بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 35

الدّليل الثّاني على إبطال عقيدة التّناسخ:

الرّوح لا تستطيع الحياة إلا في بدنها:

إن فلاسفتنا العُظماء يرفضون عقيدة (التّناسخ)، و عودة الأرواح إلى أَبدان الحيوان أو الإنسان في هذا العالم، و لم يُبطلوها إستناداً إلى الآيات القرآنيّة المجيدة و مصادر الحديث الإسلامي فحسب، (بالشّكل الذي سنعرض له بالتّفصيل لِاحِقاً)، بل علاوةً على ذلك، أبطلوا تلك العقيدة بالدّلائل العقليّة الواضحة.

الى جانب ذلك فإنّ لهذه العقيدة معطياتها السَيِّئة من الناحية العمليّة، و التي ستمر على القُراء الإعزاء خلال هذه الأبحاث.

في البحث السّابق أثبتنا أنّ النّقص الكبير في هذه العقيدة، هو مخالفتها الصّريحة لقانون (التّكامل في عالم الحياة)، و رجعيّة تلك العقيدة.


صفحه 36

كيف يمكننا الإعتقاد، بأنّ اللَّه سبحانه يعيد الأرواح إلى حالتها الأولى‌، بعد طيِّ مراحلها التكامليّة (ولو كانت نسبيّة)، و مرة أُخرى‌ يُقِرُّ روح إنسان في الأربعين من عمره في داخل جنين، ثم يسيره في أدوار الطّفولة تلك، و هو سيرٌ محدّد و عَديم الفائدة، لأنّه سيعود بعد فترةٍ إلى حالته الأُولى‌.

و الآن ننتقل إلى الأدلّة العقليّة الأُخرى‌.

الرّوح لا تنفع بدناً آخر:

خلافاً لما يتصوّره البعض، فإنّ روح الإنسان لم تكن موجوداً كاملًا و مُعدّاً حاضراً، و لكنّه يطوي أدواره التكامليّة في هذا العالم بصورةٍ تدريجيّةٍ.

من الذي لا يعلم أنّ روح الطّفل طفوليّة كَبدَنِه؟. و روح الشّاب هى شابّةٌ نشطةٌ و ثائرةٌ و ساخنةٌ مثله؟.

إنّ روح الإنسان و بدنه، على علاقةٍ وثيقةٍ جدّاً ببعضهما، و يؤثّر أحدهما في الآخر تأثيراً مباشراً.

الدراسات الحديثة لفلاسفتنا التي بُنيت على أساس نظريّة (الحركة الجوهريّة)، تُظهِر أنّ من المُستحيل إعتبار


صفحه 37

الرّوح كائناً مُستقلًاّ و منفصلًا عن الجسد، و الحقيقة هذا نوعٌ من الثنويّة و الإتحاد، بل العلاقة بين الإثنين أكثر ممّا نتصور، الى جانب تأثير أحدهما بالآخر، أو بتعبير البَعض فإنّ علاقة الرّوح بالجسد، كعلاقة (ماء الورد) بالورد، و إنّ علماء النّفس المُعاصرون، تقدّموا في هذا الحقل و وثّقوا العلاقة أكثر بينهما.

ولا ينبغي الخَلط هنا، فنحن لا نَزْعُم ما يردّده المادّيون، من أنّ الرّوح لَيست سِوى‌ خَواص المادّة، بل نُريد أن نقول:

إنّ الرّوح في الوقت الذي تكون فيه كائناً، فوق المادّة، هى على إرتباطٍ و إتحادٍ وثيقٍ بالجسم و المادّة.

لم يكن هذا إدعاءً بل حقيقةً، و إنّ الفلسفة و علم النّفس يثبتان ذلك.

و نستنتج من هذا كُلِّه: إنّه كما أنّ أيّ جسمين لا يتشابهان من جميع الجِهات، كذلك لا يمكن لروحين أن يتشابها من جميع الجهات.

فَلأن الرّوح ستحمل صبغة بدنها، فإنّها ستتطور بالنّسبة لذلك. و لهذا فإنّك لن تجد أبداً، شخصين مُتشابهين فى شخصيتهما و حالاتهما النّفسية، و شِئتَ أم أبيتَ ستجد بينهما


صفحه 38

نقاط إختلاف و تفاوت.

و بتعبير آخر لو أن هناك جِسمين مُتشابهين من جميع الجِهات، فيسكونان جَسداً و احداً، ولو أنّ هنالك روحين مُتشابهين في كلّ الأشياء فسيكونان رُوحاً واحداً.

مع الأخذ بنظر الإعتبار سنَخيّة (النّفس) و (البدن)، أو (الرّوح) و (الجسم)، فمن غير المُمكِن لأيِّ روحٍ أن تستقر في بدنٍ آخر غير بدنها، ما دام ليس بينهما تطابق و توافق.

كلّ جسمٍ لائقٍ و موافقٍ للروح التي ترتبط به، و بالعكس فإنّ كلّ روح لائقةٍ و موافقةٍ لجسدها.

و يبدو هذا التّناسب و الإنسجام، الى درجةٍ بحيث لو إفترض إرسال روح الى جسدٍ آخر، لكانت غريبةً عليه تماماً و ليست مُناسبةً له.

و كذلك بنفس هذا الدّليل، يجب أن تعود الرّوح لهذا البدن نفسه (يوم القيامة)، لأنّ إستمرار نشاط الرّوح الحيوي، لا يتم بدونه، فقد ترتّب معه، و ستعيش معه ولكن في مرحلةٍ أكمل.

ويبدو أنّ أتباع عقيدةِ (التّناسخ) نسوا كلّ هذه الحقائق، و توهّموا أنّ (الرّوح)، هى مسافرةٌ تحل أحياناً في هذا المنزل،


صفحه 39

و أحياناً أُخرى‌ في ذلك المنزل، أو كطيرٍ خفيف الطّيران، يسكن كلّ يوم في عشٍّ جديد. مع أنّ الأمر ليس كذلك؛ فالمُسافر و الطّير شي‌ءٌ، و المنزل و العِش شي‌ءٌ آخر. ولكنّ الرّوح و الجسم، بينهما من الإرتباط و الإمتزاج ما لا يستطيع أن يكون هذا الجسد قالباً لروح أخرى‌، و لا الرّوح الأُخرى‌ يمكنها أن تعيش و تقترن و تتّفق مع هذا الجسد، أنّهما مثل الأقفال المختلفة، لكلّ قُفلٍ مفتاحٌ خاصّ، لا يصلح إلّاله.

ما لا تستطيع إبداعه الرّوح:

لنفرض أنّنا صرفنا النّظر عن هذه الحقيقة، و قلنا: إنّ روح الإنسان يمكن أن تحلّ ببدنٍ آخرِ، فكيف يمكن لروح إنسانٍ في الخمسين من عمره، و قد طوت أدوارها المختلفة، أن تستقِرّ في جَنينٍ صغيرٍ، و بعد الولادة تكون كروح الطّفل، تحمل تصرّفات الأطفال فتتذرع، و تبكي، و تُعاند، و تصرخ و تلعب كالأطفال، و تُخاصِم و تُصالِح، و في مرحلة الشّباب تؤدّي أعمال الشباب؟!. حقّاً لا يجوز عَليها مثل هذا الفعل، ولا يمكن الإيمان بهذا الموضوع. وَ لَسنا بِصَدَد رجعيّة هذا


صفحه 40

السّير؛ إلّاأنّ المراد إنّه لو كان لِلرجعَة و العَودة الى الوراء، من سبيلٍ الى عالم الحَياة، فإنّ هذا العمل لا يمكن القيام به، بواسطة إعادة روح الإنسان الذي له خمسون عاماً الى بدن طفلٍ.

أَتباع عقيدة التّناسخ، لم ينتبهوا ظاهراً إلى لَوازم عقيدتهم، و اكتفوا بالتّعلق بالأهداف التي ذُكرت في البحث السّابق، و إلّافلا يُعقل أنّ أحداً يصل إلى هذه الحِسابات، و يبقى‌ ثابتاً على هذه العقيدة، أو لا يُداخله على الأقل الشّك في صِحَتها.


صفحه 41

الدّليل الثالث: إستحالة النّسيان المطلق على الأرواح:

الدّليل الآخر الذي يجعل من المُسَلَّم به بُطلان عقيدة:

(عودة الأرواح إلى‌ أبدانٍ أُخرى‌)، هو موضوع: (النّسيان المطلق) لذكريات الماضي.

توضيح ذلك: لو بَنَينا على أنّ كلّ الأرواح، أو الأرواح غير المتكاملة تعود إلى أبدان أخرى‌، فكيف يمكنها أن تنسى‌ جميع ذكريات الماضي؟

إنّنا لم نَرَ أنفسنا أو أيّ شخص ممن نعرفه، يتذكر أو يعلم أنّه كان مرّةً سابقةً في هذا العالم، و قد رأى‌ حوادثه، و مهما نفكر، فإنّنا لا نتذكر أدنى ذِكرى‌ من عالمٍ آخرٍ متقدّمٍ.

كيف يمكن لشخصٍ في الثّلاثين من عمره، أو في الخمسين أو أكثر أن يعيش في هذا العالم، و يدرس علوماً كثيرةً، وَ يبرع في كثيرٍ من الفنون، أن ينسى‌ ذلك كلّه، آلاف‌


صفحه 42

الذّكريات في الشّدة و الرّخاء، لقاءَه بآلافِ الأصدقاءِ و الأعداءِ، كيف ينسى‌ كلَّ ذلك؟.

هكذا نِسيان، غيرُ مُمكنٍ لِلروح، وَ وِفقاً لِلنصوص القُرآنيّة و الأدلّة العقليّة المتوفِّرة، فإنّ الأرواح تعود يوم القيامة إلى أبدانها الكاملة، و تَتذكّر تقريباً كلّ الأشياء، تَتذكّر أعمالها و أفعالها في هذا العالم، و حتّى‌ الأصدقاء و الأعداء لو رأتهم فستعرفهم.

كيف يمكن أن يكون، التّفاوت و البُعد بين العُودة إلى هذا العالم و العَودة في يوم القيامة بهذا المِقدار؟.

و لو فرضنا إمكان ذلك، فإنّه باطلٌ و لا جدوى فيه؛ لأنّ أَتباع هذه العقيدة يعتقدون بأنّ الحياة الجديدة هى: (تَذكُّر) و (تكامل)، و أحياناً تكون جزاءً لِمعاصي الحياة الأولى‌.

من البديهي أنّ هذه المواضيع، لا تعني شيئاً بالنّسبة لِلأشخاص الذين نسوا ماضيهم بالكامل. فهم لا يتذكّرون الجرائم و المعاصي التي إرتكبوها حتّى‌ يعتبروا و يتيقّظوا، و لا يتذكّرون شيئاً من الحِرمان حتى‌ يلتذّوا بالإنتصارات، و بالوصول إلى الأهداف في حياتهم الجديدة، لأن كلّ هذه المفاهيم تكون مُشروطةً بتذكّر الماضي.