و أحياناً أُخرى في ذلك المنزل، أو كطيرٍ خفيف الطّيران، يسكن كلّ يوم في عشٍّ جديد. مع أنّ الأمر ليس كذلك؛ فالمُسافر و الطّير شيءٌ، و المنزل و العِش شيءٌ آخر. ولكنّ الرّوح و الجسم، بينهما من الإرتباط و الإمتزاج ما لا يستطيع أن يكون هذا الجسد قالباً لروح أخرى، و لا الرّوح الأُخرى يمكنها أن تعيش و تقترن و تتّفق مع هذا الجسد، أنّهما مثل الأقفال المختلفة، لكلّ قُفلٍ مفتاحٌ خاصّ، لا يصلح إلّاله.
ما لا تستطيع إبداعه الرّوح:
لنفرض أنّنا صرفنا النّظر عن هذه الحقيقة، و قلنا: إنّ روح الإنسان يمكن أن تحلّ ببدنٍ آخرِ، فكيف يمكن لروح إنسانٍ في الخمسين من عمره، و قد طوت أدوارها المختلفة، أن تستقِرّ في جَنينٍ صغيرٍ، و بعد الولادة تكون كروح الطّفل، تحمل تصرّفات الأطفال فتتذرع، و تبكي، و تُعاند، و تصرخ و تلعب كالأطفال، و تُخاصِم و تُصالِح، و في مرحلة الشّباب تؤدّي أعمال الشباب؟!. حقّاً لا يجوز عَليها مثل هذا الفعل، ولا يمكن الإيمان بهذا الموضوع. وَ لَسنا بِصَدَد رجعيّة هذا
السّير؛ إلّاأنّ المراد إنّه لو كان لِلرجعَة و العَودة الى الوراء، من سبيلٍ الى عالم الحَياة، فإنّ هذا العمل لا يمكن القيام به، بواسطة إعادة روح الإنسان الذي له خمسون عاماً الى بدن طفلٍ.
أَتباع عقيدة التّناسخ، لم ينتبهوا ظاهراً إلى لَوازم عقيدتهم، و اكتفوا بالتّعلق بالأهداف التي ذُكرت في البحث السّابق، و إلّافلا يُعقل أنّ أحداً يصل إلى هذه الحِسابات، و يبقى ثابتاً على هذه العقيدة، أو لا يُداخله على الأقل الشّك في صِحَتها.
الدّليل الثالث: إستحالة النّسيان المطلق على الأرواح:
الدّليل الآخر الذي يجعل من المُسَلَّم به بُطلان عقيدة:
(عودة الأرواح إلى أبدانٍ أُخرى)، هو موضوع: (النّسيان المطلق) لذكريات الماضي.
توضيح ذلك: لو بَنَينا على أنّ كلّ الأرواح، أو الأرواح غير المتكاملة تعود إلى أبدان أخرى، فكيف يمكنها أن تنسى جميع ذكريات الماضي؟
إنّنا لم نَرَ أنفسنا أو أيّ شخص ممن نعرفه، يتذكر أو يعلم أنّه كان مرّةً سابقةً في هذا العالم، و قد رأى حوادثه، و مهما نفكر، فإنّنا لا نتذكر أدنى ذِكرى من عالمٍ آخرٍ متقدّمٍ.
كيف يمكن لشخصٍ في الثّلاثين من عمره، أو في الخمسين أو أكثر أن يعيش في هذا العالم، و يدرس علوماً كثيرةً، وَ يبرع في كثيرٍ من الفنون، أن ينسى ذلك كلّه، آلاف
الذّكريات في الشّدة و الرّخاء، لقاءَه بآلافِ الأصدقاءِ و الأعداءِ، كيف ينسى كلَّ ذلك؟.
هكذا نِسيان، غيرُ مُمكنٍ لِلروح، وَ وِفقاً لِلنصوص القُرآنيّة و الأدلّة العقليّة المتوفِّرة، فإنّ الأرواح تعود يوم القيامة إلى أبدانها الكاملة، و تَتذكّر تقريباً كلّ الأشياء، تَتذكّر أعمالها و أفعالها في هذا العالم، و حتّى الأصدقاء و الأعداء لو رأتهم فستعرفهم.
كيف يمكن أن يكون، التّفاوت و البُعد بين العُودة إلى هذا العالم و العَودة في يوم القيامة بهذا المِقدار؟.
و لو فرضنا إمكان ذلك، فإنّه باطلٌ و لا جدوى فيه؛ لأنّ أَتباع هذه العقيدة يعتقدون بأنّ الحياة الجديدة هى: (تَذكُّر) و (تكامل)، و أحياناً تكون جزاءً لِمعاصي الحياة الأولى.
من البديهي أنّ هذه المواضيع، لا تعني شيئاً بالنّسبة لِلأشخاص الذين نسوا ماضيهم بالكامل. فهم لا يتذكّرون الجرائم و المعاصي التي إرتكبوها حتّى يعتبروا و يتيقّظوا، و لا يتذكّرون شيئاً من الحِرمان حتى يلتذّوا بالإنتصارات، و بالوصول إلى الأهداف في حياتهم الجديدة، لأن كلّ هذه المفاهيم تكون مُشروطةً بتذكّر الماضي.
بعضٌ من أتباع عقيدة (التّناسخ)، لغطوا لَغطاً عجيباً في توضيح النّسيان المُطلق، و قالوا: إنّ في بعض أَطراف العالم، يَلاحظ أنّ هناك أفراداً يتذكُروا قليلًا أو كثيراً ذكريات الحياة الأولى!.
يحب أن يُقال لِهؤلاء: أوّلًا لا يوجد أيّ دليلٍ مُعتبرٍ يُستَند عليه في إمكان إثبات هذا الإدّعاء في البحوث العلميّة، و على فرض وجود شخصٍ يَدّعي هكذا ادِّعاء، فمن غير البعيد أن يكون إدِّعاءُه من قبيل التّوهم و الخيال، و هذا نوع، من الأمراض النّفسية المُبتلى بها عِدَّة منهم، و إلّا فكلّ واحدٍ منا يعرف آلاف الأشخاص الأسوِياء و يختلِط معهم، ولم نَرَ أحداً منهم إدّعى هذا الإدِّعاء.
ثانياً- على فرض وجود هكذا أفراد، و أنّهم يتمتّعون بالسّلامة التّامة من الناحية النفسيّة، يتبادر هذا السُّؤال: ما هو دليل هذا التَّمييز؟ لماذا يدّعي عدد قليل من الأشخاص، إنّهم يتذكّرون الحياة السّالفة ولا يّدعي ذلك الجميع؟، هذا التَّمييز لا دليل له مطلقاً.
تشهد كلّ هذه الأُمور على وهميّة الزّعم المَذكور.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الدّليل الرّابع على إبطال عقيدة التّناسخ
الأرواح غير المُكلَّفة و المنتظرة الحائرة!:
الإشكال الآخر الذي يَرِد على عقيدة (التّناسخ)، و العودة إلى الحياة مُجدّداً هو:
لو تمَّ هذا الأُسلوب بالنّسبة لكلِّ الأفراد الذين يحتاجون إلى تكاملٍ جديدٍ، فيلزم من ذلك، أن يتَقارن دائماً موت شخصٍ مع إنعقاد نُطفةٍ أُخرى، لكي تنتقل الرّوح بعد إنفصالها من البدن الأوّل إلى البدن الثّاني، الذي هو في حال: النُّطفَه.
فلو أنّ حادثةً وقعت، كالزّلزلة أو الفيضان الذي يُهلك الكثيرين في مدّةٍ قصيرةٍ، أو الحروب العالميّة التي تدمّر و تُهلك الكثير في لحظاتٍ خاطفةٍ، ولا سِيَّما إذا إستخدمت فيها الأسلحة الذريّة، كما حدث في اليابان من فاجعة: (ناكازاكي و هيروشيما)، فماذا سيكون مصير هذه الأرواح؟.
و مع علمنا التّام بأنّه سوف لن تنعقد نُطفٌ، بذلك العدد في الظّروف الطبيعيّه، إذن تبقى هذه الأرواح بغير تكليف، و
يجب أن تبقى تنتظِر دورها، كالمُسافرين ينتظرون الحافلات داخل المدن الكبيرة، و ماذا سيكوِن مصير الرّوح التي فقدت جِسمها الأوّل، في الفترة التي يتأخَّر فيها حُصولها على الجسم الثّاني؟!.
هل يستطيع أحد أن يدّعي، أنّ عدَد الوِلادات التي تنعقد نُطفهم، يعادل عدد الوفيّات دائماً، في الوِقت الّذي نرى فيه خِلاف ذلك، بدليل إحصاء الحروب و التَّدمير النّاشِىء من السيّول و الزّلازل.[1]
هذا كلِّه دليلٌ على ضَعف و خَطأ هذه العقيدة الخُرافيّة، و أنّ الإسلام و الأديان السّماوية الأخرى، قد ابطلت هذه العقيدة و أتبَتَت زيفها.
[1]. العديد من أتباع عقيدة التّناسخ و عودة الأرواح، يقولون أنّه لا مانع من أن تبقى الأرواح و من ثم تعود إلى هذا العالم في جسمٍ ثان، بناءً على ذلك فإنّ هذا الموت العام و الشّامل، سوف لن يوجد أيّ إشكال في عودة الأرواح إلى هذه الدنيا، ولكن هذا الجواب لا يحلّ مشكلة هؤلاء أبداً، لأنّه لو سلّمنا بأنّ الروح في حاجة إلى التّكامل و العودة المجدّدة إلى هذا العالم، فلن يكون هناك دليل على بقائها فترةً تائهةً و منتظرةً في عالم الأرواح، بل يجب عليهما العودة سريعاً إلى نقطة بعد إِنفِكاركها من البدن الأوّل. و في الواقع أنّ بقاء الأرواح، هكذا في عالم الأرواح، كبقاء الطالب عندما ينهي دراسة الصّف الأوّل، ثم ينتظر ثلاثين عاماً بعد، هل يعود إلى الصف الثانى؟، و هذا هو عينُ الحَماقة و عجز الرّأى!.