موضوع الرّوح موضوعٌ كثير الصّخب و الضّوضاء
تمهيد:
ليس هناك شيءٌ أكثر إثارةً للإنسان، من الإرتباط بعالَمٍ غير عالَمه الذي يعيش فيه، خصوصاً إذا كان بوسع ذلك العالم، أن يرفع المَوانع و الحواجز بين الإنسان و الماضي، و الأصدقاء السّالفين، والآباء و الأمّهات و الأجداد، والأروع من ذلك، أن يجعله مطّلعاً على حوادث المستقبل.
جُهد و سَعي الإنسان، لأجل الإرتباط بعالَم الأرواح، ينبع أيضاً من هذا الظّمأ الرّوحي الحارق.
هناك على إمتداد التأريخ، كثيرون إدَّعَوا أنّهم على إرتباطٍ بعالم الأرواح، و لا سِيَّما في شبه القارّة الهنديّة، التي تعتبر أرضيّة روحيّة و اجتماعيّة خصبة لهذه الفكرة.
هذا الموضوع، ظهر في أواسط القرن التاسع عشر
الميلادي، في أميركا الشّمالية، و وصلت أمواجه إلى بريطانيا، و منها سرت إلى باقي بلدان أوروبّا.
لا بأس بأن نسمع حوادث هذا الموضوع، من أَلْسِنة الأوروبييّن أنفسهم.
عالِم النّفس المعروف (بلاتونف)، في كتابه (عِلم النّفس)، الذي ترجم إلى الفارسية بعنوان «ميهمانان آن عالم»[1]، يكتب:
في عام 1848 م و في مدينة «روجستر»، إحدى المدن الأميركيّة، بدأت تتناقل على ألسُن النّاس قِصّة إحضار الرّوح. و في تلك السّنة ظهر شخص يُدْعى «فوكس»، أعلن أنّه و أقرباءَه يتكلّمون مع أرواحِ الموتى.
فوكس و زوجته و بناته الثّلاث، كانوا يجلسون خلف منضدةٍ مستديرةٍ، و يرفعون أيديهم فوق المنضدة المفتوحة، في هذه الأثناء يرتفع صوت من المنضدة، فيدّعون أن ذلك هو صوت الأرواح، تردّ على أسئلتهم. و سُرعان ما ظهر أشخاصٌ في أكثر المدن و العوائل
[1]. و تعني ضيوف الآخرة.
الأميركيّة، و كانوا يدّعون أنّ أرواح الآخرة على إرتباط بهم. يكتبون حروف الأَلفباء على أوراقٍ صغيرةٍ، و يضعون عليها طَبَقاً صغيراً، و يجعلون أحد أصابعهم فوق الطّبق، و من خلال حركة الطّبق على الحروف، يستلمون نِداء الأرواح. على العموم فإنّ الأرواح ترغب بأن تُحاور الأحياء عِبر الرّابطين أو الوسائط ...
ضيوف الآخرة أكثرهم كان من أقارب و عوائل مُحضّري الأرواح، ولكن في أغلب الأحيان، كانوا يدّعون أنّ ضيوفهم، (نابليون) أو (الإسكندر الكبير)!، و لهذا فإنّ أكثر الناس، كانوا يَودّون التّكلم مع الشّخصيّات المعروفة!
طبعاً إنتقاد و تخطِئة أوامر الأرواح، كان يُعَدُّ أمراً مناقضاً للأدب و الذّوق!. و كلّما كان تفهيم المنضدة أو الطّبق بشكل مُناجاة، فإنّه يكون ذا معانٍ عميقةٍ![1].
[1]. علم النفس، «بلا تونف»، ص 37.
من البديهي أنّه في مثل هكذا أوقات، يبلغ سوق المكَّارين و الدّجالين أوجَه، و بالأخص لأنّ هذا العمل لا يتطَلّب رأس مالٍ كبيرٍ، و لا يحتاج إلُّا إلى منضدةٍ دوّارةٍ، و وَرقةٍ و طبقٍ صغيرٍ، مع عدة أشخاص ممن يَدّعي ذلك!.
و لهذا فإنّ عدداً كبيراً من النّاس سلك هذا الطريق، في هذا المِضمار، و فعلوا ما فعلوا. و شيئاً فشيئاً تحوّل الأمر إلى عملٍ مُسلٍّ، يشبه قِراءة الكَفّ، و سل الجُنون. و إنتهى إلى السّخريّة و الإبتذال.
تطوّر عندهم هذا العمل، حتّى وصل إلى إحضار روح «الشِّمر»، و وضعوا في يده براءةً من النّار. كذلك إرتبطوا بجندي أردني إستشهد في حرب الأيّام السّتة، و قدّموا له سكّراً جنباً، فأدّى لهم التّحية العسكريّة، و قاموا بأمورٍ مُضحكةٍ كثيرةٍ من هذا القبيل.
هذا الموضوع كان سبباً لإحياء أُسطورة: «التّناسخ و عودة الأرواح»، و إصطفّت الأرواح أرتالًا لتأخذ دورها لِلمجيء إلى هذا العالم.
و لعلّ العلاقة بين موضوع «إرتباط الأرواح»، و «عودة
الأرواح إلى هذا العالم»، تهدف منح الصّبغة الأبديّة لِلأرواح، بل تجرّها إلى الأزليّة لتتّسع دائرة تسلّطهم.
و أما مُخرِجو هذه اللّعبة، فلأجل التخلص من سماجة بعض الناس، الذين لا ينفكّون عن السّؤال عن بعض الأرواح، و لِيُريحوا أنفسهم من خَطر ظهور بعض الأجوبة المتناقضة، فإنّهم يبعثون الأرواح المعنيّة إلى هذا الدنيا، حتى تقطع بينهم الرّوابط؛ إذ عندما تعود الأرواح مجدّداً إلى هذه الدنيا، فإنّها لا تتذكّر شيئاً من الماضي!.
الإنتشار بسرعة العدوى:
هذا الموضوع و بعد 120 عاماً، و بِحكم التّقليد أو الموضة الأوربيّة و الأمريكيّة أو ماشئت فسمِّه، سَرى إلى بلادنا، و شاع فيها بشكلِ مَرضٍ عام. نحن و مجموعةٌ أُخرى علمنا بذلك في وقته، و قُمنا بنشر مقالاتٍ متعدِّدةٍ، و ألقينا محاضرات، حتى قضينا على هذا الأمر و هو في مهده، و فى الوقت نفسه، ذكرنا الحيثيّة الصّحيحة لإمكان الإرتباط بالأرواح بالطّرق العلميّة.
و الكتاب الذين بين أيدينا، (والذي يضم تلك الأبحاث، الى جانب بعض الأبحاث الحديثة)، يتناول المواضيع الآتية:
* ما مدى صحّة قصّة المنضدة المستديرة و ما شابتهها.
* هل قضيّة تكرُّر الحياة و عودة الأرواح، التي نصطلح عليها عِلميّاً بالتّناسخ، و تعرف عند الهنود ب «كارما»، حقيقة أم خُرافة؟.
* هل بالإمكان الإرتباط بالأرواح؟.
* و في الفصل الأخير من الكتاب، ردٌّ على بعض الأشخاص الذين أَوْردوا بعض النقاط، على ما قلناه بشكلٍ مفصّل حتّى يرتفع الإبهام عن هذا الموضوع.
120 ألف بطاقة دعوة!:
مما تجدر ملاحظَتُه أنّنا قُمنا عن طريق أعداد من مجلة (مكتب إسلام)، بدعوة أَتباع طريقة المنضدة المستديرة، و مُروِّجي هذا الموضوع لِلمجيء إلى قُم، و إذا كان صِدقاً ما يَدّعون، من أنّهم يستطيعوا أن يتّصلوا بالأرواح عن طريق المنضدة المستديرة، فليأتوا وَسط مَجمع من الفُضلاء، و
يؤدّوا عملهم أمامهم، و بدلًا من كلّ ذلك الكلام، و تسويد صفحات الجرائد، يُثبتون في ظَرف ساعةٍ أو ساعتين صِدق ما قالوه. حتّى أنّنا تعهّدنا بمصارف السّفر، و أسبوع يقضونه في أرقى فنادق قُم، و بما أنّ كلّ نسخةٍ من نُسخ المجلة تحمل بطاقة دعوة لهم فكان هناك أكثر من 120 ألف بطاقة دعوة، إنتشرت في كلّ مكان، ولكن لم يستجب منهم إلَّا واحد أعلن إستعداده، و عندما كتبنا له أن يتوجّه إلينا على جَناح السّرعة و نحن ننتظره، لم يصلنا منه خبر و لم يأتِ إلى الآن!.
ناصر مكارم شيرازى
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة