(الدّليل الأساسي لِمعرفة اللَّه تعالى هو بُرهان عِلّة العِلل، و لهذا السّبب كنت في شبابي مُؤمناً باللَّه، ولكن بعد ذلك إرتدّدت عن هذه العقيدة، لأِنّي فكرَّت لو كان لِكلِّ شيءٍ عِلَةٌ، إذن اللَّه يحتاج إلى علةٍ أيضاً)!.
أتذكر كلمات (مترلينغ) (و أفكار العقل الكبير!)، فإنّه أورد هذا الإشكال في بحث معرفة اللَّه أيضاً.
هذا الإشكال هو واحد من أبسط الإشكالات، التي يعرف الإجابة عنها أيّ تلميذ في درس الفلسفة في الشّرق، في الوقت الذي جرّ هذا الإشكال إلى الإلحاد أفراداً كراسل!.
أىّ تلميذ في درس الفلسفة في الشّرق يعلم، أنّه لو قلنا:
«كلّ موجود يحتاج إلى خالق»، أنّ المُراد من «كلّ موجود» هو: الموجودات التي لا يكون وجودها من داخل ذاتِها و من أنفسها، و من المُسَلَّم به أنّ موجودات كهذه تحتاج إلى خالق، ولكن الموجود الذي يكون وجودُه من ذاتِه، و هو عَين الوجود، و بِمصطلح فلسفة الشّرق: «واجب الوجود»، فإنّه ليس بحاجةٍ إلى خالق.
اللَّه تعالى وجودٌ أزليٌّ و دائمي، بدون بداية و نهاية،
موجود كَهذا لا يحتاج إلى عِلّة.
إذا كان «راسل» أو «مترلينغ» لا يقبلون اللَّه تعالى، فهل يقبلون وجود «المادّة الأولى» أم لا؟، فنقول: من أين جاءت هذه «المادة الأولى»؟، فإذا كان قانون العليّة قانوناً عامّاً فلِماذا تُستثنى منه المادّة الأولى؟، لا بد أنّهم سيقولون أنّ «المادة الأوّلية» أزليّة لا تحتاج إلى خالق و علّة، حسناً فإنّ المؤمنين باللَّه تعالى يقولون هذا القول نفسه بشأن اللَّه تعالى.
بإختصار: إنّ مسألةً فلسفيّةً بهذا الوضوح، بقيت غامِضةً على راسل و مترلينغ، و هذا دليل على مدى تأخّر الغرب في الفلسفة، (و خاصّة في مباحث الفلسفة الإلهيّة).
كثيرٌ من الباحثين طالعوا الإستدلالات الثّلاثة، لديكارت الفيلسوف الفرنسي المعروف، (حول إثبات وجود اللَّه)، إنّ ديكارت يعتبر هذه الإستدلالات الثّلاثة، (و ليس هنا محل شرحها)، من أروع أعماله العلميّة مع أنّها لا تُعد برأينا من المواضيع المهمّة، فضلًا عن أنّ بعضها لا يخلو من إشكال.
إنّ جملة ديكارت المعروفة: (أنا أُفكِّر إذن أنا موجود)، و التي تُشكِّل القاعدة الأساسيّة لفلسفته، هى في رأينا سطحيّة،
و لا أساس لها؛ لأنّ الذي يقول «أنا أُفكِّر» فإنّه يقرّ و يعترف بوجوده في هذه الجُملة الأولى، و بعدها لا يحتاج أن يُثبت وجوده بواسطة التّفكير.
أمثال هذه الأمور كثيرٌ في كتابات فلاسفة الغرب.
فإذا كان الأمر كذلك، فهل من الانصاف أن نقول: خُذوا بفلسفة الغرب فإنّها حيٌّة و متحرِّكة، و ليست كفلسفة الشّرق جامدة و راكدة و مكررة ....
بإعتقادنا يجب القول، إنّ طريقة تفكير شخصٍ كَهذا جامدةٌ و راكدةٌ! ...
الفرق بين العِلم و الفلسفة:
هنا نقطة يجب أن تلاحظ بدقةٍ، حتّى يمكن تفادي أيّ سوء فهمٍ في هذا المجال، و ذلك أنّ فلسفة الشّرق تتركّب من بحوثٍ مختلفةٍ يمكن تلخيصها في قسمين:
القِسم الأوّل:البحوث في المسائل العامّة و الإلهيات.
القِسم الثاني:في الطبيعيّات و الفلكيّات.
في القسم الأوّل الذي يُشكِّل أساس الفلسفة، بحثٌ عن القوانين العامّةِ للوجود، و تلك الأُسس العامّة تَحكُم كلّ عالَم الوُجود.
و في القسم الثاني بحثٌ عن سلسلة بحوث العلوم الطبيعيّة و الفلكيّة.
و مِمّا لا يَنكر أنّ القسم الثاني قد أصبح عرضةً للتغيرات الكثيرة، و الأفلاك البَطليموسيَّة التّسعة، حلَّ محلّها شكلٌ جديدٌ وضع أساسه كلّ من «كلير» و «غاليلو»، وزالت من البيت العناصر الأربعة: الماء، و الهواء، و التراب و النار، و إتّضح أنّ جميعها «مركَّبةٌ» من الماء، و حلّ محلها أكثر من مائة عنصر، و إنشطرت «الذّرة غير القابلة للإنقسام» على رأي القدماء، و إضمحلّت و تلاشت في ظِلّ التّفاسير العلميّة الجديدة، التي قامت على أساس التّجارب أو المُشاهدات أو التَحليل.
لكنّنا نعلم بأنّ كلّ هذا يرتبط بالقسم الثّاني من فلسفة الشّرق، و في الواقع لا يُعد جزءاً من الفلسفة، و اليوم يسمونها «العلوم» التي تقع مقابل «الفلسفة».
«العلوم» تبحث في المواضيع و الأشياء الخاصّة، بينما تبحث «الفلسفة» في القوانين و الأُسس العامّة، القسم الأوّل من فلسفة الشّرق لا يزال مُحتفظا بقيمته كما كان.
بناءً على هذا، فإنّ من يتّخذ مسألة الأفلاك البطليموسيّة ذريعةً لِسحق «فلسفة الشرق»، فإنّه لم يُدرك المعنى الصّحيح لِلفلسفة، و الفرق بينها و بين «العِلم»، و لا يَعي رسالة فلسفة الشّرق.
لا مانع من النّقد، لكن:
الموضوع الآخر الذي تجب ملاحظته هو، أنّ أيّ عالِم و باحِثُ، لا يقول يجب التّسليم لجميع أفكار هذا الفيلسوف أو ذاك، مهما كان من النبوغ و سُمو المقام، لأنّ التّسليم المُطلق لا مفهوم له في المباحث العلميّة، و لا يتَّفِق أبداً مع روح التحقيق.
العلم و الفلسفة يجب أن يتقدَّما تدريجيّاً، و ليس هنالك من وسيلةٍ لِلتطور و التّكامل غير التّحقيق و المتابعة و النقد.
نحن لا نعتبر إبن سينا مَعصوماً، و لا كُلّ أفكاره صحيحة و
مطابقة للواقع، بل ننظر دائماً إلى مَنطِقها و إستدلالاتها، و نستلهم أحياناً من الأفكار السامية، و ما رأيناه صحيحاً بأفكارنا أخذناه و إلّارفضناه.
إنّ عَوامّ الناس قد يقولون: لأنّنا قبلنا كلام ابن سينا المُبرهن في بحث إبطال عَودة الأرواح، و يجب أن نقبل كلّ كلامه، و أسوَأ من كلام العوام، أن يضرب شخص جميع أفكار عالِم كإبن سينا عرض الحائط، لأنّ نظريته في المسألة الفلانيّة قد رُفضت، و يعتبر جميع أرائه الفلسفيّة العميقة عديمة القيمة.
النّقد ليس جائزاً فحسب، بل هو ضرورةٌ لازمةٌ لإحياء المجتمع، أو التّخصص العلمي و الفكري، ولكن أيّ نقدٍ؟؛ إنّه النّقد الصادر ممّن له صلاحيّة النّقد العلميّة، يعني من له رأي و تخصّص، لا النقد الصّادر ممن لا يدرك الألفباء الأولى من ذلك الفن.
عندئذٍ لا يجوز أبداً أن يفسّر النقد بمعنى الإهانة، و التحقير، و الهتك، و التمويه و أمثال ذلك، فهذه طريقةٌ خاطئةٌ للتفكير.
من العجب أنّه في بلد يحتضن مهرجان الألفيّة لأبي علي بن سينا، و يشترك فيه مئات العلماء و الشّخصيات العالميّة، و تُلقى المحاضرات الكثيرة حول شخصيّة «إبن سينا»، و تسمّى بإسمه عشرات المُؤسّسات الكبيرة، و في الغرب يولّونه إحتراماً أكثر من الشّرق، أن يُهاجم إبن سينا بهذا الأُسلوب العَنيف، البعيد عن المنطق و الأدب و مَتوهِّماً أنّها وسيلة لشيوع شهرته، و يطلق عبارات يضحك عليه من سمعها، مثلًا يقول فيه: (إن إبن سينا لم يكن أساساً فيلسوفاً بالمعنى الواقعي للكلمة، و لم تكن له آراء خاصّة منظّمة ... و ما إشتهر بإسم فلسفة إبن سينا ما هو إلّامزيج مطبوخ)!.
(إطلاعات هفتكي- العدد 1498-، مقالة أسرار الحياة و الموت).
حسناً أيّها الكاتب، لو أنّ إبن سينا الذي سمّاه الغربيّون فيلسوف العرب (المسلمين) لم يكن فيلسوفاً، إذن من هو الفيلسوف؟، أنت تصرِّح بأنّك ودَّعت آثاره منذ أربعين سنة، و لا يعلم أساساً أنّك قد قرأت آثاره أم لا، فكيف تريد و بكلِّ جَسارةٍ أن تخطَّ بقلم أحمر على فلسفة إبن سينا؟.
إنّ طريقة تفكيرٍ كهذه لا تنسجم مع أيّ منطقٍ.
المنضدة المستديرة في خدمة التّناسخ و عَودة الأرواح
سؤال:يقولون ثبت لنا بواسطة الإتصالات التي أجريناها بالأرواح، إنّ الرّوح تعود مرّةً أخرى إلى حياةٍ جديدةٍ، و هذا أمرٌ محسوسٌ لنا، ماذا تقولون أنتم في مقابل هذا الدليل؟
الجواب:المَثل المَعروف يقول: سألوا الثّعلب من هو شاهدُك؟ قال: ذَيلي!، ليس هناك من يعتبر دَعوى المُدّعي دليلًا يُثبت دعواه.
و الجدير بالإهتمام، إنّ ادّعاءاتهم هذه سند لِبُطلان عقيدتهم؛ لأنّهم ينسجون أقوالًا عن الأرواح مضحكةً حقّاً، و إن لم تصدِّقوا، فلاحِظوا القِصّة الآتية التي كتبها الكاتب المذكور:
السيّد ناصر مكارم:
نحن لم نُصدِّق عودة الأرواح بالكلام، نحن رأيناها عملًا، إنّك لا تعلم شيئاً من مشاهداتى و مشاهدات الآخرين، نحن رأينا مرّاتٍ عديدةٍ روحاً من عالم الأرواح أخبرتنا بأنّها