وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهَا حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مَأْخُوذٌ مِنِ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَالِاكْتِفَاءُ بِبَعْضِ الْكَلِمَةِ مَعْهُودٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ قَالَ: الشَّاعِرُ:
قُلْتُ لَهَا قفي فقال: ت قَافْ
أَيْ وَقَفْتُ وَقَالَ:
بِالْخَيْرِ خَيِّرَاتٌ وَإِنْ شَرًّا فَا
وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَّا أَنْ تَا
أراد وإن شرا فشر إلا أَنْ تَشَاءَ.
وَقَالَ:
نَادَاهُمُ أَلَا الْجِمُوا أَلَا تا
قال: وا جميعا كلهم ألافا
أَرَادَ أَلَا تَرْكَبُونَ أَلَا فَارْكَبُوا.
وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ وَقَالَ: الْعَرَبُ تَنْطِقُ بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ تَدُلُّ بِهِ عَلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا.
وَقِيلَ إِنَّهَا الِاسْمُ الْأَعْظَمُ إِلَّا أَنَّا لَا نَعْرِفُ تَأْلِيفَهُ مِنْهَا كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {الم} اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الله الْأَعْظَمِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {الم} وَ: {طسم} وَ: {ص} وَأَشْبَاهُهَا قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ
اللَّهِ وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا ثَالِثًا أَيْ أَنَّهَا بِرُمَّتِهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَمِنَ الثَّانِي. وَعَلَى الْأَوَّلِ مَشَى ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ نافع بن أَبِي نُعَيْمٍ الْقَارِئِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: يَا: {كهيعص} اغْفِرْ لِي. وَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: فِي قَوْلِهِ: {كهيعص} قَالَ: يَا من يجير ولا يجارعليه
وَأَخْرَجَ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ أَيَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَسَمَّى بِ: {يس} فَقَالَ: مَا أَرَاهُ يَنْبَغِي لِقَوْلِ اللَّهِ:: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} يَقُولُ هَذَا اسْمٌ تَسَمَّيْتُ بِهِ. وَقِيلَ هِيَ أَسْمَاءٌ لِلْقُرْآنِ كَالْفُرْقَانِ وَالذِّكْرِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظِ كُلُّ هِجَاءٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ وَقِيلَ هِيَ أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ إِلَى الْأَكْثَرِ وَقِيلَ: هِيَ فَوَاتِحُ لِلسُّوَرِ كَمَا يَقُولُونَ فِي أَوَّلِ الْقَصَائِدِ بَلْ وَلَا بَلْ.
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:: {الم} وَ: {حم} وَ: {المص} وَ: {ص} ، وَنَحْوُهَا فَوَاتِحُ افْتَتَحَ اللَّهُ بِهَا الْقُرْآنَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: {الم} وَ: {المر} فَوَاتِحُ افْتَتَحَ اللَّهُ بِهَا الْقُرْآنَ
قُلْتُ أَلَمْ يكن يقول هِيَ أَسْمَاءٌ قَالَ: لَا
وَقِيلَ هَذَا حِسَابُ: أَبِي جَادٍ لِتَدُلَّ عَلَى مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِيَابٍ قَالَ: مَرَّ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ فِي رِجَالٍ مِنْ يَهُودَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتْلُو فَاتِحَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} فَأَتَى أخاه حيي ابن أَخْطَبَ فِي رِجَالٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} قَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ قَالَ نَعَمْ: فَمَشَى حُيَيُّ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: وا أَلَمْ تَذْكُرْ أَنَّكَ تَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} فقال: بلى فقال: وا لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَكَ أَنْبِيَاءَ مَا نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وَمَا أَجَلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكَ الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً أَفَنَدْخُلُ فِي دِينِ نَبِيٍّ إِنَّمَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وَأَجَلُ أُمَّتِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ قَالَ: نَعَمْ: {المص} قَالَ: هَذِهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ وَالصَّادُ ستون فَهَذِهِ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ قَالَ: نَعَمْ: {الر} قَالَ: هَذِهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ وَالرَّاءُ مِائَتَانِ هَذِهِ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَمِائَتَا سَنَةٍ هَلْ مع هذه غَيْرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ: {المر} قَالَ: هَذِهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ هَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِائَتَانِ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ لُبِّسَ عَلَيْنَا أَمْرُكَ حَتَّى مَا نَدْرِي أَقَلِيلًا أُعْطِيتَ أَمْ كَثِيرًا ثُمَّ قَالَ: قُومُوا عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: أَبُو يَاسِرٍ لِأَخِيهِ وَمَنْ مَعَهُ: مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذَا كُلُّهُ لِمُحَمَّدٍ إِحْدَى وسبعون وإحدى وثلاثون وَمِائَةٌ وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَمِائَتَانِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِائَتَانِ فَذَلِكَ سَبْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعٌ وثلاثون سنين فَقَالُوا: لَقَدْ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ
آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَابْنُ المنذر ومن وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ مُعْضَلًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: {الم} قَالَ: هَذِهِ الْأَحْرُفُ الثَّلَاثَةُ مِنَ الْأَحْرُفِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ دَارَتْ بِهَا الْأَلْسُنُ لَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَلَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ مِنْ آلَائِهِ وَبَلَائِهِ وَلَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ فِي مُدَّةِ أَقْوَامٍ وَآجَالِهِمْ فَالْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ لَطِيفٍ وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ مَجِيدٍ فَالْأَلِفُ آلَاءُ اللَّهِ وَاللَّامُ لُطْفُ اللَّهِ وَالْمِيمُ مَجْدُ اللَّهِ فَالْأَلِفُ سَنَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ. قَالَ: الْخُوَيِّيُّ وَقَدِ اسْتَخْرَجَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} أَنَّ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ تَفْتَحُهُ الْمُسْلِمُونَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَوَقَعَ كَمَا قَالَهُ:
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَعَلَّ عَدَدَ الْحُرُوفِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مَعَ حَذْفِ الْمُكَرَّرِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُدَّةِ بَقَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الزَّجْرُ عَنْ عَدِّ أَبِي جَادٍ وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّحْرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ،. وَقَدْ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ: وَمِنَ الْبَاطِلِ عِلْمُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ
وَقَدْ تَحَصَّلَ لِي فِيهَا عِشْرُونَ قَوْلًا وَأَزْيَدُ وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِعِلْمٍ وَلَا يَصِلُ مِنْهَا إِلَى فَهْمٍ
وَالَّذِي أَقُولُهُ: إِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ لَهَا مَدْلُولًا مُتَدَاوَلًا بَيْنَهُمْ
لَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بل تلى عَلَيْهِمْ: {حم} فُصِّلَتْ وَ: {ص} وَغَيْرَهُمَا فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ بَلْ صَرَّحُوا بِالتَّسْلِيمِ لَهُ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ مَعَ تَشَوُّفِهِمْ إِلَى عَثْرَةٍ وغيرها وَحِرْصِهِمْ عَلَى زَلَّةٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ لَا إِنْكَارَ فِيهِ انْتَهَى.
وَقِيلَ وَهِيَ تَنْبِيهَاتٌ كَمَا فِي النِّدَاءِ عَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مُغَايِرًا لِلْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَوَاتِحُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِمَعْنَاهُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: {الم} افْتِتَاحُ كَلَامٍ. وَقَالَ: الْخُوَيِّيُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا تَنْبِيهَاتٌ جَيِّدٌ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ عَزِيزٌ وَفَوَائِدُهُ عَزِيزَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرِدَ عَلَى سَمْعٍ مُتَنَبِّهٍ فَكَانَ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَوْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَالَمِ الْبَشَرِ مَشْغُولًا فَأَمَرَ جِبْرِيلَ بِأَنْ يَقُولَ عِنْدَ نُزُولِهِ: {الم} وَ: {الر} وَ: {حم} ليسمع النبي صَوْتَ جِبْرِيلَ فَيُقْبِلَ عَلَيْهِ وَيُصْغِيَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ تُسْتَعْمَلِ الْكَلِمَاتُ الْمَشْهُورَةُ فِي التَّنْبِيهِ كألا وأما لِأَنَّهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ فِي كَلَامِهِمْ وَالْقُرْآنُ كَلَامٌ لَا يُشْبِهُ الْكَلَامَ فَنَاسَبَ أَنْ يُؤْتَى فِيهِ بِأَلْفَاظِ تَنْبِيهٍ لَمْ تُعْهَدْ لِتَكُونَ أَبْلَغَ فِي قَرْعِ سَمْعِهِ انْتَهَى.
وَقِيلَ إِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ لَغَوْا فِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا النَّظْمَ الْبَدِيعَ لِيَعْجَبُوا مِنْهُ وَيَكُونَ تَعَجُّبُهُمْ مِنْهُ سَبَبًا لِاسْتِمَاعِهِمْ وَاسْتِمَاعُهُمْ لَهُ سَبَبًا لِاسْتِمَاعِ مَا بَعْدَهُ فَتَرِقُّ الْقُلُوبُ وَتَلِينُ الْأَفْئِدَةُ وَعَدَّ هَذَا جَمَاعَةٌ قَوْلًا مُسْتَقِلًّا وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ هَذَا مُنَاسَبَةً لِبَعْضِ الْأَقْوَالِ لَا قَوْلًا فِي مَعْنَاهُ إِذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَعْنًى وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ ذُكِرَتْ لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي هِيَ أب ت ث فَجَاءَ بَعْضُهَا مُقَطَّعًا وَجَاءَ تَمَامُهَا مُؤَلَّفًا لِيَدُلَّ
الْقَوْمَ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ أَنَّهُ بِالْحُرُوفِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ تَعْرِيفًا لَهُمْ وَدَلَالَةً عَلَى عَجْزِهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ بَعْدَ أَنْ عَلِمُوا أَنَّهُ مُنَزَّلٌ بِالْحُرُوفِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا وَيَبْنُونَ كَلَامَهُمْ مِنْهَا
وَقِيلَ الْمَقْصُودُ بِهَا الْإِعْلَامُ بِالْحُرُوفِ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنْهَا الْكَلَامُ فَذَكَرَ مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَهِيَ نِصْفُ جَمِيعِ الْحُرُوفِ وَذَكَرَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ نِصْفَهُ فَمِنْ حَرْفِ الْحَلْقِ الْحَاءُ وَالْعَيْنُ وَالْهَاءُ وَمِنَ الَّتِي فَوْقَهَا الْقَافُ وَالْكَافُ وَمِنَ الْحَرْفَيْنِ الشَّفَهِيَّيْنِ الْمِيمُ وَمِنَ الْمَهْمُوسَةِ السِّينُ وَالْحَاءُ وَالْكَافُ وَالصَّادُ وَالْهَاءُ
وَمِنَ الشَّدِيدَةِ الْهَمْزَةُ وَالطَّاءُ وَالْقَافُ وَالْكَافُ وَمِنَ الْمُطْبِقَةِ الطَّاءُ وَالصَّادُ وَمِنَ الْمَجْهُورَةِ الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَاللَّامُ وَالْعَيْنُ وَالرَّاءُ وَالطَّاءُ وَالْقَافُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ وَمِنَ الْمُنْفَتِحَةِ الْهَمْزَةُ وَالْمِيمُ وَالرَّاءُ وَالْكَافُ وَالْهَاءُ وَالْعَيْنُ وَالسِّينُ وَالْحَاءُ وَالْقَافُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ وَمِنَ الْمُسْتَعْلِيَةِ الْقَافُ وَالصَّادُ وَالطَّاءُ وَمِنَ الْمُنْخَفِضَةِ الْهَمْزَةُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ وَالرَّاءُ وَالْكَافُ وَالْهَاءُ وَالْيَاءُ وَالْعَيْنُ وَالسِّينُ وَالْحَاءُ وَالنُّونُ وَمِنَ الْقَلْقَلَةِ الْقَافُ وَالطَّاءُ
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ حُرُوفًا مُفْرَدَةً وَحَرْفَيْنِ حَرْفَيْنِ وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً وَخَمْسَةً لِأَنَّ تَرَاكِيبَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ وَلَا زِيَادَةَ عَلَى الْخَمْسَةِ.
وَقِيلَ هِيَ أَمَارَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ سَيُنْزِلُ عَلَى مُحَمَّدٍ كِتَابًا فِي أَوَّلِ سُوَرٍ مِنْهُ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ. هَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَفِي بَعْضِهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ فَقِيلَ إِنَّ طه ويس بِمَعْنَى يَا رَجُلُ أَوْ يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا إِنْسَانُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُعْرَبِ
وَقِيلَ هُمَا اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي غَرَائِبِهِ: وَيُقَوِّيهِ في يس قراءة يسن بِفَتْحِ النُّونِ وَقَوْلُهُ: {إِلْ يَاسِينَ} وَقِيلَ طه أَيْ طَأِ الْأَرْضَ أَوِ اطْمَئِنَّ فَيَكُونُ فِعْلَ أَمْرٍ وَالْهَاءُ مَفْعُولٌ أَوْ لِلسَّكْتِ أَوْ مُبْدَلَةً مِنَ الْهَمْزَةِ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {طه} هُوَ كَقَوْلِكَ افعل وَقِيلَ: {طه} أَيْ يَا بَدْرُ لِأَنَّ الطَّاءَ بِتِسْعَةٍ وَالْهَاءَ بِخَمْسَةٍ فذلك أربعة عشر إِشَارَةً إِلَى الْبَدْرِ لِأَنَّهُ يَتِمُّ فِيهَا ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ فِي غَرَائِبِهِ
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: {يس} : أَيْ يَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ وَفِي قَوْلِهِ: {ص} مَعْنَاهُ صَدَقَ اللَّهُ. وَقِيلَ أَقْسَمَ بِالصَّمَدِ الصَّانِعِ الصَّادِقِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ صَادِ يَا مُحَمَّدُ عَمَلَكَ بِالْقُرْآنِ أَيْ عَارِضْهُ بِهِ فَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْمُصَادَاةِ
وَأَخْرَجَ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: صَادِ حَادِثِ الْقُرْآنَ يَعْنِي انْظُرْ فِيهِ
وَأَخْرَجَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقْرَؤُهَا: {صَادِ وَالْقُرْآنِ} يَقُولُ عَارِضِ الْقُرْآنَ وَقِيلَ:: {ص} اسْمُ بَحْرٍ عَلَيْهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ: اسْمُ بَحْرٍ يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى وَقِيلَ: مَعْنَاهُ صَادِ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الْعِبَادِ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ كُلَّهَا
وَحَكَى فِي قَوْلِهِ: {المص} أَيْ مَعْنَاهُ: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} وَفِي: {حم} أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: {حم} مَا هُوَ كَائِنٌ وفي: {حمعسق} أَنَّهُ جَبَلُ قَافٍ وَقِيلَ: {ق} جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُجَاهِدٍ
وَقِيلَ أَقْسَمَ بِقُوَّةِ قَلْبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: هِيَ الْقَافُ مِنْ قَوْلِهِ: {قُضِيَ الأَمْرُ} دَلَّتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْكَلِمَةِ وَقِيلَ: مَعْنَاهَا قِفْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَالْعَمَلِ بِمَا أمرت حكاهما الْكِرْمَانِيُّ
وَقِيلَ: {ن} هُوَ الْحُوتُ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا (أَوَّلُ) مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ وَالْحُوتَ قَالَ: اكْتُبْ قَالَ: مَا أكتب قال: كل شيء كائن إلى يوم الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَرَأَ: {نْ وَالْقَلَمِ} فَالنُّونُ الْحُوتُ وَالْقَافُ الْقَلَمُ. وَقِيلَ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ
أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ قُرَّةَ مَرْفُوعًا
وَقِيلَ: هُوَ الدَّوَاةُ أَخْرَجَهُ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ
وَقِيلَ: هُوَ الْمِدَادُ حَكَاهُ ابن قرصة فِي غَرِيبِهِ
وَقِيلَ: هُوَ الْقَلَمُ حَكَاهُ الْكِرْمَانِيُّ عَنِ الْجَاحِظِ
وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي مُبْهَمَاتِهِ.
وَفِي الْمُحْتَسَبِ لِابْنِ جِنِّي: أَنَّ ابْنَ عباس قرأ: {حمسق} بِلَا عَيْنٍ وَيَقُولُ: السِّينُ كُلُّ فِرْقَةٍ تَكُونُ وَالْقَافُ كُلُّ جَمَاعَةٍ تَكُونُ
قَالَ: ابْنُ جِنِّي وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَوَاتِحَ فَوَاصِلٌ بَيْنَ السُّوَرِ وَلَوْ كَانَتْ أَسْمَاءَ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ تَحْرِيفُ شَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ حِينَئِذٍ أَعْلَامًا وَالْأَعْلَامُ تُؤَدَّى بِأَعْيَانِهَا وَلَا يُحَرَّفُ شَيْءٌ مِنْهَا
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي غَرَائِبِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ} الِاسْتِفْهَامُ هُنَا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الْحُرُوفِ عَمَّا بَعْدَهَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا.