فِيهَا خَالِدُونَ} أَيْ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الرَّحْمَةِ، {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ} أَيْ فِي اللَّيْلِ، {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ} أي في عينك عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: عَكْسُهُ نَحْوُ: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} أَيْ أَهْلَ نَادِيهِ أَيْ مَجْلِسَهُ
وَمِنْهُ التَّعْبِيرُ بِالْيَدِ عَنِ الْقُدْرَةِ نحو: {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} وَبِالْقَلْبِ عَنِ الْعَقْلِ نَحْوُ: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} أَيْ عُقُولٌ وَبِالْأَفْوَاهِ عَنِ الْأَلْسُنِ نَحْوُ: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ} وَبِالْقَرْيَةِ عَنْ سَاكِنِيهَا نَحْوُ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} قد اجْتَمَعَ هَذَا النَّوْعُ وَمَا قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فَإِنَّ أَخْذَ الزِّينَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ فَالْمُرَادُ مَحَلُّهَا فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْحَالِّ وَأَخُذُهَا لِلْمَسْجِدِ نفسه لا يجب فالمراد الصَّلَاةُ فَأَطْلَقَ اسْمَ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ آلَتِهِ نَحْوُ: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} أَيْ ثَنَاءً حَسَنًا لِأَنَّ اللِّسَانَ آلَتُهُ، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أَيْ بِلُغَةِ قَوْمِهِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمٍ ضِدِّهِ نَحْوُ: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وَالْبِشَارَةُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَبَرِ السَّارِّ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الدَّاعِي إِلَى الشَّيْءِ بِاسْمِ الصَّارِفُ عَنْهُ ذَكَرَهُ السَّكَّاكِيُّ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} يَعْنِي مَا دَعَاكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ وَسَلِمَ بِذَلِكَ مِنْ دَعْوَى زِيَادَةِ "لَا"
السَّابِعَ عَشَرَ: إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَشْبِيهًا نَحْوُ: {جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} وَصَفَهُ بِالْإِرَادَةِ وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْحَيِّ تَشْبِيهًا لِمَيْلِهِ لِلْوُقُوعِ بِإَرَادَتُهُ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: إِطْلَاقُ الْفِعْلِ وَالْمُرَادُ مُشَارَفَتُهُ وَمُقَارَبَتُهُ وَإِرَادَتُهُ نَحْوُ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} أَيْ قَارَبْنَ بُلُوغَ الْأَجَلِ أَيِ انِقِضَاءَ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ لَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَهُوَ فِي قَوْلِهِ: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} حَقِيقَةً {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} ، أَيْ فَإِذَا قَرُبَ مَجِيئُهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ فِيهَا أَنَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْأَجَلِ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمٌ وَلَا تَأْخِيرٌ، {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ} الْآيَةَ أَيْ لَوْ قَارَبُوا أَنْ يَتْرُكُوا خَافُوا لَأَنَّ الْخِطَابَ لِلْأَوْصِيَاءِ وَإِنَّمَا يتوجه إليهم قَبْلَ التَّرْكِ لِأَنَّهُمْ بَعْدَهُ أَمْوَاتٌ، {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} أَيْ أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} أَيْ أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ، لِتَكُونَ الِاسْتِعَاذَةُ قَبْلَهَا، {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} أَيْ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ
وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} أَيْ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا لِئَلَّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: الْقَلْبُ إِمَّا قَلْبُ إِسْنَادٍ نَحْوُ: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} أَيْ لَتَنُوءُ الْعُصْبَةُ بِهَا {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أَيْ لِكُلِّ كِتَابٍ أَجَلٌ، {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} أَيْ حَرَّمْنَاهُ عَلَى الْمَرَاضِعِ {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} أَيْ تُعْرَضُ النَّارُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمَعْرُوضَ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي لَهُ الِاخْتِيَارُ {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} أَيْ وَإِنَّ حُبَّهُ لِلْخَيْرِ {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} أَيْ يُرِدْ بِكَ الْخَيِّرَ {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} لِأَنَّ الْمُتَلَقِّيَ حَقِيقَةً هُوَ آدَمُ كَمَا قُرِئَ بِذَلِكَ أَيْضًا
أَوْ قَلْبُ عَطْفٍ نَحْوُ: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ} ، أَيْ فَانْظُرْ ثُمَّ تَوَلَّ {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} أَيْ تَدَلَّى فَدَنَا لِأَنَّهُ بِالتَّدَلِّي مَالَ إِلَى الدُّنُوِّ
أَوْ قَلْبُ تَشْبِيهٍ وَسَيَأْتِي فِي نَوْعِهِ.
الْعِشْرُونَ: إِقَامَةُ صِيغَةٍ مَقَامَ أُخْرَى وَتَحْتَهُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ:
مِنْهَا إِطْلَاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى الْفَاعِلِ نَحْوُ: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} وَلِهَذَا أَفْرَدَهُ وَعَلَى الْمَفْعُولِ نَحْوُ: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} أَيْ مِنْ مَعْلُومِهِ، {صُنْعَ اللَّهِ} أَيْ مَصْنُوعَهُ، {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ
كَذِبٍ} أَيْ مَكْذُوبٍ فِيهِ لِأَنَّ الْكَذِبَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ لَا الْأَجْسَامِ وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْبُشْرَى عَلَى الْمُبَشَّرِ بِهِ وَالْهَوَى عَلَى الْمَهْوِيِّ وَالْقَوْلِ عَلَى الْمَقُولِ.
وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ عَلَى الْمَصْدَرِ نَحْوُ: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي تكذيب {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} أَيِ الِفِتْنَةُ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ غَيْرُ زَائِدَةٍ
وَمِنْهَا إِطْلَاقُ فَاعِلٍ عَلَى مَفْعُولٍ نَحْوُ: {مَاءٍ دَافِقٍ} أَيْ مَدْفُوقٍ {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ} أَيْ لَا مَعْصُومَ {جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} أَيْ مَأْمُونًا فِيهِ
وَعَكْسُهُ نَحْوُ: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} أي آتيا {حِجَاباً مَسْتُوراً} أي ساترا وقيل: على بابه أي مستورا على الْعُيُونِ لَا يُحِسُّ بِهِ أَحَدٌ
وَمِنْهَا إِطْلَاقُ "فَعِيلٍ" بِمَعْنَى "مَفْعُولٍ" نَحْوُ: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً} وَمِنْهَا إِطْلَاقُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ عَلَى آخَرَ مِنْهَا
مِثَالُ إِطْلَاقِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُثَنَّى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} أَيْ يُرْضُوهُمَا فَأُفْرِدَ لِتَلَازُمِ الرِّضَاءَيْنِ
وَعَلَى الْجَمْعِ نَحْوُ: {إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} أَيِ الِأَنَاسِيَّ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} بدليل {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ} وَمِثَالُ إِطْلَاقِ الْمُثَنَّى عَلَى الْمُفْرَدِ: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} أَيْ أَلْقِ
وَمِنْهُ كُلُّ فِعْلٍ نُسِبَ إِلَى شَيْئَيْنِ وَهُوَ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ نَحْوُ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمِلْحُ دُونَ الْعَذْبِ وَنَظِيرُهُ {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} وَإِنَّمَا تَخْرُجُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمِلْحِ، {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} أَيْ فِي إِحْدَاهُنَّ {نَسِيَا حُوتَهُمَا} وَالنَّاسِي يُوشَعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِمُوسَى: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} وَإِنَّمَا أُضِيفَ النِّسْيَانُ إِلَيْهِمَا مَعًا لِسُكُوتِ مُوسَى عَنْهُ {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} وَالتَّعْجِيلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} قَالَ الْفَارِسِيُّ أَيْ مِنْ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ وَلَيْسَ مِنْهُ {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وَأَنَّ الْمَعْنَى جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ وَفِي كِتَابِ"ذَا الْقَدِّ" لِابْنِ جِنِّي أَنَّ مِنْهُ {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ} وَإِنَّمَا الْمُتَّخَذُ إِلَهًا عِيسَى دُونَ مَرْيَمَ
وَمِثَالُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْجَمْعِ {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أَيْ كَرَّاتٍ لِأَنَّ الْبَصَرَ لَا يُحْسَرُ إِلَّا بِهَا وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهَ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}
وَمِثَالُ إِطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الْمُفْرَدِ: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} ،أَيْ أَرْجِعْنِي وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ فَارِسٍ: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ بِدَلِيلِ {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَاطَبَ رَئِيسَهُمْ لا سيما
وعادة الملوك جارية ألا يُرْسِلُوا وَاحِدًا وَجَعَلَ مِنْهُ {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ} {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ} أَيْ جِبْرِيلَ {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} وَالْقَاتِلُ وَاحِدٌ
وَمِثَالُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمُثَنَّى: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} {قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ} ، {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} أَيْ أَخَوَانِ {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أَيْ قَلْبَاكُمَا {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} إِلَى قَوْلِهِ {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}
وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْمَاضِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ نَحْوُ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} أَيِ السَّاعَةُ بِدَلِيلِ {فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} الآية {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً} {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ}
وَعَكْسُهُ لِإِفَادَةِ الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ وَاسْتَمَرَّ نَحْوُ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ} {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أي تلت {وَلَقَدْ نَعْلَمُ} أَيْ عَلِمْنَا {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} أَيْ عَلِمَ، {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} أي قتلتم، {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً
تَقْتُلُونَ} {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً} أَيْ قَالُوا
وَمِنْ لَوَاحِقَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ لَا فِي الِاسْتِقْبَالِ نَحْوُ: {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ}
وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْخَبَرِ عَلَى الطَّلَبِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ دُعَاءً مُبَالِغَةً فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ وَقَعَ وَأَخْبَرَ عَنْهُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وُرُودُ الْخَبَرِ وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ أَوِ النَّهْيُ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ كَأَنَّهُ سُورِعَ فِيهِ إِلَى الِامْتِثَالِ وَأُخْبِرَ عَنْهُ نَحْوُ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} "فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحج" على قراءة، الرافع {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} أَيْ لَا تُنْفِقُوا إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ {لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} أي لا يمسسه {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ} ، أَيْ لَا تَعْبُدُوا بِدَلِيلِ {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} ، أَيِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَعَكْسُهُ، نَحْوُ: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً} أَيْ يَمُدُّ، {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} أي ونحن حاملون بدليل {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وَالْكَذِبُ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْخَبَرِ، {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً}
قَالَ الْكَوَاشِيُّ: فِي الْآيَةِ الْأَوْلَى الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَبْلَغُ مِنَ الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِهِ اللُّزُومَ نَحْوُ: "إِنْ زُرْتَنَا فَلْنُكْرِمْكَ" يُرِيدُونَ تَأْكِيدَ إِيجَابِ الْإِكْرَامِ عَلَيْهِمْ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ فَشُبِّهَ الخبر به في إيجابه.
منها: وَضَعُ النِّدَاءِ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ نَحْوُ: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} قال الفراء: معناه فيالها حَسْرَةً وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: هَذِهِ مِنْ أَصْعَبِ مَسْأَلَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْحَسْرَةَ لَا تُنَادَى وَإِنَّمَا يُنَادَى الْأَشْخَاصُ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ التَّنْبِيهُ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى عَلَى التَّعَجُّبِ.
وَمِنْهَا وَضْعُ جَمْعِ الْقِلَّةَ مَوْضِعَ الْكَثْرَةِ، نَحْوُ: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} وَغُرَفُ الْجَنَّةِ لَا تُحْصَى، {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} وَرُتَبُ النَّاسِ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنَ الْعَشَرَةِ لَا مَحَالَةَ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ} {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} وَنُكْتَةُ التَّقْلِيلِ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّسْهِيلُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ
وَعَكْسُهُ نَحْوُ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}
وَمِنْهَا تَذْكِيرُ الْمُؤَنَّثِ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِمُذَكَّرٍ، نَحْوُ: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} أَيْ وُعِظَ {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً} عَلَى تَأْوِيلِ الْبَلْدَةِ بِالْمَكَانِ {فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي} أَيِ الشَّمْسُ أَوِ الطَّالِعُ {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ذُكِرَتْ عَلَى مَعْنَى الْإِحْسَانِ