بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 157

فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ
تَقَدَّمَ أَنَّ التَّشْبِيهَ مِنْ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْبَلَاغَةِ وَأَشْرَفِهَا وَاتَّفَقَ الْبُلَغَاءُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ أَبْلَغُ مِنْهُ لِأَنَّهَا مَجَازٌ وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَالْمَجَازُ أَبْلَغُ فَإِذَا الِاسْتِعَارَةُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْفَصَاحَةِ وَكَذَا الْكِنَايَةُ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ وَالِاسْتِعَارَةُ أَبْلَغُ مِنَ الْكِنَايَةِ كَمَا قَالَ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ: إِنَّهُ الظَّاهِرُ لِأَنَّهَا كَالْجَامِعَةِ بَيْنَ كِنَايَةٍ وَاسْتِعَارَةٍ وَلِأَنَّهَا مَجَازٌ قَطْعًا وَفِي الْكِنَايَةِ خِلَافٌ
وَأَبْلَغُ أَنْوَاعِ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْكَشَّافِ وَيَلِيهَا الْمَكْنِيَّةُ صَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَالتَّرْشِيحِيَّةُ أَبْلَغُ مِنَ الْمُجَرَّدَةِ وَالْمُطْلَقَةِ وَالتَّخْيِيلِيَّةُ أَبْلَغُ مِنَ التَّحْقِيقِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِالْأَبْلَغِيَّةِ إِفَادَةُ زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي كَمَالِ التَّشْبِيهِ لَا زِيَادَةٍ فِي الْمَعْنَى لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
خَاتِمَةٌ
مِنَ الْمُهِمِّ تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِعَارَةِ وَالتَّشْبِيهِ الْمَحْذُوفِ الْأَدَاةِ نَحْوُ: "زِيدٌ أَسَدٌ"
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يُسَمَّى مَا فِي الْآيَةِ استعارة قلت مختلف فِيهِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا لَا اسْتِعَارَةً لِأَنَّ الْمُسْتَعَارَ لَهُ مَذْكُورٌ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَإِنَّمَا تُطْلَقُ الِاسْتِعَارَةُ حَيْثُ يُطْوَى ذِكْرُ الْمُسْتَعَارِ لَهُ وَيُجْعَلُ الْكَلَامُ خُلُوًّا عَنْهُ صَالِحًا لِأَنْ


صفحه 158

يُرَادَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ وَالْمَنْقُولُ لَهُ لَوْلَا دَلَالَةُ الْحَالِ أَوْ فَحَوَى الْكَلَامِ وَمِنْ ثَمَّ تَرَى الْمُفْلِقِينَ السَّحَرَةَ يَتَنَاسَوْنَ التَّشْبِيهَ وَيَضْرِبُونَ عَنْهُ صَفْحًا
وَعَلَّلَهُ السَّكَّاكِيُّ: بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِعَارَةِ إِمْكَانُ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الظَّاهِرِ وَتَنَاسِي التَّشْبِيهِ وَزَيْدٌ أَسَدٌ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ قَالَ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ وَمَا قَالَاهُ مَمْنُوعٌ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِعَارَةِ صَلَاحِيَةُ الْكَلَامِ لِصَرْفِهِ إلى الحقيقة في الظاهرقال بَلْ لَوْ عُكِسَ ذَلِكَ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ صَلَاحِيَتِهِ لَكَانَ أَقْرَبَ لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ مَجَازٌ لا بد له قَرِينَةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ امْتَنَعَ صَرْفُهُ إِلَى الِاسْتِعَارَةِ وَصَرَفْنَاهُ إِلَى حَقِيقَتِهِ وَإِنَّمَا نَصْرِفُهُ إِلَى الِاسْتِعَارَةِ بِقَرِينَةٍ إِمَّا لَفْظِيَّةٍ أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ نَحْوُ: "زِيدٌ أَسَدٌ" فَالْإِخْبَارُ بِهِ عَنْ زَيْدٍ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ عَنْ إِرَادَةِ حَقِيقَتِهِ قَالَ وَالَّذِي نَخْتَارُهُ فِي نَحْوِ: "زِيدٌ أَسَدٌ" أنه قِسْمَانِ تَارَةً يُقْصَدُ بِهِ التَّشْبِيهُ فَتَكُونُ أَدَاةُ التَّشْبِيهِ مُقَدَّرَةً وَتَارَةً يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ فَلَا تَكُونُ مُقَدَّرَةً وَيَكُونُ الْأَسَدُ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَذَكَرَ زَيْدٌ وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ حَقِيقَةً قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ إِلَى الِاسْتِعَارَةِ دَالَّةٌ عَلَيْهَا فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى حَذْفِ الْأَدَاةِ صِرْنَا إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ فَنَحْنُ بَيْنَ إِضْمَارٍ وَاسْتِعَارَةٍ وَالِاسْتِعَارَةُ أَوْلَى فَيُصَارُ إِلَيْهَا
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْفَرْقِ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ فِي "قواني الْبَلَاغَةِ" وَكَذَا قَالَ: حَازِمٌ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَعْنَى التَّشْبِيهِ فَتَقْدِيرُ حَرْفِ التَّشْبِيهِ لَا يَجُوزُ فِيهَا وَالتَّشْبِيهُ بِغَيْرِ حَرْفٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيرَ حَرْفِ التَّشْبِيهِ وَاجِبٌ فِيهِ.


صفحه 159

النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: فِي كِنَايَاتِهِ وَتَعْرِيضِهِ
هُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاغَةِ وَأَسَالِيبِ الْفَصَاحَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْكِنَايَةَ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ وَعَرَّفَهَا أَهْلُ الْبَيَانِ بِأَنَّهَا لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ لَازِمُ مَعْنَاهُ
وَقَالَ: الطِّيبِيُّ تَرْكُ التَّصْرِيحِ بِالشَّيْءِ إِلَى مَا يُسَاوِيهِ فِي اللُّزُومِ فَيَنْتَقِلُ مِنْهُ إِلَى الْمَلْزُومِ وَأَنْكَرَ وُقُوعَهَا فِي الْقُرْآنِ مَنْ أَنْكَرَ الْمَجَازَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَجَازٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ
وَلِلْكِنَايَةِ أسباب:
أَحَدُهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ الْقُدْرَةِ نَحْوُ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} كِنَايَةٌ عَنْ آدَمَ
ثَانِيهَا: تَرْكُ اللَّفْظِ إِلَى مَا هُوَ أَجْمَلُ نَحْوُ: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} فَكَنَّى بِالنَّعْجَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ كَعَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِ النِّسَاءِ أَجْمَلُ مِنْهُ ولهذا لَمْ تُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ امْرَأَةٌ بِاسْمِهَا إِلَّا مَرْيَمَ قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ مَرْيَمُ بِاسْمِهَا عَلَى خِلَافِ عَادَةِ الْفُصَحَاءِ لِنُكْتَةٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُلُوكَ وَالْأَشْرَافَ لَا يَذْكُرُونَ حَرَائِرَهُمْ فِي مَلَإٍ وَلَا يَبْتَذِلُونَ أَسْمَاءَهُنَّ بَلْ يُكَنُّونَ عَنِ الزَّوْجَةِ بِالْفَرْشِ وَالْعِيَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِذَا ذَكَرُوا الْإِمَاءَ لَمْ يُكَنُّوا عَنْهُنَّ وَلَمْ يَصُونُوا أَسْمَاءَهُنَّ عَنِ الذِّكْرِ فَلَمَّا قَالَتِ


صفحه 160

النَّصَارَى فِي مَرْيَمَ مَا قَالُوا صَرَّحَ اللَّهُ بِاسْمِهَا وَلَمْ يَكُنْ تأكيدا للعبودية إلا الَّتِي هِيَ صِفَةٌ لَهَا وَتَأْكِيدًا لِأَنَّ عِيسَى لَا أَبَ لَهُ وَإِلَّا لَنُسِبَ إِلَيْهِ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ التَّصْرِيحُ مِمَّا يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ كَكِنَايَةِ اللَّهِ عَنِ الْجِمَاعِ بِالْمُلَامِسَةِ وَالْمُبَاشِرَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالرَّفَثِ وَالدُّخُولِ وَالسِّرِّ في قوله: {لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} وَالْغَشَيَانِ فِي قَوْلِهِ {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْمُبَاشَرَةُ الْجِمَاعُ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي
وَأَخْرَجَ عَنْهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي مَا شَاءَ وَإِنَّ الرَّفَثَ هُوَ الْجِمَاعُ وَكَنَّى عَنْ طَلَبِهِ بِالْمُرَاوَدَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} وَعَنْهُ أَوْ عَنِ الْمُعَانَقَةِ بِاللِّبَاسِ فِي قَوْلِهِ: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} وَبِالْحَرْثِ فِي قَوْلِهِ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ}
وَكَنَّى عَنِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ بِالْغَائِطِ فِي قَوْلِهِ: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} وَأَصْلُهُ الْمَكَانُ الْمُطَمْئِنُ مِنَ الْأَرْضِ
وَكَنَّى عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِأَكْلِ الطَّعَامِ فِي قَوْلِهِ فِي مَرْيَمَ وابنها: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ}
وَكَنَّى عَنِ الْأَسْتَاهِ بِالْأَدْبَارِ فِي قَوْلِهِ: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ يَعْنِي أَسْتَاهَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي
وَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ التَّصْرِيحَ بِالْفَرْجِ فِي قوله: {الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}


صفحه 161

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَرْجُ الْقَمِيصِ وَالتَّعْبِيرُ به من أَلْطَفُ الْكِنَايَاتِ وَأَحْسَنُهَا أَيْ لَمْ يَعْلَقْ ثَوْبُهَا بِرِيبَةٍ فَهِيَ طَاهِرَةُ الثَّوْبِ كَمَا يُقَالُ: نَقِيُّ الثَّوْبِ وَعَفِيفُ الذَّيْلِ كِنَايَةً عَنِ الْعِفَّةِ – وَمِنْهُ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} - وَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ نَفْخَ جِبْرِيلَ وَقْعَ فِي فَرْجِهَا وَإِنَّمَا نَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: {وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ}
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا فَفِي الْآيَةِ كِنَايَةٌ عَنْ كِنَايَةٍ وَنَظِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَجَازِ الْمَجَازِ
رَابِعُهَا: قَصْدُ الْبَلَاغَةِ وَالْمُبَالَغَةِ نَحْوُ: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} ، كَنَّى عَنِ النِّسَاءِ بِأَنَّهُنَّ يَنْشَأْنَ فِي التَّرَفُّهِ وَالتَّزَيُّنِ الشَّاغِلِ عَنِ النَّظَرِ فِي الْأُمُورِ وَدَقِيقِ الْمَعَانِي وَلَوْ أَتَى بِلَفْظِ "النِّسَاءِ" لَمْ يُشْعِرْ بِذَلِكَ وَالْمُرَادُ نَفْيُ ذَلِكَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَقَوْلُهُ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} كِنَايَةٌ عَنْ سَعَةِ جُودِهِ وَكَرَمِهِ جِدًّا
خَامِسُهَا: قَصْدُ الِاخْتِصَارِ كَالْكِنَايَةِ عَنْ أَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِلَفْظِ "فَعَلَ" نَحْوُ: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} أَيْ فَإِنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
سَادِسُهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى مَصِيرِهِ نَحْوُ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} أَيْ جَهَنَّمِيٌّ مَصِيرُهُ إِلَى اللَّهَبِ {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ} أَيْ نَمَّامَةٌ مَصِيرُهَا إِلَى أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِجَهَنَّمَ فِي جِيدِهَا غُلٌّ


صفحه 162

قَالَ بِدُرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ فِي الْمِصْبَاحِ إِنَّمَا يُعْدَلُ عَنِ التصريح إلى الكناية لنكتة كَالْإِيضَاحِ أَوْ بَيَانِ حَالِ الْمَوْصُوفِ أَوْ مِقْدَارِ حَالِهِ أَوِ الْقَصْدِ إِلَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ أَوِ الِاخْتِصَارِ أَوِ السَّتْرِ أَوِ الصِّيَانَةِ أَوِ التَّعْمِيَةِ وَالْإِلْغَازِ أَوِ التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّعْبِ بِالسَّهْلِ أو عن الْمَعْنَى الْقَبِيحِ بِاللَّفْظِ الْحَسَنِ
وَاسْتَنْبَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَوْعًا مِنَ الْكِنَايَةِ غَرِيبًا وَهُوَ أَنْ تَعْمَدَ إِلَى جُمْلَةٍ مَعْنَاهَا عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ فَتَأْخُذَ الْخُلَاصَةَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُفْرَدَاتِهَا بِالَحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَتُعَبِّرُ بِهَا عَنِ الْمَقْصُودِ كَمَا تَقُولُ فِي نَحْوِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُلْكِ فَإِنَّ الِاسْتِوَاءَ عَلَى السَّرِيرِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مَعَ الْمُلْكِ فَجُعِلَ كِنَايَةً عَنْهُ وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} كِنَايَةٌ عَنْ عَظْمَتِهِ وَجَلَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ذَهَابٍ بِالْقَبْضِ وَالْيَمِينِ إِلَى جِهَتَيْنِ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ
تَذَنِيبٌ
مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ الَّتِي تُشْبِهُ الْكِنَايَةَ الْإِرْدَافُ وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ مَعْنًى وَلَا يُعَبِّرَ عنه بلفظه الْمَوْضُوعِ لَهُ وَلَا بِدَلَالَةِ الْإِشَارَةِ بَلْ بِلَفْظٍ يُرَادِفُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُضِيَ الأَمْرُ} وَالْأَصْلُ: "وَهَلَكَ مَنْ قَضَى اللَّهُ هَلَاكَهُ وَنَجَا مَنْ قَضَى اللَّهُ نَجَاتَهُ" وَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى لَفْظِ الْإِرْدَافِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيجَازِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَلَاكَ الْهَالِكِ وَنَجَاةَ النَّاجِي كَانَ بِأَمْرِ آمِرٍ مُطَاعٍ وَقَضَاءِ مَنْ لَا يُرَدُّ


صفحه 163

قَضَاؤُهُ وَالْأَمْرُ يَسْتَلْزِمُ آمِرًا فَقَضَاؤُهُ يَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ الْآمِرِ بِهِ وَقَهْرِهِ وَإِنَّ الْخَوْفَ مِنْ عِقَابِهِ وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ يَحُضَّانِ عَلَى طَاعَةِ الْأَمْرِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ كُلُّهُ من اللَّفْظِ الْخَاصِّ
وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} حَقِيقَةُ ذَلِكَ "جَلَسَتْ" فَعَدَلَ عَنِ اللَّفْظِ الْخَاصِّ بِالْمَعْنَى إِلَى مُرَادِفِهِ لِمَا فِي الِاسْتِوَاءِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِجُلُوسٍ مُتَمَكِّنٍ لَا زَيْغَ فِيهِ وَلَا مَيْلَ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ مِنْ لَفْظِ "الْجُلُوسِ"
وَكَذَا: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} الْأَصْلُ "عَفِيفَاتٌ" وَعَدَلَ عَنْهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُنَّ مَعَ الْعِفَّةِ لَا تَطْمَحُ أَعْيُنُهُنَّ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ وَلَا يَشْتَهِينَ غَيْرَهُمْ وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الْعِفَّةِ
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالْإِرْدَافِ أَنَّ الْكِنَايَةَ انْتِقَالٌ مِنْ لَازِمٍ إِلَى مَلْزُومٍ وَالْإِرْدَافُ مِنْ مَذْكُورٍ إِلَى مَتْرُوكٍ
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} عَدَلَ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى عَنْ قوله "بالسوءى" مَعَ أَنَّ فِيهِ مُطَابَقَةً لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى "بِمَا عَمِلُوا" تَأَدُّبًا أَنْ يُضَافَ السُّوءُ إِلَى اللَّهِ تعالى.
فصل
لِلنَّاسِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ عِبَارَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ الْكِنَايَةُ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَالتَّعْرِيضُ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا تَدُلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ تَذْكُرْهُ


صفحه 164

وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْكِنَايَةُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِوَصْفٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا وَالتَّعْرِيضُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَعْنًى لَا مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْحَقِيقِيِّ أَوِ الْمَجَازِيِّ كَقَوْلِ مَنْ يَتَوَقَّعُ صِلَةً وَاللَّهِ إِنِّي مُحْتَاجٌ فَإِنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالطَّلَبِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَإِنَّمَا فُهِمْ مِنْ عَرْضِ اللَّفْظِ أَيْ جَانِبِهِ
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: فِي كتاب الْإِغْرِيضُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ: الْكِنَايَةُ لَفْظٌ اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ مُرَادًا مِنْهُ لَازِمَ الْمَعْنَى فَهِيَ بِحَسَبِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى حَقِيقَةً وَالتَّجَوُّزُ فِي إِرَادَةِ إِفَادَةِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ وَقَدْ لَا يراد منها الْمَعْنَى بَلْ يُعَبَّرُ بِالْمَلْزُومِ عَنِ اللَّازِمِ وَهِيَ حِينَئِذٍ مَجَازٌ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِفَادَةَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بَلْ إِفَادَةَ لَازِمِهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَرِدُونَهَا وَيَجِدُونَ حَرَّهَا إِنْ لَمْ يُجَاهِدُوا وَأَمَّا التَّعْرِيضُ: فَهُوَ لَفْظٌ اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ لِلتَّلْوِيحِ بِغَيْرِهِ نَحْوُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا}
نَسَبَ الْفِعْلَ إِلَى كَبِيرِ الْأَصْنَامِ الْمُتَّخَذَةِ آلِهَةً كَأَنَّهُ غَضِبَ أَنْ تُعْبَدَ الصِّغَارُ مَعَهُ تَلْوِيحًا لِعَابِدِهَا بِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ آلِهَةً لِمَا يَعْلَمُونَ إِذَا نَظَرُوا بِعُقُولِهِمْ مِنْ عَجْزِ كَبِيرِهَا عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالْإِلَهُ لَا يَكُونُ عَاجِزًا فَهُوَ حَقِيقَةٌ أَبَدًا.
وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ: التَّعْرِيضُ مَا سِيقَ لِأَجْلِ مَوْصُوفٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وَمِنْهُ أَنْ يُخَاطَبَ وَاحِدٌ وَيُرَادَ غَيْرُهُ وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أَمْيَلُ الْكَلَامِ إِلَى جَانِبٍ مُشَارًا بِهِ إِلَى آخَرَ يُقَالُ: نَظَرَ إِلَيْهِ بِعُرْضِ وَجْهِهِ أَيْ جَانِبِهِ
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ يُفْعَلُ إِمَّا لِتَنْوِيهِ جَانِبَ الْمَوْصُوفِ وَمِنْهُ: