النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ النَّهَارِيِّ وَاللَّيْلِيِّ
أَمْثِلَةُ النَّهَارِيِّ كَثِيرَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ نَزَلَ أَكْثَرُ الْقُرْآنِ نَهَارًا وأما الليل فَتَتَبَّعْتُ لَهُ أَمْثِلَةً:
مِنْهَا: آيَةُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بقباء في صلاة الصبح إذا أَتَاهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يصلي ببيت الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} الْآيَةَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنَادَى أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ فَمَالُوا كُلُّهُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ لَكِنْ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى قَبَلَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشْرَ - أَوْ سَبْعَةَ عَشْرَ - شَهْرًا وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَإِنَّهُ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا الْعَصْرَ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِالِلَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ الْكَعْبَةِ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا نَزَلَتْ نَهَارًا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
قَالَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ: وَالْأَرْجَحُ بِمُقْتَضَى الَاسْتِدْلَالِ نُزُولُهَا بِاللَّيْلِ لِأَنَّ قَضِيَّةَ أَهْلِ قُبَاءَ كَانَتْ فِي الصُّبْحِ وَقُبَاءُ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ
رَسُولُ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الْبَيَانَ لَهُمْ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الصُّبْحِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَقْوَى أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ نَهَارًا. وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْخَبَرَ وَصَلَ وَقْتَ الْعَصْرِ إِلَى مَنْ هُوَ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ.
وَوَصَلَ وَقْتَ الصُّبْحِ إِلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَهْلُ قُبَاءَ. وَقَوْلُهُ: "قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ " مَجَازٌ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّيْلَةِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ الْمَاضِي وَالَّذِي يَلِيهِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: مَرَرْنَا يَوْمًا وَرَسُولُ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقُلْتُ: لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ فَجَلَسْتُ فَقَرَأَ رَسُولُ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ.
وَمِنْهَا: أَوَاخِرُ آلِ عِمْرَانَ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ التَّفَكُّرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بِلَالًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَذِّنُّهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ الِلَّهِ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ} ! ثُمَّ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ!
وَمِنْهَا: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ".
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ: كُنَّا نَحْرُسُ رَسُولَ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ حَتَّى نَزَلَتْ فَتَرَكَ الْحَرَسَ.
وَمِنْهَا: سُورَةُ الْأَنْعَامِ. أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً حَوْلَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلِكٍ يَجْأَرُونَ بِالتَّسْبِيحِ.
وَمِنْهَا: آيَةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا حين بَقِيَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ.
وَمِنْهَا: سُورَةُ مَرْيَمَ. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِهِ عَنِ ابْنِ عباس قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: وُلِدَتْ لِيَ اللَّيْلَةَ جَارِيَةٌ فَقَالَ: وَاللَّيْلَةَ أنزلت عَلَيَّ سُورَةُ مَرْيَمَ سَمِّهَا مَرْيَمَ.
وَمِنْهَا: أَوَّلُ الْحَجِّ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَرَكَاتٍ السعيدي فِي كِتَابِهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَجَزَمَ بِهِ السَّخَاوِيُّ فِي جَمَالِ الْقُرَّاءِ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَقَدْ نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ وَتَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ ... الْحَدِيثَ.
وَمِنْهَا: آيَةُ الْإِذْنِ فِي خُرُوجِ النِّسْوَةِ فِي الْأَحْزَابِ قَالَ الْقَاضِي جلال الدين. والظاهر أنها: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} الْآيَةَ فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: خَرَجَتْ سودة بعدما ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا - وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا - فَرَآهَا عُمَرُ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَالِلَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ قَالَتْ فَانْكَفَأْتُ رَاجِعَةً إِلَى رَسُولِ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ لِيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ الِلَّهِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لي عمر كذ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ – فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ.
قَالَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ: وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلًا لِأَنَّهُنَّ إِنَّمَا كُنَّ يَخْرُجْنَ لِلْحَاجَةِ لَيْلًا كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ.
وَمِنْهَا: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا} عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إِنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.
وَمِنْهَا: أَوَّلُ الْفَتْحِ. فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ: "لقد أنزلت عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَقَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} ... " الحديث.
ومنها: سورة المرسلات. قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي جَمَالِ الْقُرَّاءِ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا نزلت ليلة الجن بِحِرَاءَ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ لَا يُعْرَفُ ثُمَّ رَأَيْتُ فِي صَحِيحِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَهُوَ مُسْتَخْرِجُهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ عَرَفَةَ بِغَارِ مِنًى وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِدُونِ قَوْلِهُ: "لَيْلَةَ عَرَفَةَ " وَالْمُرَادُ بِهَا لَيْلَةَ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَإِنَّهَا الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُهَا بِمِنًى.
وَمِنْهَا: الْمُعَوِّذَتَانِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ أشته في المصاحف: نبأنا محمد بن عقوب نَبَّأَنَا أَبُو دَاوُدَ نَبَّأَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَبَّأْنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ،وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ".
فرع
وَمِنْهُ مَا نَزَلَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ وَذَلِكَ آيَاتٌ:
مِنْهَا: آيَةُ التَّيَمُّمِ فِي الْمَائِدَةِ فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ: وَحَضَرَتِ الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} إِلَى قَوْلِهِ: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
وَمِنْهَا: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا نَزَلَتْ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ يَدْعُوَ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ.
تَنْبِيهٌ
فَإِنْ قُلْتَ فَمَا تَصْنَعُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "أَصْدَقُ الرُّؤْيَا مَا كَانَ نَهَارًا لِأَنَّ الِلَّهِ خَصَّنِي بِالْوَحْيِ نَهَارًا "؟ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ.
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الصَّيْفِيُّ وَالشِّتَائِيُّ
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْكَلَالَةِ آيَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا فِي الشِّتَاءِ وَهِيَ الَّتِي فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ وَالْأُخْرَى فِي الصَّيْفِ وَهِيَ الَّتِي فِي آخِرِهَا.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمْرَ: مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ وَمَا أَغْلَظَ فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: "يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ! "!
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الِلَّهِ مَا الْكَلَالَةُ؟ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ الْآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِي الصَّيْفِ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي سَفَرِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَيُعَدُّ مِنَ الصَّيْفِيِّ مَا نَزَلَ فِيهَا كَأَوَّلِ الْمَائِدَةِ وَقَوْلُهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ} وَآيَةُ الدَّيْنِ وَسُورَةُ النَّصْرِ.
وَمِنْهُ: الْآيَاتُ النَّازِلَةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ فَقَدْ كَانَتْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ ابن إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدِ الِلَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَخْرُجُ فِي وَجْهٍ مِنْ مَغَازِيهِ إِلَا أَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَهُ غَيْرَ أَنَّهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أُرِيدُ الرُّومَ " فَأَعْلَمَهُمْ وَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْبَأْسِ وَشِدَّةِ
الْحَرِّ وَجَدْبِ الْبِلَادِ فَبَيْنَمَا رَسُولُ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي جِهَازِهِ إِذْ قَالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: "هَلْ لَكَ فِي بَنَاتِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ " قَالَ يَا رَسُولَ الِلَّهِ لَقَدْ علم قومي أنه ليس أحد أَشَدُّ عُجْبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي وَإِنِّي أَخَافُ إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الأصفر أن يفتنني فائذن لِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي} الْآيَةَ.
وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} وَمِنْ أَمْثِلَةِ الشِّتَائِيِّ قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمٍ شَاتٍ.
وَالْآيَاتُ الَّتِي فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فَقَدْ كَانَتْ فِي الْبَرْدِ فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ إِلَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَتَانِي رَسُولُ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: قُمْ فَانْطَلِقْ إِلَى عَسْكَرِ الْأَحْزَابِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الِلَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا قُمْتُ لَكَ - إِلَا حَيَاءً - مِنَ الْبَرْدِ ... الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} إِلَى آخِرِهَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ.
النوع الخامس: الفراشي والنومي
من أَمْثِلَةِ الْفِرَاشِيِّ قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} كَمَا تَقَدَّمَ وَآيَةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا نَزَلَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَاسْتَشْكَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّ عَائِشَةَ: "مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ فِي فِرَاشِ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا ". قَالَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ: وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ الْقِصَّةِ الَّتِي نَزَلَ الْوَحْيُ فِيهَا فِي فِرَاشِ أُمِّ سَلَمَةَ.
قُلْتُ: ظَفِرْتُ بِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَابُ الَّذِي أَحْسَنُ مِنْ هَذَا فَرَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أُعْطِيتُ تِسْعًا ... " الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: "وَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ لِيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَهْلِهِ فَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ لِيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ فِي لِحَافِهِ ".وَعَلَى هَذَا لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا النومي: فمن أَمْثِلَتِهِ سُورَةُ الْكَوْثَرِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فقلنا: ما أضحكك يا رَسُولَ الِلَّهِ؟ فَقَالَ: أُنْزِلَ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فقرأ: بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} .
وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ: فَهُمْ فَاهِمُونَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ السُّورَةَ