وَقَوْلُهُ: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً} فَسَّرَهُ قَوْلُهُ فِي آيَةِ النَّحْلِ: {بِالأُنْثَى} وَقَوْلُهُ: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قَالَ الْعُلَمَاءُ: بَيَانُ هَذَا الْعَهْدِ قَوْلُهُ: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي} إِلَى آخِرِهِ فَهَذَا عَهْدُهُ وَعَهْدُهُمْ {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} إِلَى آخِرِهِ وَقَوْلُهُ: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} الْآيَةَ وَقَدْ يَقَعُ التَّبْيِينُ بِالسُّنَّةِ مِثْلَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَمَقَادِيرَ نُصُبِ الزَّكَوَاتِ فِي أَنْوَاعِهَا.
تَنْبِيهٌ
اخْتُلِفَ فِي آيَاتٍ هَلْ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ أَوْ لَا مِنْهَا آيَةُ السَّرِقَةِ قِيلَ إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ فِي الْيَدِ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ إِلَى الْكُوعِ وَإِلَى الْمِرْفَقِ وَإِلَى الْمَنْكِبِ وَفِي الْقَطْعِ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِبَانَةِ وَعَلَى الْجُرْحِ
وَلَا ظُهُورَ لِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِبَانَةُ الشَّارِعِ مِنَ الْكُوعِ تُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ وَقِيلَ لَا إِجْمَالَ فِيهَا لِأَنَّ الْقَطْعَ ظَاهِرٌ فِي الإبانة ومنها {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} قِيلَ إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ وَمَسْحُ الشَّارِعِ النَّاصِيَةَ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ
وَقِيلَ لَا وَإِنَّمَا هِيَ لِمُطْلَقِ الْمَسْحِ الصَّادِقِ بِأَقَلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَيُفِيدُهُ وَمِنْهَا: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} قِيلَ: مُجْمَلَةٌ لِأَنَّ إِسْنَادَ التَّحْرِيمِ إِلَى الْعَيْنِ لا يصح لأن إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأُمُورٍ لَا حَاجَةَ إِلَى جَمِيعِهَا وَلَا مُرَجِّحَ لِبَعْضِهَا وَقِيلَ لَا لِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ وَهُوَ الْعُرْفُ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِأَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِوَطْءٍ أَوْ نَحْوِهِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا عُلِّقَ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ بِالْأَعْيَانِ وَمِنْهَا {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} قِيلَ: إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ لِأَنَّ الرِّبَا الزِّيَادَةُ وَمَا مِنْ بَيْعٍ إِلَّا وَفِيهِ زِيَادَةٌ فَافْتَقَرَ إِلَى بَيَانِ مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ
وَقِيلَ لَا لِأَنَّ الْبَيْعَ مَنْقُولٌ شَرْعًا فَحُمِلَ عَلَى عُمُومِهِ مالم يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَامَّةٌ فَإِنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ عُمُومٍ يَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعٍ وَيَقْتَضِي إِبَاحَةَ جَمِيعِهَا إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بُيُوعٍ كَانُوا يَعْتَادُونَهَا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْجَائِزَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْ إِبَاحَةَ جَمِيعِ الْبُيُوعِ إِلَّا مَا خُصَّ مِنْهَا فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَخْصُوصَ قَالَ: فَعَلَى هَذَا فِي الْعُمُومِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ وَإِنْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَيَانَ فِي الثَّانِي مُتَقَدِّمٌ عَلَى اللَّفْظِ وَفِي الْأَوَّلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ. قَالَ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ فِي الْمَسَائِلِ المختلف فيها ما لم يقم دَلِيلُ تَخْصِيصٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ لَا يُعْقَلُ مِنْهَا صِحَّةُ بَيْعٍ مِنْ فَسَادِهِ إِلَّا بِبَيَانِ النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم هَلْ هِيَ مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا أَمْ بِعَارِضِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْبُيُوعِ وَجْهَانِ: وَهَلِ الْإِجْمَالُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ دُونَ لَفْظِهَا لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ اسْمٌ لُغَوِيٌّ مَعْنَاهُ مَعْقُولٌ لَكِنْ لَمَّا قَامَ بِإِزَائِهِ مِنَ السُّنَّةِ مَا يُعَارِضُهُ تَدَافَعُ الْعُمُومَانِ وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْمُرَادُ إِلَّا بِبَيَانِ السُّنَّةِ فَصَارَ مَحَلًّا لِذَلِكَ دُونَ اللَّفْظِ أَوْ فِي اللَّفْظِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَكَانَتْ لَهُ شَرَائِطُ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ فِي اللُّغَةِ كَانَ مُشْكِلًا أَيْضًا وَجْهَانِ.
قَالَ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَجُوزُ الاستدال بِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ وَلَا فَسَادِهِ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنْ أَصْلِهِ قَالَ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ حَيْثُ جَازَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ وَلَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْمُجْمَلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا عَامَّةٌ مُجْمَلَةٌ مَعًا قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ ذَلِكَ عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُمُومَ فِي اللَّفْظِ وَالْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَالْمَعْنَى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعُمُومَ فِي: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} وَالْإِجْمَالَ فِي {وَحَرَّمَ الرِّبا}
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ مُجْمَلًا فَلَمَّا بَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَ عَامًّا فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ وَفِي الْعُمُومِ بَعْدَ الْبَيَانِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهَا فِي الْبُيُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَنَاوَلَتْ بَيْعًا مَعْهُودًا وَنَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ أَحَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُيُوعًا وَحَرَّمَ بُيُوعًا فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهَا انْتَهَى
وَمِنْهَا الْآيَاتُ الَّتِي فِيهَا الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ نَحْوَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}
قِيلَ إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ لِاحْتِمَالِ الصَّلَاةِ لِكُلِّ دُعَاءٍ وَالصَّوْمِ لِكُلِّ إِمْسَاكٍ وَالْحَجِّ لِكُلِّ قَصْدٍ وَالْمُرَادُ بِهَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ فَافْتَقَرَ إِلَى الْبَيَانِ. وَقِيلَ لَا بَلْ يُحْمَلُ عَلَى كُلِّ مَا ذُكِرَ إِلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.
تَنْبِيهٌ
قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: مِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ الْمُجْمَلَ وَالْمُحْتَمَلَ بِإِزَاءِ شَيْءٍ وَاحِدٍ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُجْمَلَ اللَّفْظُ الْمُبْهَمُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ وَالْمُحْتَمَلَ اللَّفْظُ الْوَاقِعُ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مَفْهُومَيْنِ فَصَاعِدًا سَوَاءً كَانَ حَقِيقَةً فِي كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُحْتَمَلَ يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ مَعْرُوفَةٍ وَاللَّفْظُ مُشْتَرِكٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا وَالْمُبْهَمَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُفَوِّضْ لِأَحَدٍ بَيَانَ الْمُجْمَلِ بِخِلَافِ الْمُحْتَمَلِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ
أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَمَكِّيٌّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَآخَرُونَ قَالَ الْأَئِمَّةُ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ
وقد قال علي لقاض: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ قَالَ: لَا قَالَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ
وَفِي هَذَا النَّوْعِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: يَرِدُ النَّسْخُ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ}
وَبِمَعْنَى التَّبْدِيلِ وَمِنْهُ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ}
وَبِمَعْنَى التَّحْوِيلِ كَتَنَاسُخِ الْمَوَارِيثِ بِمَعْنَى تَحْوِيلِ الْمِيرَاثِ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ
وَبِمَعْنَى النَّقْلِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَمِنْهُ نَسَخْتُ الْكِتَابَ إِذَا نَقَلْتُ مَا فِيهِ حَاكِيًا لِلَفْظِهِ وَخَطِّهِ
قَالَ مَكِّيٌّ وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ وَأَنْكَرَ عَلَى النَّحَّاسِ إِجَازَتَهُ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِأَنَّ النَّاسِخَ فِيهِ لَا يَأْتِي بِلَفْظِ الْمَنْسُوخِ وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَأْتِي بِلَفْظٍ آخَرَ
وَقَالَ السَّعِيدِيُّ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ النَّحَّاسُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
وَقَالَ: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا نَزَلَ مِنَ الْوَحْيِ نُجُومًا جَمِيعُهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} الثَّانِيَةُ: النَّسْخُ مِمَّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ لِحِكَمٍ مِنْهَا التَّيْسِيرُ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ وَأَنْكَرَهُ الْيَهُودُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ بَدَاءٌ كَالَّذِي يَرَى الرَّأْيَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ كَالْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ وَعَكْسِهِ وَالْمَرَضِ بَعْدَ الصِّحَّةِ وَعَكْسِهِ وَالْفَقْرِ بَعْدَ الْغِنَى وَعَكْسِهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ بَدَاءً فكذا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَقِيلَ لَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِقُرْآنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} قَالُوا: وَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَخَيْرًا مِنْهُ إِلَّا قُرْآنٌ
وَقِيلَ: بَلْ يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّهَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} وَجُعِلَ مِنْهُ آيَةُ الْوَصِيَّةِ الْآتِيَةُ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ بِأَمْرِ اللَّهِ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ نَسَخَتْ وَإِنْ كَانَتْ بِاجْتِهَادٍ فَلَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَيْثُ وَقَعَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ فَمَعَهَا قُرْآنٌ عَاضِدٌ لَهَا وَحَيْثُ وَقَعَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَمَعَهُ سُنَّةٌ عَاضِدَةٌ لَهُ لِيَتَبَيَّنَ تَوَافُقُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقَدْ بُسِطَتْ فُرُوعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي الْأُصُولِ الثَّالِثَةُ: لَا يَقَعُ النَّسْخُ إِلَّا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَوْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ أَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي لَيْسَ بِمَعْنَى الطَّلَبِ فَلَا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ وَمِنْهُ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ عَرَفْتَ فَسَادَ صُنْعِ مَنْ أَدْخَلَ فِي كُتُبِ النَّسْخِ كَثِيرًا مِنْ آيَاتِ الْإِخْبَارِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ
الرَّابِعَةُ: النَّسْخُ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا: نَسْخُ الْمَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ وَهُوَ النَّسْخُ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَآيَةِ النَّجْوَى.
الثَّانِي: مَا نُسِخَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا كَآيَةِ شَرْعِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ أَوْ كَانَ أُمِرَ بِهِ أَمْرًا جُمْلِيًّا كَنَسْخِ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْكَعْبَةِ وَصَوْمِ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ وَإِنَّمَا يُسَمَّى هَذَا نَسْخًا تَجَوُّزًا. الثَّالِثُ: مَا أُمِرَ بِهِ لِسَبَبٍ ثُمَّ يَزُولُ السَّبَبُ كَالْأَمْرِ حِينَ الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّفْحِ ثُمَّ نُسِخَ بِإِيجَابِ الْقِتَالِ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ نَسْخًا بَلْ هُوَ مِنْ قِسْمِ الْمُنْسَإِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَوْ نُنْسِهَا} فَالْمُنْسَأُ هُوَ الْأَمْرُ
النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْحَصْرِ والاختصاص
...
الاستثناء المفرغ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَجَّهَ النَّفْيُ فِيهِ إِلَى مُقَدَّرٍ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْهُ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَخْرَجٍ مِنْهُ وَالْمُرَادُ التَّقْدِيرُ الْمَعْنَوِيُّ لَا الصِّنَاعِيُّ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عَامٍّ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا لِلْمُسْتَثْنَى فِي جِنْسِهِ مِثْلُ: مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ أَيْ أَحَدٌ وَمَا أَكَلْتُ إِلَّا تَمْرًا أَيْ مَأْكُولًا وَلَا بُدَّ أَنْ يُوَافِقَهُ فِي صِفَتِهِ أَيْ إِعْرَابِهِ وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْقَصْرُ إِذَا أُوجِبَ مِنْهُ شيء بإلاضرورة بِبَقَاءِ مَا عَدَاهُ عَلَى صِفَةِ الِانْتِفَاءِ
وَأَصْلُ اسْتِعْمَالِ هَذَا الطَّرِيقِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ فَيُنَزَّلَ الْمَعْلُومُ مَنْزِلَةَ الْمَجْهُولِ لِاعْتِبَارٍ مُنَاسِبٍ نَحْوُ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِلصَّحَابَةِ وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْهَلُونَ رِسَالَةَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم أنه نَزَّلَ اسْتِعْظَامَهُمْ لَهُ عَنِ الْمَوْتِ مَنْزِلَةَ مَنْ يَجْهَلُ رِسَالَتَهُ لِأَنَّ كل رسول فلا بُدَّ مِنْ مَوْتِهِ فَمَنِ اسَتَبْعَدَ مَوْتَهُ فَكَأَنَّهُ اسَتَبْعَدَ رِسَالَتَهُ
الثَّانِي إِنَّمَا الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَصْرِ فَقِيلَ بِالْمَنْطُوقِ وَقِيلَ بِالْمَفْهُومِ وَأَنْكَرَ قَوْمٌ أفادتها إياه مِنْهُمْ أَبُو حَيَّانَ وَاسْتَدَلَّ مُثْبِتُوهُ بِأُمُورٍ:
مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} بِالنَّصْبِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ "مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْمِيتَةَ" لِأَنَّهُ الْمُطَابِقُ فِي الْمَعْنَى لِقِرَاءَةِ الرَّفْعِ فَإِنَّهَا لِلْقَصْرِ فَكَذَا قِرَاءَةُ النَّصْبِ وَالْأَصْلُ اسْتِوَاءُ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ
وَمِنْهَا أَنَّ"إن" للإثبات و "ما" لِلنَّفْيِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ الْقَصْرُ لِلَجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ "مَا"زَائِدَةً كَافَّةً لَا نَافِيَةً وَمِنْهَا أَنَّ إِنَّ لِلتَّأْكِيدِ وَمَا كَذَلِكَ فاجتمع تأكيدان فأفادا الْحَصْرَ قَالَهُ السَّكَّاكِي وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ اجْتِمَاعُ تَأْكِيدَيْنِ يُفِيدُ الحصر
بِالْقِتَالِ إِلَى أَنْ يَقْوَى الْمُسْلِمُونَ وَفِي حَالِ الضَّعْفِ يَكُونُ الْحُكْمُ وُجُوبَ الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا لَهِجَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْ أَنَّ الْآيَةَ فِي ذَلِكَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنَ الْمُنْسَإِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ وَرَدَ يَجِبُ امْتِثَالُهُ فِي وَقْتٍ مَا لِعِلَّةٍ يقتضي ذَلِكَ الْحُكْمَ ثُمَّ يَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِ تِلْكَ الْعِلَّةِ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ إِنَّمَا النَّسْخُ الْإِزَالَةُ لِلْحُكْمِ حَتَّى لَا يَجُوزَ امْتِثَالُهُ
وَقَالَ مَكِّيٌّ: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْخِطَابِ مُشْعِرٌ بِالتَّوْقِيتِ وَالْغَايَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي الْبَقَرَةِ: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ بِأَجَلٍ وَالْمُؤَجَّلُ بِأَجَلٍ لَا نَسْخَ فِيهِ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ سُوَرُ الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَقْسَامٌ: قِسْمٌ لَيْسَ فِيهِ نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وَيُوسُفَ وَيس وَالْحُجُرَاتِ وَالرَّحْمَنِ وَالْحَدِيدِ وَالصَّفِّ وَالْجُمُعَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْمُلْكِ وَالْحَاقَّةِ وَنُوحٍ وَالْجِنِّ وَالْمُرْسَلَاتِ وَعَمَّ وَالنَّازِعَاتِ وَالِانْفِطَارِ وَثَلَاثٍ بَعْدَهَا وَالْفَجْرِ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ إِلَّا التين والعصر والكافرين وَقِسْمٌ فِيهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ الْبَقَرَةُ وَثَلَاثٌ بَعْدَهَا وَالْحَجُّ وَالنُّورُ وَتَالِيَاهَا وَالْأَحْزَابُ وَسَبَأٌ وَالْمُؤْمِنُ وَالشُّورَى وَالذَّارِيَاتُ وَالطُّورُ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُجَادَلَةُ وَالْمُزَّمِّلُ وَالْمُدَّثِّرُ وَكُوِّرَتْ وَالْعَصْرِ وَقِسْمٌ فِيهِ النَّاسِخُ فَقَطْ وَهُوَ سِتٌّ الْفَتْحُ وَالْحَشْرُ وَالْمُنَافِقُونَ وَالتَّغَابُنُ وَالطَّلَاقُ، وَالْأَعْلَى.