلها تنفذ إلى الفلسفة، و الأداب، و البُحوث العلمية و المسائل الإعلاميّة، إنّ سوء الظّن يجعل المَرء يظنّ بأنّ شُيوع الإعتقاد بالتّناسخ و عودة الأرواح، مرتبط أيضاً بالأفكار الإستعماريّة.
و الآن لاحِظوا التّوضيح التّالي:
إنّ الإعتقاد بالكارما و عودة الأرواح يتّصف بصبغةٍ إستعماريّةٍ، لأنّه يُشجِّعِ الشّعوب المحرومة و المستعمرة
لتقبّل طريقة الحياة الخاملة هذه، بذريعة أنّها قد تكون كفارةً لِما إقترفته من ذنوب في الحياة السّابقة، و يجعلها تتحمَّلُها.
الإعتقاد بالتّناسخ يوجد حالةً من الإستسلام و الرّضا عند الأفراد، و يدعوهم لقبول الإضطهاد و الحرمان بوصفه طريقةً لِلتكامل و تطهير الرّوح.
لم يكن مُصادفةً أن يعترف بعض المُفكرين، بالدّور المُؤثّر لِلإعتقاد بِعودة الأرواح، في الإستعمار الهندي و التّسلط الطبّقي على الشّعب الهِندي.
في حاشية كتاب: (مشرقُ الأرض: مهدَ الحضارة)، المجلد الثّاني، الصفحة 735، نقرأ هكذا:
(الإعتقاد بالكارما و التّناسخ هو من أكبر الحواجز النّظرية، في طريق تنفيذ مُخطَّط إجتثاث سلطة التّفرقة في الهِند؛ لأنّ الهندوس المتديّنين يعتقدون بأنّ الإختلافات الطبقيّة، هى نتاج سلوك الرّوح خلال الحياة السّابقة، و جزءٌ من الُمخطَّط الإلهي، و تعطيله يُعتبر بِمنزلة هَتكٍ لحُرمة الدّين و المُقدسات!!).[1]
[1]. ليس الهندوس وحدهم بل سائر الأقوام، و الشّعوب لو آمنوا بإعتقادٍ كهذا، فمن الطبيعي أنّهم سيسهّلون الطريق للمستعمرين، و يرشفون كأس حَنظل الإستعمار إلى آخر جرعة، و كأنه شهدٌ حلو المذاق، و يشكرون المستعمرين أيضاً، بإعتبارهم قد أعدّوا لهم وسيلةً لتطهيرهم من الذنوب السّابقة.
الفلسفة و فلاسِفة الشّرق:
نحن نُخالف الوثنيّة، و نُخالف التّمويه و الهلع.
كلّ من له أقلّ إطلاع على تأريخ الفَلسفة، يعلم أنّه بعد أُفول شمس الفَلسفة في اليونان، و إنتهاء عصر الفَلسفة الأُولى، بَزغَت شمس الفلسفة مرةً أخرى من الشّرق و خاصّةً من البلدان الإسلاميّة.
(الفرد جيوم) مدير كليّة «كلهم» الإنجليزية، مع أنّه يُعد من العلماء المتطرّفين، لأنّه ينظر إلى علوم الشّرق نظرةً سِلبيّةً، قال في نهاية المقالة التي كتبها حول فلسفة الشّرق، و نشرت مع مقالاتٍ لإثني عشر أستاذاً و مستشرقاً إنجليزياً في كتاب «ميراث الإسلام»:
عندما ندرس كلّ الكتب و الآثار القيِّمة في مكتبات و متاحف أوروبّا، نرى أنّ نفوذ العرب (المسلمين)، «و الذي هو فينا لحد الآن»، في حضارة القرون الوسطى: (من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر الميلادي)، أكثر بكثير ممّا