فِي الْمَوْتِ مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ ذَكَرَهُ فِي الْكَشَّافِ وَعَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ بِأَنَّهُ جَعَلَ الْقِصَاصَ كَالْمَنْبَعِ لِلْحَيَاةِ وَالْمَعْدِنِ لَهَا بِإِدْخَالِ "فِي" عَلَيْهِ.
التَّاسِعُ: أَنَّ فِي الْمَثَلِ تَوَالِيَ أَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ حفيفة وَهُوَ السُّكُونُ بَعْدَ الْحَرَكَةِ وَذَلِكَ مُسْتَكْرَهٌ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَنْطُوقَ بِهِ إِذَا تَوَالَتْ حَرَكَاتُهُ تَمَكَّنَ اللِّسَانُ من النطق به وظهرت فَصَاحَتُهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَعَقَّبَ كُلَّ حَرَكَةٍ سُكُونٌ فَالْحَرَكَاتُ تَنْقَطِعُ بِالسَّكَنَاتِ نَظِيرُهُ إِذَا تَحَرَّكَتِ الدَّابَّةُ أَدْنَى حَرَكَةٍ فَحُبِسَتْ ثُمَّ تَحَرَّكَتْ فَحُبِسَتْ لا يتبين إِطْلَاقَهَا وَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْ حَرَكَتِهَا عَلَى مَا تَخْتَارُهُ فَهِيَ كَالْمُقَيَّدَةِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّ الْمَثَلَ كَالْمُتَنَاقِضِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَنْفِي نَفْسَهُ،
الْحَادِي عَشَرَ: سَلَامَةُ الْآيَةِ مِنْ تَكْرِيرِ قَلْقَلَةِ الْقَافِ الْمُوجِبِ لِلضَّغْطِ وَالشِّدَّةِ وَبُعْدُهَا عَنْ غُنَّةٍ النُّونِ
الثَّانِي عَشَرَ: اشْتِمَالُهَا عَلَى حُرُوفٍ مُتَلَائِمَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْقَافِ إِلَى الصَّادِ إِذِ الْقَافُ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ وَالصَّادُ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ وَالْإِطْبَاقِ بِخِلَافِ الْخُرُوجِ مِنَ الْقَافِ إِلَى التَّاءِ الَّتِي هِيَ حَرْفٌ مُنْخَفِضٌ فَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْقَافِ وَكَذَا الْخُرُوجُ مِنَ الصَّادِ إِلَى الْحَاءِ أَحْسَنُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ اللَّامِ إِلَى الْهَمْزَةِ لِبُعْدِ مَا دُونَ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأَقْصَى الْحَلْقِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي النُّطْقِ بِالصَّادِ وَالْحَاءِ وَالتَّاءِ حُسْنُ الصَّوْتِ وَلَا كَذَلِكَ تَكْرِيرُ الْقَافِ وَالتَّاءِ
الرَّابِعَ عَشَرَ: سَلَامَتُهَا مَنْ لَفْظِ الْقَتْلِ الْمُشْعِرِ بِالْوَحْشَةِ بِخِلَافِ لَفْظِ "الْحَيَاةِ" فَإِنَّ الطِّبَّاعَ أَقْبَلُ لَهُ مَنْ لَفْظِ الْقَتْلِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ لَفْظَ الْقِصَاصِ مُشْعِرٌ بِالْمُسَاوَاةِ فَهُوَ مُنْبِئٌ عَنِ الْعَدْلِ بِخِلَافِ مُطْلَقِ الْقَتْلِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: الْآيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَالْمَثَلُ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتُ أَشْرَفُ لِأَنَّهُ أَوَّلٌ وَالنَّفْيُ ثَانٍ عَنْهُ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْمَثَلَ لَا يَكَادُ يُفْهَمُ إِلَّا بَعْدَ فَهْمِ أَنَّ الْقِصَاصَ هُوَ الْحَيَاةُ وَقَوْلُهُ: "فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ"مَفْهُومٌ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ فِي الْمَثَلِ بِنَاءَ "أَفْعَلَ" التَّفْضِيلِ مِنْ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ وَالْآيَةُ سَالِمَةٌ مِنْهُ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ أَفْعَلَ فِي الْغَالِبِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فَيَكُونُ تَرْكُ الْقِصَاصِ نَافِيًا لِلْقَتْلِ وَلَكِنَّ الْقِصَاصَ أَكْثَرُ نَفْيًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَالْآيَةُ سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ.
الْعِشْرُونَ: أَنَّ الْآيَةَ رَادِعَةٌ عَنِ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ مَعًا لِشُمُولِ الْقِصَاصِ لَهُمَا وَالْحَيَاةُ أَيْضًا فِي قِصَاصِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ قَطْعَ الْعُضْوِ يُنْقِصُ مَصْلَحَةَ الْحَيَاةِ وَقَدْ يَسْرِي إِلَى النَّفْسِ فَيُزِيلُهَا وَلَا كَذَلِكَ الْمَثَلُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ "وَلَكُمْ" وَفِيهَا لَطِيفَةٌ وَهِيَ بَيَانُ الْعِنَايَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَأَنَّهُمُ الْمُرَادُ حَيَاتُهُمْ لَا غَيْرُهُمْ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالْمَعْنَى مَعَ وُجُودِهِ فِيمَنْ سِوَاهُمْ.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: ذَكَرَ قُدَامَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ الْإِشَارَةَ وَفَسَّرَهَا بِالْإِتْيَانِ بِكَلَامٍ قَلِيلٍ ذِي مَعَانٍ جَمَّةٍ وَهَذَا هُوَ إِيجَازُ الْقَصْرِ بِعَيْنِهِ لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ بِأَنَّ الْإِيجَازَ دَلَالَتُهُ مُطَابَقَةٌ وَدَلَالَةُ الْإِشَارَةِ إِمَّا تَضَمُّنٌ أَوِ الْتِزَامٌ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا تَقَدَّمَ فِي مَبْحَثِ الْمَنْطُوقِ.
الثَّانِي: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ أَنَّ مِنَ الْإِيجَازِ نَوْعًا يُسَمَّى التَّضْمِينُ وَهُوَ حُصُولُ مَعْنًى فِي لَفْظٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لَهُ بِاسْمٍ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْهُ قَالَ وَهُوَ نَوْعَانِ: أحدهما ما يفهم من البنية كَقَوْلِهِ مَعْلُومٌ فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَالِمٍ وَالثَّانِي من معنى العبارة كبسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ تَعْلِيمَ الِاسْتِفْتَاحِ فِي الْأُمُورِ بِاسْمِهِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالتَّبَرُّكِ بِاسْمِهِ
الثَّالِثُ: ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَصَاحِبُ عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ إِيجَازِ الْقَصْرِ بَابُ الْحَصْرِ سَوَاءً كَانَ بِإِلَّا أَوْ بِإِنَّمَا أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَدَوَاتِهِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ فِيهَا نَابَتْ مَنَابَ جُمْلَتَيْنِ وَبَابُ الْعَطْفِ لِأَنَّ حَرْفَهُ وُضِعَ لِلْإِغْنَاءِ عَنْ إِعَادَةِ الْعَامِلِ
وَبَابُ النَّائِبِ عَنِ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى الْفَاعِلِ بِإِعْطَائِهِ حُكْمَهُ وَعَلَى الْمَفْعُولِ بِوَضْعِهِ وَبَابُ الضَّمِيرِ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِهِ عَنِ الظَّاهِرِ اخْتِصَارًا وَلِذَا لَا يُعْدَلُ إِلَى الْمُنْفَصِلِ مَعَ إِمْكَانِ الْمُتَّصِلِ وَبَابُ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَائِمٌ لِأَنَّهُ متحمل لِاسْمٍ وَاحِدٍ سَدَّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ
وَمِنْهَا بَابُ التَّنَازُعِ إِذَا لَمْ نُقَدِّرْ عَلَى رأي الفراء ومنها طرح المفعول اقتصارا على جعل المتعدي كاللازم وسيأتي تحريره
ومنها جميع أَدَوَاتِ الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ فَإِنَّ "كَمْ مَالُكَ" يُغْنِي عَنْ
قَوْلِكَ "أَهْوَ عِشْرُونَ أَمْ ثَلَاثُونَ؟ " وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى
وَمِنْهَا الْأَلْفَاظُ اللَّازِمَةُ لِلْعُمُومِ كَأَحَدٍ
وَمِنْهَا لَفْظُ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْ تَكْرِيرِ الْمُفْرَدِ وَأُقِيمَ الْحَرْفُ فِيهِمَا مَقَامَهُ اخْتِصَارًا
وَمِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُعَدَّ مِنْ أَنْوَاعِهِ الْمُسَمَّى بِالِاتِّسَاعِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ وَهُوَ
أَنْ يُؤْتَى بِكَلَامٍ يَتَّسِعُ فِيهِ التَّأْوِيلُ بِحَسَبَ مَا تَحْتَمِلُهُ أَلْفَاظُهُ مِنَ الْمَعَانِي كَفَوَاتِحِ السُّوَرِ ذَكَرَهُ ابن أبي الإصبع
إيجاز الحذف
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ الْإِيجَازِ: الْحَذْفِ وَفِيهِ فَوَائِدُ.
ذِكْرُ أَسْبَابِهِ:
مِنْهَا مُجَرَّدُ الِاخْتِصَارِ وَالِاحْتِرَازِ عَنِ الْعَبَثِ لِظُهُورِهِ
وَمِنْهَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الزَّمَانَ يَتَقَاصَرُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالْمَحْذُوفِ وَأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِذِكْرِهِ يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِ الْمُهِمِّ وَهَذِهِ هِيَ فَائِدَةُ بَابِ التَّحْذِيرِ وَالْإِغْرَاءِ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} فناقة اللَّهِ تَحْذِيرٌ بِتَقْدِيرِ "ذَرُوا" وَ "سُقْيَاهَا" إِغْرَاءٌ بِتَقْدِيرِ "الْزَمُوا"
وَمِنْهَا التَّفْخِيمُ وَالْإِعْظَامُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِبْهَامِ قَالَ حَازِمٌ فِي مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ إِنَّمَا يَحْسُنُ الْحَذْفُ لِقُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ أَوْ يُقْصَدُ بِهِ تَعْدِيدُ أَشْيَاءَ فَيَكُونُ فِي تَعْدَادِهَا طُولٌ وَسَآمَةٌ فَيُحْذَفُ وَيُكْتَفَى بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَتُتْرَكُ النَّفْسُ تَجُولُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُكْتَفَى بِالْحَالِ عَنْ ذِكْرِهَا قَالَ: وَلِهَذَا الْقَصْدِ يُؤْثَرُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التَّعَجُّبُ وَالتَّهْوِيلُ عَلَى النُّفُوسِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} ، فَحُذِفَ الْجَوَابُ إِذْ كَانَ وَصْفُ مَا يَجِدُونَهُ وَيَلْقَوْنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يَتَنَاهَى فَجُعِلَ الْحَذْفُ دَلِيلًا على ضيق الْكَلَامِ عَنْ وَصْفِ مَا يُشَاهِدُونَهُ وَتُرِكَتِ النُّفُوسُ تُقَدِّرُ مَا شَاءَتْهُ وَلَا تَبْلُغُ مَعَ ذَلِكَ كُنْهَ مَا هُنَالِكَ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} أَيْ لَرَأَيْتَ أَمْرًا فَظِيعًا لَا تَكَادُ تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ
وَمِنْهَا التَّخْفِيفُ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهِ فِي الْكَلَامِ كَمَا فِي حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ نَحْوِ: {يُوسُفُ أَعْرِضْ} ونون "لم يك" وَالْجَمْعُ السَّالِمُ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ {وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ} وياء {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} وَسَأَلَ الْمُؤَرَّجُ السَّدُوسِيُّ الْأَخْفَشَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّهَا إِذَا عَدَلَتْ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْنَاهُ نَقَصَتْ حُرُوفُهُ وَاللَّيْلُ لَمَّا كَانَ لَا يَسْرِي وَإِنَّمَا يُسْرَى فِيهِ نَقَصَ مِنْهُ حَرْفٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} الْأَصْلُ "بَغِيَّةً" فَلَمَّا حُوِّلَ عَنْ فَاعِلٍ نَقَصَ مِنْهُ حَرْفٌ
وَمِنْهَا كَوْنُهُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لَهُ نحو {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}
وَمِنْهَا شُهْرَتُهُ حَتَّى يَكُونَ ذِكْرُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً قال الزمخشري وهو نَوْعٌ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ الَّتِي لِسَانُهَا أَنْطَقُ مِنْ لِسَانِ الْمَقَالِ وَحُمِلَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} لِأَنَّ هَذَا مَكَانٌ شُهِرَ بِتَكَرُّرِ الْجَارِّ فَقَامَتِ الشُّهْرَةُ مَقَامَ الذِّكْرِ
وَمِنْهَا صِيَانَتُهُ عَنْ ذِكْرِهِ تَشْرِيفًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ} الْآيَاتِ حُذِفَ فِيهَا الْمُبْتَدَأُ فِي ثَلَاثَةِ
مَوَاضِعَ: قَبْلَ ذِكْرِ الرَّبِّ أَيْ "هُوَ رَبٌّ"، "اللَّهُ رَبُّكُمْ"، "اللَّهُ رَبُّ الْمَشْرِقِ" لِأَنَّ مُوسَى اسْتَعْظَمَ حَالَ فِرْعَوْنَ وَإِقْدَامَهُ عَلَى السُّؤَالِ فَأَضْمَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا وَمِثْلُهُ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} أَيْ ذَاتِكَ
وَمِنْهَا صِيَانَةُ اللِّسَانِ عَنْهُ تَحْقِيرًا لَهُ نَحْوُ: {صُمٌّ بُكْمٌ} أَيْ هُمْ أَوِ الْمُنَافِقُونَ وَمِنْهَا قَصْدُ الْعُمُومِ نَحْوُ: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أَيْ عَلَى الْعِبَادَةِ وَعَلَى أُمُورِنَا كُلِّهَا، {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} أَيْ كَلَّ وَاحِدٍ وَمِنْهَا رِعَايَةُ الْفَاصِلَةِ نَحْوُ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} أَيْ "وَمَا قَلَاكَ "
وَمِنْهَا قَصْدُ الْبَيَانِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ كَمَا فِي فعل المشيئة نحو: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ} أي ولو شَاءَ هِدَايَتَكُمْ فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ السَّامِعُ "وَلَوْ شَاءَ" تَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بم شاء ابنهم عَلَيْهِ لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَلَمَّا ذُكِرَ الْجَوَابُ اسْتَبَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ أَدَاةِ شَرْطٍ لِأَنَّ مَفْعُولَ الْمَشِيئَةِ مَذْكُورٌ فِي جَوَابِهَا
وَقَدْ يَكُونُ مَعَ غَيْرِهَا اسْتِدْلَالًا بِغَيْرِ الْجَوَابِ نَحْوُ: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْبَيَانِ أَنَّ مَفْعُولَ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ لَا يُذْكَرُ إِلَّا إِذَا كَانَ غَرِيبًا أَوْ عَظِيمًا نَحْوُ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً} وَإِنَّمَا اطَّرَدَ أَوْ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ
دُونَ سَائِرِ الْأَفْعَالِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمَشِيئَةِ وُجُودُ الْمُشَاءِ فَالْمَشِيئَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِمَضْمُونِ الْجَوَابِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا مَشِيئَةَ الْجَوَابِ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْإِرَادَةُ مِثْلَهَا في اطراد حذف مَفْعُولِهَا ذَكَرَهُ الزَّمْلَكَانِيُّ وَالتَّنُوخِيُّ فِي الْأَقْصَى الْقَرِيبِ قَالُوا: وَإِذَا حُذِفَ بَعْدَ "لَوْ" فَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي جَوَابِهَا أَبَدًا وَأَوْرَدَ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ: {قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً} فَإِنَّ الْمَعْنَى "لَوْ شَاءَ رَبُّنَا إِرْسَالَ الرُّسُلِ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً" لَأَنَّ الْمَعْنَى مُعِينٌ عَلَى ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ: مَا مِنِ اسْمٍ حُذِفَ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْذَفَ فِيهَا إِلَّا وَحَذْفُهُ أَحْسَنُ مِنْ ذِكْرِهِ وَسَمَّى ابْنُ جِنِّي الْحَذْفَ شَجَاعَةَ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهُ يُشَجِّعُ عَلَى الْكَلَامِ.
قَاعِدَةٌ فِي حَذْفِ الْمَفْعُولِ اخْتِصَارًا وَاقْتِصَارًا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ جَرَتْ عَادَةُ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَقُولُوا بِحَذْفِ المفعولاختصارا وَاقْتِصَارًا وَيُرِيدُونَ بِالِاخْتِصَارِ الْحَذْفَ لِدَلِيلٍ وَيُرِيدُونَ بِالِاقْتِصَارِ الْحَذْفَ لِغَيْرِ دَلِيلٍ وَيُمَثِّلُونَهُ بِنَحْوِ: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} أَيْ أَوْقِعُوا هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ يَعْنِي كَمَا قَالَ أَهْلُ الْبَيَانِ تَارَةً يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِالْإِعْلَامِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ أَوْقَعَهُ وَمَنْ أُوقِعُ عَلَيْهِ فَيُجَاءُ بِمَصْدَرِهِ مُسْنَدًا إِلَى فِعْلِ كَوْنٍ عَامٍّ فَيُقَالُ حَصَلَ حَرِيقٌ أَوْ نَهْبٌ وَتَارَةً يَتَعَلَّقُ بِالْإِعْلَامِ بِمُجَرَّدِ إِيقَاعِ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِمَا وَلَا يُذَكَرُ الْمَفْعُولُ وَلَا يُنْوَى إِذِ الْمَنْوِيُّ كَالثَّابِتِ وَلَا يُسَمَّى مَحْذُوفًا لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنَزَّلُ لِهَذَا الْقَصْدِ مَنْزِلَةَ
مَا لَا مَفْعُولَ لَهُ وَمِنْهُ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} إِذِ الْمَعْنَى رَبِّيَ الَّذِي يَفْعَلُ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ وَهَلْ يَسْتَوِي مَنْ يَتَّصِفُ بِالْعِلْمِ وَمَنْ يَنْتَفِي عَنْهُ الْعِلْمُ وَأَوْقِعُوا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَذَرُوا الْإِسْرَافَ "وَإِذَا حَصَلَتْ مِنْكَ رُؤْيَةٌ"
وَمِنْهُ: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} الآية ألا ترى أنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَحِمَهُمَا إِذْ كَانَتَا عَلَى صِفَةِ الذِّيَادِ وَقَوْمُهُمَا عَلَى السَّقْيِ لَا لِكَوْنِ مَذُودِهِمَا غَنَمًا وَسَقْيِهِمْ إِبِلًا وَكَذَلِكَ الْمَقْصُودُ مِنْ "لَا نَسْقِي" السَّقْيُ لَا الْمَسْقِيُّ وَمَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ قَدَّرَ "يَسْقُونَ إِبِلَهُمْ" وَ "تَذُودَانِ غَنَمَهُمَا" وَ "لَا نَسْقِي غَنَمًا" وَتَارَةً يُقْصَدُ إِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى فَاعِلِهِ وَتَعْلِيقُهُ بِمَفْعُولِهِ فَيُذْكَرَانِ نَحْوُ: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبا} {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} وَهَذَا النَّوْعُ الَّذِي إِذَا لَمْ يُذْكَرْ مَحْذُوفُهُ قِيلَ مَحْذُوفٌ.
وَقَدْ يكون في اللَّفْظُ مَا يَسْتَدْعِيهِ فَيَحْصُلُ الْجَزْمُ بِوُجُوبِ تَقْدِيرِهِ نَحْوُ: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} {وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}
وَقَدْ يَشْتَبِهُ الْحَالُ فِي الْحَذْفِ وَعَدَمِهِ نَحْوُ: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَعْنَاهُ "نَادُوا" فَلَا حَذْفَ أَوْ "سَمُّوا" فَالْحَذْفُ وَاقِعٌ