يقول بعض أتباع هذه العقيدة: إنّ الفقير و المَحروم سيعود بشكل رجلٍ ثري و ذي يَسار، أو أنّ الثّري الطاغي سيعود بصورة عاملٍ بائِسٍ فقيرٍ، أو أَنَّ من فَشل في الحبِّ! يصل إلى قُرب المَحبوب و إلى وِصاله، والذين خانوا و لم يَفوا في الحُبِّ! يبتلون بالبعد و الهِجران. أو أنَّ: «نايب حسين الكاشي»، سيعود على الهَيئة الفلانيّةِ ليُحاسب على أعماله. و مع كلّ هذا لا تبقى ضرورة ليوم القيامة، و في الحقيقة فإنّ يومَ قِيامتهم يتمّ في هذه الحياة الدّنيا، و ليس قيامةً و بعثاً آخر، و إعداد محكمة و حساب و كتاب آخر، فهو غير ضروري؛ لأنّ عقاب من نال جزاءَ أعماله في هذه الدنيا، يُعدّ نوعاً من الظلّم و الجَور.
لذا فإنّ الأحاديث الواردة عن أئمَّة الإسلام العظام، تضمَّنت الإشارة الى لوازم هذه العقيدة- و في مقدّمتها انكار البعث و المعاد- الى جانب بُطلانها.
فقد روى المرحوم(الصّدوق)، المحدث الإسلامي الكبير، في كتابه(عيون أخبار الرّضا)عن الإمام عَليّ بن موسى الرّضا عليه السلام، في جواب المأمون عن مسألة التّناسخ، قال:
«من قال بالتّناسخ فهو كافر باللَّه العظيم؛ يُكذِّب بالجنّة و النّار».
و النّقطة التي يجب أن تُلاحظ أكثر في هذا الحديث هى، أنّ الإعتقاد بالتّناسخ ذُكر مقارناً لعدم الإعتقاد باللَّه تعالى. و العلاقة بين الإثنين: (الإعتقاد بالتّناسخ و الكفر باللَّه تعالى)، تتّضح بِملاحظة موضوعٍ واحدٍ هو: أنّنا نقرأ في كتب (التأريخ و الأديان)، أنّ فرقةً من أتباع التّناسخ المُعاندين كانوا مجموعةً من الماديّين، فقد رَغبوا بهذه الفكرة أثر نَفِيهم لوجود اللّه، فإضطرّوا للإعتقاد بأزليّة الأرواح و عدم وجود خالِقٍ لها، و إنّ هذه الأرواح يجب أن تبقى خالدةً طول العُمر، و في كلّ فترةٍ تُقيمُ في بدنٍ، و مع فَناء البَدن تستقرُّ في بدنٍ آخر، و هكذا تُديم عمرها!.
و هكذا تتَّضح العلاقة بين هذه العقيدة و العقيدة الماديّة.
وردت في القُرآن الكريم، الذي هو مصدر العلوم و الثّقافة الإسلاميّة، آيات كثيرة ترفض عقيدة التّناسخ، و منهما ما يأتي:
1- ىحتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ آرْجِعون* لَعليِّ أعمل صالحاً فيما تركت كلّا إنّها كلمة هو قائلها ... ى.[1]
هذه الآية الشّريفة، تنفي بصراحةٍ رجوع الأرواح إلى هذه الحياة، لِتَتَدارَك ما فات في الماضي.
2- ىكيف تكفرون باللَّه و كنتم أمواتاً فأحياكم ثم يُميتكم ثم يحييكم ثم إليه تُرجعونى.[2]
هذه الآية تُثبت بصراحةٍ أنّ هناك حياةً واحدةً بعد الموت، و تلك الحياة تكون في يوم القيامة، و الرجوع إليه سبحانه و الإتصال بالأزل و الحياة في دار الخلود.
من الواضح أنّ من يعتقد بعَودة الرّوح إلى بدنٍ آخر، و الحياة الجديدة في هذا العالم، يجب أن يعتبر أنّ هُناك حياةً و موتاً آخرين، و هذا يخالف ما جاء في الآية الشّريفة التي نحن بِصَددها.[3]
[1]. المؤمنون: الآية 99- 100.
[2]. البقرة: الآية 28.
[3]. أخبار الرّجعة لا ترتبط بهذا البحث أبداً، لأن الرّجعة التي وردت في الأخبار لا عموميّة فيها، و لكن في خصوصيّة بعض الأفراد، و هى في الواقع أمر إستثنائي خاص و غير عام، مثل رجعة «العزير» و أمثال ذلك.
3- ىاللَّه الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكمى.[1]
في هذه الآية الشّريفة ذُكر الموت و الحياة مرةً واحدةً، بعد الخلق الأوّل، الذي هو هذا العالم، و حياة الآخرة.
4- ىو هو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إنّ الإنسان لكفورى.[2]
في هذه الآية اعتبرت الحياة بعد الموت منحصرةً بحياةٍ واحدةٍ لا أكثر، و تلك هى الإحياء يوم القيامة.
5- ىقالوا ربّنا أمتّنا إثنتين و احيّيتنا إثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيلى.[3]
قد يتّخذ البعض جملة: «أمتّناً إثنتين»، وسيلةً ليستدِلَّ على أن الإماتة مرّتين، تعني أنّ الإنسان يعود ليحيا مرةً أخرى في هذا العالم، ثمّ يموت، ولو أنّه لم يعد لهذه الحياة، لكانت الإماتة مرةً واحدةً لا أكثر.
ولكن بالتّركيز على الآيات الشّريفة الآنِفة الذِّكر، يتّضح جليّاً أنّ المقصود من «الموت الأوّل»، هو الحالة التي كان
[1]. سورة الروم: الآية 40.
[2]. سورة الحج: الآية 39.
[3]. سورة المؤمن: الآية 39.
عليها الإنسان قبل الحياة في هذا العالم، إذ كان موجوداً بدون روح: (تُراب)، ثم أُلبِس ثَوب الحياة، و إذا عُبّر عنهما (بالإماتَة)، فهو من باب التّغليب في الإصطلاح العامّي، (و المراد بالتّغليب هو: أن نريد التّعبير عن شيئين فَننتَخب لَفظ أحدهما و نثنّيه، و نُعبِّر عنهما بهذا اللّفظ، فمثلًا قولنا «القَمرين»، هو تعبيرٌ عن «الشّمس» و «القَمر»، أو قولنا:
«الأبوَين»، فهو لفظٌ بدل: «الأب» و «الأمّ»، و كذلك هنا في الآية الشّريفة، فبدلًا من قول المَوت و الإماتة ذكر اللّفظتين بلفظِ «الإماتتين»، فلو دقّقنا النّظر في الآية الشّريفة، نرى أن هناك شاهداً حيّاً يدلّ على هذا المعنى، و هو أنّ مجموع «الإحياء» مرّتين «وأحييَتنا إثنتين» قد ذُكر صريحاً، فَلو كانت هناك حياة جديدة في هذه الدنيا بالإضافة إلى حياة الآخرة، فسيكون المجموع ثلاث «حيوات».
و بناءً على هذا فإنّ الآية الشّريفة الآنفة الذِّكر، من الآيات التي تفنّد عقيدة التّناسخ.
و في خطب الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام في نهجالبلاغة، تُلاحظ بعض العبارات التي تُبطل عقيدة التّناسخ، كقوله في الأموات:
«لا عن قبيح يستطيعون إنتقالًا، و لا في حسن يستطيعون إزدياداً».[1]
و من الواضح أنّ المعتقدين بالتّناسخ، يقولون: إنّ الإنسان يعود بعد الموت إلى هذه الدنيا، لتدارك أعماله السّابقة، و على حد قولهم لكي يتمّ تكامله النّاقص و يعوِّض ما فاته.
و هنا أدلةٌ كثيرةٌ و لكّننا أعرضنا عنها لتفادي الإطالة في الكلام.
[1]. نهج البلاغة، الخطبة 188.
الفصل الثّاني: الإرتباط بالأرواح
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة