وَكَذَا: {أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ} فالمعنى يقتضي تعلق " إذ " بِالْمَقْتِ وَالْإِعْرَابُ يَمْنَعُهُ لِلْفَصْلِ الْمَذْكُورِ فَيُقَدَّرُ لَهُ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: قَدْ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ هَذَا تَفْسِيرُ مَعْنًى وَهَذَا تَفْسِيرُ إِعْرَابٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَفْسِيرَ الْإِعْرَابِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُلَاحَظَةِ الصِّنَاعَةِ النَّحْوِيَّةِ وَتَفْسِيرَ الْمَعْنَى لَا تَضُرُّهُ مُخَالَفَةُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ لَحْنِ الْقُرْآنِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} فقالت: يا بن أَخِي هَذَا عَمَلُ الْكُتَّابِ أَخْطَئُوا فِي الْكِتَابِ " هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا كُتِبَتِ الْمَصَاحِفُ عُرِضَتْ عَلَى عُثْمَانَ فَوَجَدَ فِيهَا حُرُوفًا مِنَ اللَّحْنِ فَقَالَ: لَا تُغَيِّرُوهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ سَتُغَيِّرُهَا - أَوْ قَالَ: سَتُعْرِبُهَا بِأَلْسِنَتِهَا لَوْ كَانَ الْكَاتِبُ مِنْ ثَقِيفٍ وَالْمُمْلِي مِنْ هُذَيْلٍ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الْحُرُوفُ. أَخْرَجَهُ ابْنُ الأنبا ري فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ وَابْنُ أُشْتَةَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ.
ثُمَّ أَخْرَجَ ابن الأنبا ري نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَابْنِ أُشْتَةَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ.
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} وَيَقُولُ: هُوَ لَحْنٌ مِنَ الْكَاتِبِ.
وَهَذِهِ الْآثَارُ مُشْكِلَةٌ جِدًّا وَكَيْفَ يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ أَوَّلًا أَنَّهُمْ يَلْحَنُونَ فِي الْكَلَامِ فَضْلًا عَنِ الْقُرْآنِ وَهُمُ الْفُصَحَاءُ اللُّدُّ ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثَانِيًا فِي الْقُرْآنِ الَّذِي تَلَقَّوْهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أُنْزِلَ وَحَفِظُوهُ وَضَبَطُوهُ واتقوه ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثَالِثًا اجْتِمَاعُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى الْخَطَإِ وَكِتَابَتِهِ! ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ رَابِعًا عَدَمُ تَنَبُّهِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ عَنْهُ ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِعُثْمَانَ أَنَّهُ يَنْهَى عَنْ تَغْيِيرِهِ! ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ اسْتَمَرَّتْ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الْخَطَإِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ بِالتَّوَاتُرِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ! هَذَا مِمَّا يَسْتَحِيلُ عَقْلًا وَشَرْعًا وَعَادَةً. وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبٌ مُنْقَطِعٌ وَلِأَنَّ عُثْمَانَ جُعِلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا يَقْتَدُونَ بِهِ فَكَيْفَ يَرَى فِيهِ لَحْنًا وَيَتْرُكُهُ لِتُقِيمَهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا! فَإِذَا كَانَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا جَمْعَهُ وَكِتَابَتَهُ لَمْ يُقِيمُوا ذَلِكَ وَهُمُ الْخِيَارُ فَكَيْفَ يُقِيمُهُ غَيْرُهُمْ! وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ مُصْحَفًا وَاحِدًا بَلْ كَتَبَ عِدَّةَ مَصَاحِفَ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ اللَّحْنَ وَقَعَ فِي جَمِيعِهَا فَبَعِيدٌ اتِّفَاقُهَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ فِي بَعْضِهَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ بِصِحَّةِ الْبَعْضِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ اللَّحْنَ كَانَ فِي مُصْحَفٍ دُونَ مُصْحَفٍ وَلَمْ تَأْتِ الْمَصَاحِفُ قَطُّ مُخْتَلِفَةً إِلَّا فِيمَا هُوَ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بلحن.
الوجه الثَّانِي: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ إِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّمْزِ وَالْإِشَارَةِ وَمَوَاضِعِ الْحَذْفِ نَحْوَ: "الكتب "، " وَالصَّابِرِينَ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أنه مؤول عَلَى أَشْيَاءَ خَالَفَ لَفْظُهَا رَسْمَهَا كَمَا كَتَبُوا
{وَلَا أَوْضَعُوا} وَ {لَا أَذْبَحَنَّهُ} بألف بعد لا و {جزاؤا الظالمين} بواو وألف و " بأييد " بِيَاءَيْنِ فَلَوْ قُرِئَ بِظَاهِرِ الْخَطِّ لَكَانَ لَحْنًا وَبِهَذَا الْجَوَابِ وَمَا قَبْلَهُ جَزَمَ ابْنُ أُشْتَةَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ: "الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ "فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ: لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ لِأَنَّهَا مُنْقَطِعَةٌ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ وَمَا يَشْهَدُ عَقْلٌ بِأَنَّ عُثْمَانَ وَهُوَ إِمَامُ الْأُمَّةِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ النَّاسِ فِي وَقْتِهِ وَقُدْوَتُهُمْ يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ الْإِمَامُ فَيَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلَلًا وَيُشَاهِدُ فِي خَطِّهِ زَلَلًا فَلَا يُصْلِحُهُ! كَلَّا وَاللَّهِ مَا يَتَوَهَّمُ عَلَيْهِ هَذَا ذُو إِنْصَافٍ وَتَمْيِيزٍ وَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّهُ أَخَّرَ الْخَطَأَ فِي الْكِتَابِ لِيُصْلِحَهُ مَنْ بَعْدَهُ. وَسَبِيلُ الْجَائِينَ مِنْ بَعْدِهِ الْبِنَاءُ عَلَى رَسْمِهِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ حُكْمِهِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عُثْمَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "أَرَى فِيهِ لَحْنًا "، أَرَى فِي خَطِّهِ لَحْنًا إِذَا أَقَمْنَاهُ بِأَلْسِنَتِنَا كَانَ لَحْنُ الْخَطِّ غَيْرَ مُفْسِدٍ وَلَا مُحَرِّفٍ مِنْ جِهَةِ تَحْرِيفِ الْأَلْفَاظِ وَإِفْسَادِ الْإِعْرَابِ فَقَدْ أَبْطَلَ وَلَمْ يُصِبْ لِأَنَّ الْخَطَّ مُنْبِئٌ عَنِ النُّطْقِ فَمَنْ لَحَنَ فِي كَتْبِهِ فَهُوَ لَاحِنٌ فِي نُطْقِهِ وَلَمْ يَكُنْ عُثْمَانُ لِيُؤَخِّرَ فَسَادًا فِي هِجَاءِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ كَتْبٍ وَلَا نُطْقٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ مُوَاصِلًا لِدَرْسِ الْقُرْآنِ مُتْقِنًا لِأَلْفَاظِهِ مُوَافِقًا عَلَى مَا رُسِمَ فِي المصاحف المنقذة إِلَى الْأَمْصَارِ وَالنَّوَاحِي. ثُمَّ أَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَارَكٍ حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - عَنْ هَانِئٍ الْبَرْبَرِيِّ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ وَهُمْ يَعْرِضُونَ الْمَصَاحِفَ فَأَرْسَلَنِي بِكَتِفِ شَاةٍ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيهَا {لَمْ
يَتَسَن} وفيها {لا تَبْدِيل للخَلْق} وفيها {فَأَمْهِل الكافِرين} قَالَ: فَدَعَا بِالدَّوَاةِ فَمَحَا أَحَدَ اللَّامَيْنِ فَكَتَبَ: {لَخَلْقِ اللَّهِ} وَمَحَى {فَأَمْهِل} وَكَتَبَ {فَمَهِّلِ} وَكَتَبَ {لَمْ يَتَسَنَّهْ} أَلْحَقَ فِيهَا الْهَاءَ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: فَكَيْفَ يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ رَأَى فَسَادًا فَأَمْضَاهُ وَهُوَ يُوقَفُ عَلَى مَا كُتِبَ وَيُرْفَعُ الْخِلَافُ إِلَيْهِ الْوَاقِعُ مِنَ النَّاسِخِينَ لِيَحْكُمَ بِالْحَقِّ وَيُلْزِمَهُمْ إِثْبَاتُ الصَّوَابِ وَتَخْلِيدُهُ؟!! انْتَهَى.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أُشْتَةَ فِي الْمَصَاحِفِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ عَنْ سَوَّارِ بْنِ شَبِيبٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمَصَاحِفِ فَقَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ فَكَانَ عُمَرُ قَدْ هَمَّ أَنْ يَجْمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ فَطُعِنَ طَعْنَتَهُ الَّتِي مَاتَ بِهَا فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَذَكَرَ لَهُ فَجَمَعَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ ثُمَّ بَعَثَنِي إِلَى عَائِشَةَ فَجِئْتُ بِالصُّحُفِ فَعَرَضْنَاهَا عَلَيْهَا حَتَّى قَوَّمْنَاهَا ثُمَّ أَمَرَ بِسَائِرِهَا فَشُقِّقَتْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ضَبَطُوهَا وَأَتْقَنُوهَا وَلَمْ يَتْرُكُوا فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى إِصْلَاحٍ وَلَا تَقْوِيمٍ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أُشْتَةَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الأعلى ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَمَّا فُرِغَ مِنَ الْمُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ عُثْمَانَ فَنَظَرَ فِيهِ فَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ! أَرَى شَيْئًا سَنُقِيمُهُ
بِأَلْسِنَتِنَا فَهَذَا الْأَثَرُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ وَبِهِ يَتَّضِحُ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فَكَأَنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ كِتَابَتِهِ فَرَأَى فِيهِ شَيْئًا كُتِبَ عَلَى غَيْرِ لِسَانِ قُرَيْشٍ كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي " التَّابُوةُ "وَ " التَّابُوتُ " فَوَعَدَ بِأَنَّهُ سَيُقِيمُهُ عَلَى لِسَانِ قُرَيْشٍ ثُمَّ وَفَى بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَرْضِ وَالتَّقْوِيمِ وَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ شَيْئًا. وَلَعَلَّ مَنْ رَوَى تِلْكَ الْآثَارَ السَّابِقَةَ عَنْهُ حَرَّفَهَا وَلَمْ يُتْقِنِ اللَّفْظَ الَّذِي صَدَرَ عَنْ عُثْمَانَ فَلَزِمَ مِنْهُ مَا لَزِمَ مِنَ الْإِشْكَالِ فَهَذَا أَقْوَى مَا يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَبَعْدُ فَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ لَا يَصْلُحُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَمَّا الْجَوَابُ بِالتَّضْعِيفِ فَلِأَنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ كَمَا تَرَى وَأَمَّا الْجَوَابُ بِالرَّمْزِ وَمَا بَعْدَهُ فَلِأَنَّ سُؤَالَ عُرْوَةَ عَنِ الأحرف المذكور لَا يُطَابِقُهُ فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ ابْنُ أُشْتَةَ وَتَبِعَهُ ابْنُ جُبَارَةَ فِي شَرْحِ الرَّائِيَةِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا " أَخْطَئُوا " أَيْ فِي اخْتِيَارِ الْأَوْلَى مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ لِجَمْعِ النَّاسِ عَلَيْهِ لَا أَنَّ الَّذِي كَتَبُوا مِنْ ذَلِكَ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَالَا يَجُوزُ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّةُ وُقُوعِهِ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَحْنٌ مِنَ الْكَاتِبِ فَيَعْنِي بِاللَّحْنِ الْقِرَاءَةَ وَاللُّغَةَ يَعْنِي أَنَّهَا لُغَةُ الَّذِي كَتَبَهَا وَقِرَاءَتُهُ وَفِيهَا قِرَاءَةٌ أُخْرَى.
ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} و " إِنْ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ " سَوَاءٌ لَعَلَّهُمْ كَتَبُوا الْأَلِفَ مَكَانَ الْيَاءِ وَالْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: {وَالصَّابِئُونَ} مَكَانَ الْيَاءِ قَالَ ابْنُ أُشْتَةَ: يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ إِبْدَالِ حَرْفٍ فِي الْكِتَابِ بحرف مثل الصلاة والزكاة والحياة.
وَأَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ إِنَّمَا يَحْسُنُ لَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِالْيَاءِ فِيهَا وَالْكِتَابَةُ
بِخِلَافِهَا وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عَلَى مُقْتَضَى الرَّسْمِ فَلَا وَقَدْ تَكَلَّمَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْأَحْرُفِ وَوَجَّهُوهَا عَلَى أَحْسَنِ تَوْجِيهٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} فَفِيهِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَارٍ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُجْرِي الْمُثَنَّى بِالْأَلِفِ فِي أَحْوَالِهِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ لِكِنَانَةَ، وَقِيلَ: لِبَنِي الْحَارِثِ.
الثَّانِي: أَنَّ اسْمَ " إِنَّ " ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفًا وَالْجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ خَبَرُ إِنَّ.
الثَّالِثُ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ " سَاحِرَانِ " خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ: لَهُمَا سَاحِرَانِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ " إِنْ " هُنَا بِمَعْنَى: نَعَمْ.
الْخَامِسُ: أَنَّ " هَا " ضَمِيرُ الْقِصَّةِ اسْمُ إِنَّ وَ " ذَانِ لَسَاحِرَانِ " مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَتَقَدَّمَ رَدُّ هَذَا الْوَجْهِ بِانْفِصَالِ " إِنْ " واتصال ها فِي الرَّسْمِ.
قُلْتُ: وَظَهَرَ لِي وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْأَلِفِ لِمُنَاسَبَةِ " سَاحِرَانِ يُرِيدَانِ " كَمَا نون {سَلاسِلا} لمناسبة {وَأَغْلالاً} و {سَبَأٍ} لمناسبة {بِنَبَأٍ} .
وأما قوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} فَفِيهِ أَيْضًا أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَقْطُوعٌ إِلَى الْمَدْحِ بِتَقْدِيرِ: "أَمْدَحُ " لِأَنَّهُ أَبْلَغُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَجْرُورِ فِي: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أَيْ وَيُؤْمِنُونَ بِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ. وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ وَقِيلَ:
التَّقْدِيرُ: يُؤْمِنُونَ بِدِينِ الْمُقِيمِينَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَقِيلَ: بِإِجَابَةِ الْمُقِيمِينَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى " قَبْلِ " أَيْ وَمِنْ قَبْلِ الْمُقِيمِينَ فَحُذِفَتْ " قَبْلُ " وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الكاف في " قبلك".
الْخَامِسُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكَافِ فِي " إِلَيْكَ ".
السَّادِسُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ على الضمير في " منهم ".
حَكَى هَذِهِ الْأَوْجُهَ أَبُو الْبَقَاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالصَّابِئُونَ} فَفِيهِ أَيْضًا أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَيْ وَالصَّابِئُونَ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ " إِنَّ " مَعَ اسْمِهَا فَإِنَّ مَحَلَّهُمَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْفَاعِلِ فِي هَادُوا.
الرَّابِعُ: أَنَّ " إِنَّ " بِمَعْنَى نَعَمْ فَـ " الَّذِينَ آمَنُوا " وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ " وَالصَّابِئُونَ " عُطِفَ عَلَيْهِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ عَلَى إِجْرَاءِ صِيغَةِ الْجَمْعِ مَجْرَى الْمُفْرَدِ وَالنُّونُ حَرْفُ الْإِعْرَابِ. حَكَى هَذِهِ الْأَوْجُهَ أَبُو الْبَقَاءِ.
تَذْنِيبٌ
يَقْرُبُ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أُشْتَةَ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْمَكِّيِّ عَنْ أَبِي خَلَفٍ مَوْلَى بَنِي جُمَحٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكِ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا؟ قَالَتْ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قَالَ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} أَوْ " وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا " فَقَالَتْ: أَيَّتُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قُلْتُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا قَالَتْ: أَيُّهُمَا؟ قُلْتُ: "وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا " فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا وَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حُرِّفَ.
وَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا} قَالَ: إِنَّمَا هِيَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ، " حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا " أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظِ " هُوَ " - فِيمَا أَحْسَبُ - مِمَّا أَخْطَأَتْ بِهِ الْكُتَّابُ.
وما أخرجه ابن الأنبا ري مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ " أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا " فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ} فَقَالَ: أَظُنُّ الْكَاتِبَ كَتَبَهَا وَهُوَ نَاعِسٌ.
وَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ} : إِنَّمَا هِيَ " وَوَصَّى رَبُّكَ " الْتَزَقَتِ الْوَاوُ بِالصَّادِ.