النَّوْعُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مَا أُنْزِلَ مِنْهُ عَلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا لَمْ يُنَزَّلْ مِنْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مِنَ الثَّانِي الْفَاتِحَةُ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ وَخَاتِمَةُ الْبَقَرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ قَرِيبًا.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَكٌ، فَقَالَ: "أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ".
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: تَرَدَّدُوا فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {آمَنَ الرَّسُولُ} إِلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّ الِلَّهَ اصْطَفَى بِهَا مُحَمَّدًا.
وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِهِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْطِيَ أَرْبَعَ آيَاتٍ لَمْ يُعْطَهُنَّ مُوسَى وَإِنَّ مُوسَى أُعْطِيَ آيَةً لَمْ يُعْطَهَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَالْآيَاتُ الَّتِي أُعْطِيهِنَّ مُحَمَّدٌ: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} حَتَّى خَتَمَ الْبَقَرَةَ فَتِلْكَ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ. وَالْآيَةُ الَّتِي أُعْطِيهَا مُوسَى: "اللَّهُمَّ لَا تُولِجِ الشَّيْطَانَ فِي قُلُوبِنَا وَخَلِّصْنَا مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ لَكَ الْمَلَكُوتَ وَالْأَيْدِ وَالسُّلْطَانَ وَالْمُلْكَ وَالْحَمْدَ وَالْأَرْضَ والسماء الدهر الدَّاهِرَ أَبَدًا أَبَدًا آمِينَ آمِينَ ".
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّبْعُ الطُّوَالُ
لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُعْطِيَ مُوسَى مِنْهَا اثْنَتَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَعْطَيْتُ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّهَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى "، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} فَبَلَغَ: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} قَالَ وَفَّى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} إِلَى قَوْلِهِ: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الِلَّهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هَذِهِ السُّورَةُ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: "بِلَفْظِ نُسِخَ مِنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ".
وَأَخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى مِثْلَ مَا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ: نَبَّأَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} قَالَ: هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ مِمَّا أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} وَ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {فِيهَا خَالِدُونَ} وَ: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} الْآيَةَ وَالَّتِي فِي سَأَلَ: {الَّذِينَ
هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {قَائِمُونَ} فَلَمْ يَفِ بِهَذِهِ السِّهَامِ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ الله بن عمرو بن العاص قَالَ: إِنَّهُ - يَعْنِي - النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لموصوف فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} ، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ ... الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وَغَيْرِهِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: فُتِحَتِ التَّوْرَاةُ: بِـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} وَخُتِمَتْ: بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} إِلَى قَوْلِهِ: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} .
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ: فَاتِحَةُ التَّوْرَاةِ فَاتِحَةُ الْأَنْعَامِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ، وَخَاتِمَةُ التَّوْرَاةِ خَاتِمَةُ هُودٍ: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}
وَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: أَوَّلُ مَا أُنْزِلُ فِي التَّوْرَاةِ عَشْرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إِلَى آخِرِهَا.
وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْهُ قَالَ: أَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ: بِسْمِ الِلَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ} الْآيَاتِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْآيَاتِ الْعَشْرِ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لِمُوسَى فِي التَّوْرَاةِ أَوَّلَ مَا كَتَبَ وَهِيَ تَوْحِيدُ الِلَّهِ وَالنَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ وَالْيَمِينُ
الكاذبة والعقوق والقتل والزنا وَالسَّرِقَةُ وَالزُّورُ وَمَدُّ الْعَيْنِ إِلَى مَا فِي يَدِ الْغَيْرِ وَالْأَمْرُ بِتَعْظِيمِ السَّبْتِ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَأُعَلِّمَنَّكَ آيَةً لَمْ تَنْزِلْ عَلَى نَبِيٍّ بَعْدَ سُلَيْمَانَ غَيْرِي {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
وروى البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَغْفَلَ النَّاسُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عن مَيْسَرَةَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكْتُوبَةٌ فِي التَّوْرَاةِ بِسَبْعِمِائَةِ آيَةٍ: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} أَوَّلُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ.
فَائِدَةٌ
يَدْخُلُ فِي هَذَا النَّوْعِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ الْبُرْهَانُ الَّذِي أُرِيَ يُوسُفَ ثَلَاثُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ الِلَّهِ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} وَقَوْلُهُ: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ} الآية، وَقَوْلُهُ: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} زَادَ غَيْرُهُ آيَةً أُخْرَى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قَالَ: رَأَى آيَةً مِنْ كِتَابِ الِلَّهِ نَهَتْهُ مَثُلَتْ لَهُ فِي جِدَارِ الْحَائِطِ.
النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِي كَيْفِيَّةِ إِنْزَالِهِ
فِيهِ مَسَائِلُ
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
قَالَ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وَقَالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ إِنْزَالِهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ أَنَّهُ نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لَيْلَةَ الَقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا فِي عشرين سنة وثلاث وعشرين أو خمس وَعِشْرِينَ عَلَى حَسْبِ الْخِلَافِ فِي مُدَّةِ إِقَامَتِهِ بمكة بعد البعثة.
وأخرج الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي لَيْلَةِ الَقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَكَانَ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَكَانَ اللَّهُ يُنَزِّلُهُ عَلَى رَسُولِ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ في ليلة واحدة إلى السماء الدُّنْيَا لَيْلَةَ الَقَدْرِ ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ قَرَأَ: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي آخِرِهِ فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا أَحْدَثُوا شَيْئًا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُمْ جَوَابًا.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَسَّانِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فُصِلَ الْقُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ فَوُضِعَ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَجَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَسَانِيدُهَا كُلُّهَا صَحِيحَةٌ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَ القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما. إسناده لا بأس به.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ أُنْزِلُ الْقُرْآنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً حَتَّى وُضِعَ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَنَزَّلَهُ جبريل على محمد بِجَوَابِ كَلَامِ الْعِبَادِ وَأَعْمَالِهِمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ دُفِعَ إِلَى جِبْرِيلَ فِي لَيْلَةِ الَقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ ثُمَّ جَعَلَ يُنَزِّلُهُ تَنْزِيلًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَطِيَّةَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَقَالَ: أَوْقَعَ فِي قَلْبِي الشَّكُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وَقَوْلُهُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وَهَذَا نَزَلَ فِي شَوَّالَ
وفي ذي القعدة وفي ذي الْحِجَّةِ وَفِي الْمُحَرَّمِ وَصَفَرَ وَشَهْرِ رَبِيعٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّهُ أنزل في رمضان لَيْلَةِ الَقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى مَوَاقِعِ النُّجُومِ رَسْلًا فِي الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ: قَوْلُهُ: "رَسْلًا " أَيْ رِفْقًا وَعَلَى مَوَاقِعِ النُّجُومِ أَيْ عَلَى مثل مَسَاقِطُهَا يُرِيدُ: أُنْزِلَ فِي رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الَقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى مَا وَقَعَ مُفَرَّقًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا عَلَى تُؤَدَةٍ وَرِفْقٍ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ نزل إلى السماء الدُّنْيَا فِي عِشْرِينَ لَيْلَةِ قَدْرٍ أو ثلاث وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مَا يُقَدِّرُ الِلَّهُ إِنْزَالَهُ فِي كُلِّ السَّنَةِ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ بَحْثًا فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يُنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى إِنْزَالِهِ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ اللَّوْحِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. ثُمَّ تَوَقَّفَ هَلْ هَذَا أَوْلَى أَوِ الْأَوَّلُ!.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا الَّذِي جَعَلَهُ احْتِمَالًا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَحَكَى الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا.
قُلْتُ: وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ مُقَاتِلٍ الْحَلِيمِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ آخِرُ الْقُرْآنِ عَهْدًا بِالْعَرْشِ آيَةُ الدَّيْنِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ ابْتُدِئَ إِنْزَالُهُ فِي لَيْلَةِ الَقَدْرِ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ: قَالَ:
وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ قَوْلًا رَابِعًا أَنَّهُ نَزَلَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَأَنَّ الْحَفَظَةَ نَجَّمَتْهُ عَلَى جِبْرِيلَ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَنَّ جِبْرِيلَ نَجَّمَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً. وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ فِي رَمَضَانَ بِمَا يَنْزِلُ بِهِ عليه فِي طُولِ السَّنَةِ.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: كَأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ عِنْدِ الِلَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَةُ عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرِينَ سَنَةً.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: قِيلَ السِّرُّ فِي إِنْزَالِهِ جُمْلَةً إِلَى السَّمَاءِ تَفْخِيمُ أَمْرِهِ وَأَمْرِ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ وذلك بإعلام سكان السموات السَّبْعِ أَنَّ هَذَا آخِرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ لِأَشْرَفِ الْأُمَمِ قَدْ قَرَّبْنَاهُ إِلَيْهِمْ لِنُنَزِّلَهُ عَلَيْهِمْ وَلَوْلَا أَنَّ الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ وُصُولَهُ إِلَيْهِمْ مُنَجَّمًا بِحَسْبِ الْوَقَائِعِ لَهَبَطَ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ جُمْلَةً كَسَائِرِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ بَايَنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَجَعَلَ لَهُ الْأَمْرَيْنِ: إِنْزَالُهُ جُمْلَةً ثُمَّ إِنْزَالُهُ مُفَرَّقًا تَشْرِيفًا لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو شَامَةَ فِي الْمُرْشِدِ الْوَجِيزِ.
وَقَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا تَسْلِيمًا مِنْهُ لِلْأُمَّةِ مَا كَانَ أَبْرَزَ لَهُمْ مِنَ الْحَظِّ بمبعث مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ