النَّفْيِ وَلِهَذَا يُنْفَى بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فيُقَالُ لَمْ يَفْعَلْ زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو وَأَمَّا"لَمَّا"فَتَرْكِيبٌ بَعْدَ تَرْكِيبٍ كَأَنَّهُ قَالَ لَمْ وما لِتَوْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ فِي الْمَاضِي وَتُفِيدُ الِاسْتِقْبَالَ أَيْضًا وَلِهَذَا تُفِيدُ"لَمَّا"الِاسْتَمْرَارَ.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ النَّفْيِ عَنِ الشيء صحة اتصاف الْمَنْفِيِّ عَنْهُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} وَنَظَائِرُهُ وَالصَّوَابُ أَنَّ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ مِنْهُ عَقْلًا وَقَدْ يَكُونُ لِكَوْنِهِ لَا يَقَعُ مِنْهُ مَعَ إِمْكَانِهِ.
الثَّانِي: نَفْيُ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ قَدْ يَكُونُ نَفْيًا لِلصِّفَةِ دُونَ الذَّاتِ وَقَدْ يَكُونُ نَفْيًا لِلذَّاتِ أَيْضًا مِنَ الْأَوَّلِ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} أَيْ بَلْ هُمْ جَسَدٌ يَأْكُلُونَهُ وَمِنَ الثَّانِي {لَا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} أَيْ لَا سُؤَالَ لَهُمْ أَصْلًا فَلَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ إِلْحَافٌ، {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} أَيْ لَا شَفِيعَ لَهُمْ أَصْلًا {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أَيْ لَا شَافِعِينَ لَهُمْ فَتَنْفَعُهُمْ شَفَاعَتُهُمْ بِدَلِيلِ {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ عِنْدَ أَهْلِ الْبَدِيعِ نَفْيَ الشَّيْءِ بِإِيجَابِهِ وَعِبَارَةُ ابْنِ رَشِيقٍ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ ظَاهِرُهُ إِيجَابُ الشَّيْءِ وَبَاطِنُهُ نَفْيُهُ بِأَنْ يَنْفِيَ مَا هُوَ
مِنْ سَبَبِهِ كَوَصْفِهِ وَهُوَ الْمَنْفِيُّ فِي الْبَاطِنِ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ أَنْ يُنْفَى الشَّيْءُ مُقَيَّدًا وَالْمُرَادُ نَفْيُهُ مُطْلَقًا مُبَالَغَةً فِي النَّفْيِ وَتَأْكِيدًا لَهُ وَمِنْهُ: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} فَإِنَّ "الْإِلَهَ مَعَ اللَّهِ"لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} فَإِنَّ قَتْلَهُمْ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَيْرِ حَقٍّ {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} فَإِنَّهَا لَا عَمَدَ لَهَا أَصْلًا
الثَّالِثُ: قَدْ يُنْفَى الشَّيْءُ رَأْسًا لِعَدَمِ كَمَالِ وَصْفِهِ أَوِ انْتِفَاءِ ثَمَرَتِهِ كَقَوْلِهِ فِي صِفَةِ أَهْلِ النَّارِ: {ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى} فَنَفَى عَنْهُ الْمَوْتَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْتٍ صَرِيحٍ وَنَفَى عَنْهُ الْحَيَاةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَيَاةٍ طَيِّبَةٍ وَلَا نَافِعَةٍ {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ احْتَجُّوا بِهَا عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّ النَّظَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِبْصَارَ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِإِقْبَالِهَا عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ تُبْصِرُ شَيْئًا {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فَإِنَّهُ وَصَفَهُمْ أَوَّلًا بِالْعِلْمِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ الْقَسَمِي ثُمَّ نَفَاهُ آخِرًا عَنْهُمْ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مُوجَبِ الْعِلْمِ قَالَهُ السَّكَّاكِيُّ.
الرَّابِعُ: قَالُوا: الْمَجَازُ يَصِحُّ نَفْيُهُ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ وَأُشْكِلَ عَلَى ذَلِكَ {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فإن المنفي فيه هو الْحَقِيقَةُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّمْيِ هُنَا الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ وَهُوَ وُصُولُهُ إِلَى الْكَفَّارِ فَالْوَارِدُ عَلَيْهِ
النَّفْيُ هُنَا مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ وَالتَّقْدِيرُ وَمَا رَمَيْتَ خَلْقًا إِذْ رَمَيْتَ كَسْبًا أَوْ مَا رَمَيْتَ انْتِهَاءً إِذْ رَمَيْتَ ابْتِدَاءً
الْخَامِسُ: نَفْيُ الِاسْتِطَاعَةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْقُدْرَةِ وَالْإِمْكَانِ وَقَدْ يُرَادُ نَفْيُ الِامْتِنَاعِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْوُقُوعُ بِمَشَقَّةٍ وَكُلْفَةٍ
مِنَ الْأَوَّلِ: {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} {فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا} {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً}
وَمِنَ الثَّانِي: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ أَيْ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ هَلْ تُجِيبُنَا إِلَى أَنْ تَسْأَلَ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِنْزَالِ وَأَنَّ عِيسَى قَادِرٌ عَلَى السُّؤَالِ
وَمِنَ الثَّالِثِ {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}
قَاعِدَةٌ
نَفْيُ الْعَامِّ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْخَاصِّ وَثُبُوتُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ وَثُبُوتُ الْخَاصِّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْعَامِّ وَنَفْيُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ زِيَادَةَ الْمَفْهُومِ مِنَ اللَّفْظِ تُوجِبُ الِالْتِذَاذَ بِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ نَفْيُ الْعَامِّ أَحْسَنَ مِنْ نَفْيِ الْخَاصِّ وَإِثْبَاتُ الْخَاصِّ أَحْسَنَ مِنْ إِثْبَاتِ الْعَامِّ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} لَمْ يَقُلْ: بِضَوْئِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: {أَضَاءَتْ} لِأَنَّ النُّورَ أَعَمُّ مِنَ الضَّوْءِ إِذْ يُقَالُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَإِنَّمَا يُقَالُ الضَّوْءُ عَلَى النُّورِ الْكَثِيرِ وَلِذَلِكَ قَالَ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً}
فَفِي الضَّوْءِ دَلَالَةٌ عَلَى النُّورِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْهُ فَعَدَمُهُ يُوجِبُ عَدَمَ الضَّوْءِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَالْقَصْدُ إِزَالَةُ النُّورِ عَنْهُمْ أَصْلًا وَلِذَا قَالَ عَقِبَهُ: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ}
وَمِنْهُ: {لَيْسَ بِي ضَلالةٌ} وَلَمْ يَقُلْ"ضَلَالٌ"كَمَا قَالُوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ} لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْهُ فَكَانَ أَبْلَغَ فِي نَفْيِ الضَّلَالِ وَعُبِّرَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ نَفْيَ الْوَاحِدِ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْجِنْسِ الْبَتَّةَ وَبِأَنَّ نَفْيَ الْأَدْنَى يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْأَعْلَى
وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} وَلَمْ يَقُلْ: "طُولُهَا"لِأَنَّ الْعَرْضَ أَخَصُّ إِذْ كَلُّ مَا لَهُ عَرْضٌ فَلَهُ طُولٌ وَلَا يَنْعَكِسُ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ نَفْيَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْفِعْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أَصْلِ الْفِعْلِ وَقَدْ أُشْكِلَ عَلَى هَذَا آيَتَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وَقَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}
وَأُجِيبُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ"ظَلَامًا"وَإِنْ كَانَ لِلْكَثْرَةِ لَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ"الْعَبِيدِ"الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَثْرَةٍ وَيُرَشِّحُهُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} فَقَابَلَ صِيغَةَ"فَعَّالٍ"بِالْجَمْعِ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ} فَقَابَلَ صِيغَةَ فَاعِلٍ الدَّالَّةَ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِالْوَاحِدِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ نَفَى الظُّلْمَ الْكَثِيرَ لِيَنْتَفِيَ الْقَلِيلُ ضَرُورَةً لِأَنَّ الَّذِي يَظْلِمُ،
إِنَّمَا يَظْلِمُ لِانْتِفَاعِهِ بِالظُّلْمِ فَإِذَا تَرَكَ الْكَثِيرَ مَعَ زِيَادَةِ نَفْعِهِ فَلِأَنْ يَتْرُكَ الْقَلِيلَ أَوْلَى.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَى النِّسْبَةِ أَيْ بِذِي ظُلْمٍ حَكَاهُ ابْنُ مَالِكٍ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى"فَاعِلٍ"لَا كَثْرَةَ فِيهِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ أَقَلَّ الْقَلِيلِ لَوْ وَرَدَ مِنْهُ تَعَالَى لَكَانَ كَثِيرًا كَمَا يُقَالُ زَلَّةُ الْعَالِمِ كَبِيرَةٌ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ أَرَادَ لَيْسَ بِظَالِمٍ لَيْسَ بِظَالِمٍ تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ فَعَبَّرَ عَنْ ذلك ب"ليس بِظَلَّامٍ"
السَّابِعُ: أَنَّهُ وَرَدَ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ"ظَلَّامٌ"وَالتَّكْرَارُ إِذَا وَرَدَ جَوَابًا لِكَلَامٍ خَاصٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ.
الثَّامِنُ: أَنَّ صِيغَةَ المبالغة وغيرها في صِفَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ فِي الْإِثْبَاتِ فَجَرَى النَّفْيُ عَلَى ذَلِكَ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ قَصَدَ التَّعْرِيضَ بِأَنَّ ثُمَّ ظَلَّامًا لِلْعَبِيدِ مِنْ وُلَاةِ الْجَوْرِ وَيُجَابُ عَنِ الثَّانِيَةِ بِهَذِهِ الْأَجْوِبَةِ وَبِعَاشِرٍ: وَهُوَ مُنَاسِبَةُ رُءُوسِ الْآيِ.
فَائِدَةٌ
قَالَ صَاحِبُ الْيَاقُوتَةِ قَالَ ثَعْلَبٌ وَالْمُبَرِّدُ الْعَرَبُ إِذَا جَاءَتْ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِجَحْدَيْنِ كَانَ الْكَلَامُ إِخْبَارًا نَحْوُ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} وَالْمَعْنَى إِنَّمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَإِذَا كَانَ الْجَحْدُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامٍ
كَانَ جَحْدًا حَقِيقِيًّا نَحْوُ: "مَا زَيْدٌ بِخَارِجٍ"وَإِذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ جَحْدَانِ كَانَ أَحَدُهُمَا زَائِدًا وَعَلَيْهِ {فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ.
فَصْلٌ
مِنْ أَقْسَامِ الْإِنْشَاءِ الِاسْتِفْهَامُ وَهُوَ طَلَبُ الْفَهْمِ وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِخْبَارِ
وَقِيلَ الِاسْتِخْبَارُ مَا سَبَقَ أَوَّلًا وَلَمْ يُفْهَمْ حَقَّ الْفَهْمِ فَإِذَا سَأَلْتَ عَنْهُ ثَانِيًا كَانَ اسْتِفْهَامًا حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ
وَأَدَوَاتُهُ: الْهَمْزَةُ وَهَلْ وَمَا وَمَنْ وَأَيُّ وَكَمْ وَكَيْفَ وَأَيْنَ وَأَنَّى وَمَتَى وَأَيَّانَ وَمَرَّتْ فِي الْأَدَوَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمِصْبَاحِ: وَمَا عَدَا الْهَمْزَةَ نَائِبٌ عَنْهَا وَلِكَوْنِهِ طَلَبَ ارْتِسَامِ صُورَةِ مَا فِي الْخَارِجِ فِي الذِّهْنِ لَزِمَ ألا يَكُونَ حَقِيقَةً إِلَّا إِذَا صَدَرَ مِنْ شَاكٍّ مُصَدِّقٍ بِإِمْكَانِ الْإِعْلَامِ فَإِنَّ غَيْرَ الشَّاكِّ إِذَا اسْتَفْهَمَ يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَإِذَا لَمْ يُصَدِّقْ بِإِمْكَانِ الْإِعْلَامِ انْتَفَتْ عَنْهُ فَائِدَةُ الِاسْتِفْهَامِ
وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي خِطَابِ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيُ حَاصِلٌ
وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ صِيغَةُ الِاسْتِفْهَامِ فِي غَيْرِهِ مَجَازًا وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ شمس الدين ابن الصَّائِغِ كِتَابًا سَمَّاهُ"رَوْضُ الْأَفْهَامِ فِي أَقْسَامِ الِاسْتِفْهَامِ"
قَالَ فِيهِ: قَدْ تَوَسَّعَتِ الْعَرَبُ فَأَخْرَجَتِ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ لَمَعَانٍ أَوْ أَشْرَبَتْهُ تِلْكَ الْمَعَانِي وَلَا يُخْتَصُّ التَّجَوُّزُ فِي ذَلِكَ بِالْهَمْزَةِ خِلَافًا لِلصَّفَارِ
الْأَوَّلُ: الْإِنْكَارُ وَالْمَعْنَى فِيهِ عَلَى النَّفْيِ وَمَا بَعْدَهُ مَنْفِيٌّ وَلِذَلِكَ تَصْحَبُهُ"إِلَّا"كَقَوْلِهِ: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} {وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ} وعطف عليه الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} أَيْ لَا يَهْدِي وَمِنْهُ: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} أَيْ لَا نُؤْمِنُ {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى} أَيْ لَا يَكُونُ هَذَا {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} أَيْ مَا شَهِدُوا ذَلِكَ
وَكَثِيرًا مَا يَصْحَبُهُ التَّكْذِيبُ وَهُوَ فِي الْمَاضِي بِمَعْنَى"لَمْ يَكُنْ"وَفِي المستقبل بمعنى"لايكون"نحو: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ} الآية أَيْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أَيْ لَا يَكُونُ هَذَا الْإِلْزَامِ الثَّانِي: التَّوْبِيخُ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْإِنْكَارِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ إِنْكَارُ إِبْطَالٍ وَهَذَا إِنْكَارُ تَوْبِيخٍ وَالْمَعْنَى عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ وَاقِعٌ جَدِيرٌ بِأَنْ يُنْفَى فَالنَّفْيُ هُنَا غَيْرُ قَصْدِيٍّ وَالْإِثْبَاتُ قَصْدِيٌّ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ وَيُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ
بالتقريع أيضا نحو: {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ}
وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ التَّوْبِيخُ فِي أَمْرٍ ثَابِتٍ وَوُبِّخَ عَلَى فِعْلِهِ كَمَا ذُكِرَ وَيَقَعُ عَلَى تَرْكِ فِعْلٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ كَقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} {مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}
الثالث: وَهُوَ حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ بِأَمْرٍ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ قَالَ ابْنُ جِنِّي وَلَا يُسْتَعْمَلُ ذلك بهل كَمَا يُسْتَعْمَلُ بِغَيْرِهَا مِنْ أَدَوَاتِ الِاسْتِفْهَامِ وَقَالَ الْكِنْدِيُّ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ} إِلَى أَنَّ"هَلْ" تُشَارِكُ الْهَمْزَةَ فِي مَعْنَى التقرير والتوبيخ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَبَا عَلِيٍّ أَبَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْذُورٌ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْإِنْكَارِ
وَنَقَلَ أَبُو حَيَّانَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّ اسْتِفْهَامَ التقرير لا يكون بهل إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْهَمْزَةُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَلْ تَأْتِي تَقْرِيرًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}
وَالْكَلَامُ مَعَ التَّقْرِيرِ مُوجِبٌ وَلِذَلِكَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْمُوجِبِ وَيُعْطَفُ عَلَى صَرِيحِ الْمُوجِبِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ} {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ} وَالثَّانِي نَحْوُ: {أَكَذَّبْتُمْ